All posts filed under: أرشيف رمان

رسائل “كان”: نهيمُ على وجوهنا

لسنا مكاناً، لسنا حدوداً، لسنا دولةً، لكنّنا حاضرون، ومعنا تحضر ثقافتنا وفكرتنا عن الوطن والانتماء إليه، لم يعتد الفلسطينيون مكاناً خاصاً بهم، مكاناً يدخلون إليه. نحن خارجون دائماً، لا نجدُنا سوى خارجين عن أمكنتنا، مبعثرين في أمكنة الآخرين. جُملة درويش صارت شعاراً ينكر به الفلسطينيون الحالة القائمة في أنّ “وطني حقيبة” بنفيها، لفظياً، شعرياً، مجازياً، لأنّ الوطن، فلسطينياً، حقيبة. كان كذلك وما يزال. هو الراهن المستنسِخ لذاته، للفلسطيني منذ الخروج الكبير عام النكبة، منذ الترحال الأوّل. متى وجدنا مكاناً يجمعنا، يتلاشى كالغبار. نُبقي حقائبَنا على ظهورنا، نهيم على وجوهنا. كذلك كان الفلسطينيون في مهرجان كان لهذا العام، لا مكان يجمعهم، لا جناح يأويهم كالخيمة، أشبه بحالهم التي تعوّدوها، حقائبهم على ظهورهم، متنقّلين بين أمكنة الآخرين، أصدقاء لهم وغرباء عنهم. تعوّدُ هذه الحال ليس حسناً، ليس اختياراً، التكيّف مع الترحال ليس امتيازاً، لكنّ فلسطين هي الفلسطينيون (وفنّهم)، هي أين تواجدوا، هي الفكرة التي يشكّلها هؤلاء بحضورهم أين كانوا، هي كلّ هؤلاء معاً، بفنونهم، هذا ما شعرتُه في المهرجان الكئيب من ناحيته الأخرى، كأنّ عرساً عالمياً يمتدّ لأيّام، ينتشر الفلسطينيون فيه، حقائبهم على ظهورهم، يحكون بمشاريعهم وأفلامهم عن …

رسائل “كان”: الفلسطينيون رُحّل المهرجان

في كل مناسبة، مهرجان، حدث، حيث أعلام تمثّل بلداناً، ترتفع أعلى منصّات تحكي شيئاً ما عن تلك البلاد، عن ثقافتها، عن نتاجها الفنّي، أمرّ باحثاً عن علم فلسطيني، مفترضاً، دائماً، حضوره، وهو ما كان العام الماضي في مهرجان كان السينمائي (ووجدتُه)، وإن لم يحضر العلم أواصلُ البحث متأمّلاً، لا مفترِضاً، غياب العلم الإسرائيلي. وحضور العلم أو غيابه لا يتعلّق بقطعة قماش ملوّنة بقدر ما يتعلّق بما تقدّمه تلك المنصّة، ذلك الجناح، أسفل العلم. في مدينة كان المتوسّطيّة، في مهرجانها السينمائي، مررتُ صباح أمس بالمكان الذي شغله جناحُ فلسطين السنة الماضية، كان خالياً، ليس كقرية مهجّرة في البلاد، فهذا توصيف ينحصر بالنّكد الفلسطيني، كان خالياً وحسب، كملعبٍ -لنقُل- إثر انتهاء اللعبة. وكانت السماء أعلاه خالية كذلك من علمنا (بألوانه غير المتناسقة). ليس بعيداً عنه كان الجناح الإسرائيلي، الواسع، بالكراسي والطاولات المبعثرة في باحته كالمستوطنات، بحضور يستمع إلى متحدّث يقول، ولم أسمع سوى تلك الكلمات أثناء مروري: في أفلام الأنيمايشن، لدينا حرية أكبر في الخيال. للإسرائيليين دائماً منصّاتهم التي يحكون فيها “بحرية أكبر في الخيال” عن نتاجهم الفني، عن ادّعاءاتهم الثقافية والسياسية والأخلاقية، منصّات تعلوها أعلامهم لتُظهر …

النكبة مستمرّة… بالثورات المضادة

لم نكن، كفلسطينيين، أقل رغبة في إسقاط الأنظمة من الشعوب التي حكمتها تلك الأنظمة، في سوريا ومصر تحديداً، ولسنا، الآن، معنيين أقل من السوريين والمصريين في نيل مطالبهم الأولى، لسبب فلسطيني بحت، يتعلّق بالنّكبة واستمراريتها، هو لحظة الأمل التي تألّقت في دواخلنا مع الاندلاعات الأولى في الشوارع السورية والمصرية، وهي من بين الأكثر تأثيراً على تاريخنا وحياتنا ومآلنا كفلسطينيين، لحظة الأمل بأنّ كل ما كانت عليه قضيّتنا، منذ اللحظات الأولى للنكبة، منذ سُميِّيت كذلك، وقد استمرّت بأشكالها إلى اليوم، بأنّ كلّ ذلك سيتغيّر في لحظة تاريخية يعيشها الفلسطينيون كما السوريين والمصريين. إسقاط النظامين العربيين كان يعني، لنا، تحريراً فلسطينياً منتظَراً ومنظوراً، تماماً كما قالها الراحل سلامة كيلة: “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النّظام.” لذلك، وقد نهضت الشّعوب وأُخمدت، نهضت مجدّداً ومجدداً لتتنظّم مقابلها ثورةٌ مضادة في كلا البلدين، في سوريا كانت استدراكاً لحال النّظام الأمني القائم وفي مصر كانت انقلاباً عسكرياً. فلسطينياً، عنى ذلك انطفاءً لذلك التألّق، واستعادة دولة الاحتلال اطمئنانَها، وتلاشي فكرة التّحرير لدينا، كفعلٍ قابل للتحقّق يتعلّق، دائماً، بثورات الشعوب المحيطة على أنظمتها الحامية، شكلاً ومضموناً، جملةً وتفصيلاً، سراً وعلانية، لإسرائيل. نكبتنا، …

العودة… خيالٌ في الخيال

العودة بما تعنيه فلسطينياً، ليست إلا جماعية، مباغِتة، بالكاد ”يُعيد“ أحدنا معه ما يستطيع حمله، تماماً كما خرج جيل سابق، من فلسطين، ولا تكون إلا من نقاط تجمّع وانطلاق هي المخيمات، فتنزل الجموع الفلسطينية من حلب إلى حمص، ومن المدينتين إلى دمشق، في مخيّمات هذه المدن، متّجهين إلى الجولان، ولا يكون ذلك إلا في باصات جماعية، وسيّارات، ومشياً على الأقدام لمن استطاع. وكذلك هو الحال في مخيّمات لبنان، إذ ينزل النّاس من طرابلس إلى بيروت، ومن مخيّمات المدينتين إلى صيدا، متّجهين إلى الجليل. فلسطينيون، وسوريون ولبنانيون، جموع تملأ حتى طرفيْها الأفق، شعوب آتية من كل المدن والقرى والمخيمات في سوريا ولبنان، ومن الأردن جنوباً، يسرعون راكضين متى اقتربوا من الحدود، المسنّون منهم يعرجون على عكاكيزهم، لا أحد يسقط، لا أحد يمشي على مهل، لا أحد لا ينظر أمامه. هذه هي الصّور التي تتشاركها أذهان الفلسطينيين، بتغييرات خفيفة، فلكلٍّ نسخته منها، زاوية التقاطه لهذه الصّورة وتلك، تركيزه على وجوه دون غيرها، على قصص تفصيلية ولقطات مقرّبة، على حذاءٍ تُرك لوحده خلف الجموع، حَطّةٍ مستقرة على التراب، كيسٍ ممتلئ أعاق أحدهم عن سباق الآخرين فأفلته من يده …

قلقُ الذكريات المُستعارة

لأنّي ضد التصنيفات، وجدتُها فرصة حين عرفت أن للورقة التي سأقدّمها موضوعٌ هو “ملامح الرواية الفلسطينية المعاصرة”، فرصة كي أقول أنّ ليس هنالك ما يمكن تصنيفه بالرواية الفلسطينية المعاصرة، ببساطة لأنّ الكلمة الإشكالية -الأكثر إشكالية- في العبارة هي “فلسطينية”، فـ”الرواية” لها معالم واضحة تطوّرت واتّسعت لأشكال نصّية عديدة، و”المعاصرة” مفردة أقل إرباكاً من “رواية”، أمّا “فلسطيني” فهي كتصنيف، يصعب تحديدها، يصعب اختصارها بنماذج من الرواية التي يكتبها فلسطينيون معاصرون، وذلك يعود ببساطة لكون الفلسطينيين مجتمعات منفصلة، ومنها ما هو داخل مجتمعات أكبر فتتقاطع معها، ومجتمعاتنا هذه غير متجانسة، لأفرادها تجارب وحيوات لا صلة لها ببعضها، وكل ذلك تطوّر واتّخذ أشكاله منذ عام النكبة، وكل ذلك يحول دون تعميمٍ يكون دقيقاً نسبياً، مهما أُتيح له أن يكون واسعاً، يُطلِق صفة “وطنية” هي “فلسطيني” على مجموعة من الروايات. سأجدني، إذاً، عاجزاً، عن تناول عموم الرواية الفلسطينية وملامحها لسببين: أولهما أنني غير مقتنع أن التجارب الروائية الفلسطينية المعاصرة متجانسة، فلا ملامح واضحة لها يمكن اختصارها في ورقة، ولا أرى ذلك عيباً فيها بل غنى يزيد بمواضيعه المتفاوتة (من رواية تعيش شخصياتها في حيفا إلى أخرى في مخيم اليرموك …

فلسطينيو سوريا في أوروبا… على أطراف المجتمعات

اليوم، بعد سبعين عاماً على احتلال فلسطين وتهجير نصف شعبها، وبالتالي تقسيمه، من سنتها، ١٩٤٨، إلى مجتمعين أحدهما داخل البلد والآخر خارجه، صار الفلسطينيون أكثر تشتّتاً، زمانياً ومكانياً، وصار المجتمعان مجتمعات. وخلال السبعين عاماً هذه، تعاظم عدد الفلسطينيين ليصير من ١,٩ مليون، عام النكبة، تهجّر منه ٧٥٠,٠٠٠، إلى ١٢,٤ مليون داخل فلسطين وخارجها، فخلقت هذه الأرقام مجتمعات متفاوتة، وساعدت السبعون عاماً على تكريس هذا التفاوت وبالتالي خلق مجتمعات فلسطينية في منافيها، هي فلسطينية بقدر ما هي ابنة المجتمعات المحليّة، وقد تكون أقل. لكل من المجتمعات الفلسطينية هذه عناصر يمكن أن تمايزها عن الأخرى، ما يباعد بين كلّ منها، وبين ما يمكن تسميته بالمجتمع الفلسطيني بالعموم، فهذه بالأساس تسمية افتراضية، تلاشت منذ عام النكبة، وحلّ محلّها ”الشعب الفلسطيني“ للدلالة على عموم هذه المجتمعات، داخل البلد وخارجه، في المدن والقرى، في المخيمات والشتات. فكانت -الشعب الفلسطيني- عبارة سياسية أكثر منها اجتماعية، أو كانت الإشارة الوحيدة للفلسطينيين عامة، كأصحاب قضية واحدة تجعل منهم شعباً واحداً، وإن بمجتمعات متباينة متداخلة بمجتمعات أخرى يمكن أن تحمل لنفسها تسمية ”المجتمع الواحد“. داخل فلسطين، هنالك الأرض المحتلة من البلد عام ٤٨، والأرض …

«آخر الشهود»… آخر الكلمات

لطالما قال الفلسطينيون إنّ مأساتنا/نكبتنا هي الأكبر في التاريخ المعاصر (على الأقل)، ليلحقهم السوريون و”ينافسونهم“ على ذلك قائلين إنّ مأساتنا الرّاهنة تخطّت كل ما سبقها. لم أضع ”مأساتنا“ في الادّعاءين أعلاه بين علامتَي تنصيص لأنني (لحسن حظّي أو لسوئه) أجدني ضمن هؤلاء وأولئك، فـ ”نا“ المتكلّم تعود، لسوء حظّي وحسب، عليّ كذلك. على كلّ حال، لم تسحرني يوماً تلك المنافسة على مَن تألّم أكثر، أو فجع أكثر، ولو عاد الأمر لي لاخترتُ أن أكون من بين الخاسرين، أوائل الخاسرين، ألّا أجدني يوماً واحداً من ”آخر الشّهود“ لمأساتيْنا. اطّلاعي المتواضع -فعلاً- على مآسي شعوب أخرى منحني -نعم، بكل وقاحة- ارتياحاً بأنّنا، كفلسطينيين وسوريين، شركاء مع آخرين كثر في مآسي هذا العالم، آخرين كثر حكوا كثيراً عن مآسيهم. ونحن، ما لم يحكِ أحدنا، أو كلٌ منّا، عن مأساته الفردية ضمن سياقها الجمعيّ، لبقيت تتآكل في ذاكرتنا، نحن الضحايا. ”لماذا رويتُ لكِ هذا؟ الآن أشعر برعب أكبر من ذلك الوقت. ولهذا أنا لا أستعيد الذكريات…“ هذا ما قالته إحدى الشّهود لسفيتلانا أليكسييفتش في «آخر الشهود»، متفادية الحديث عمّا حصل. جمّعت الكاتبة البيلاروسية (نوبل للأدب ٢٠١٥) شهادات عديدة، وهي …

ستبقى زاويتك في مكانها يا سلامة

ليس من السهل الكتابة، هنا، حيث كان سلامة حاضراً دائماً، عن غيابه. بدأت المجلّة به، في انطلاقتها، واستمرت مقالاتُه في حضورها بشكل منتظم، طوال أكثر من سنتين، لتتقطّع أخيراً بسبب المرض، وتنقطع مساء أمس، مرة وإلى الأبد. ليس من السهل أن يكون سلامة ذاتاً في المجلّة ثم يتحوّل إلى موضوع فيها، أن يكون بانياً أساسياً لخطّها السياسي والفكري، ويتحوّل، في ساعة واحدة، إلى مرجع نهائي له مواقف ونصوص يمكن الاتكاء عليها لتفسير وإدراك ما يحصل بعدها، دون موقف راهن ومباشر ومكتوب منه، أو محادثة سكايب. الصّورة التي استطاعت هذه المجلة تكوينها، بمواقفها السياسية والأخلاقية، تعود بالدرجة الأولى إلى سلامة، إلى مقالاته وأحاديثه، وقد أخبرتُه بأنّ رمّان استطاعت أن تكون مجلّة يساريّة بفضله أولاً، لحضوره بأفكاره وتحليلاته وآرائه السياسية والثقافية والفكرية. لن أرثي هنا سلامة، فهو باق بنصوصه، بمقالاته وكتبه وحواراته. ليس الرثاء ما يتمناه سلامة، بل مواصلة المشوار، على النهج الذي شكّله هو للمجلّة. لن نرثي سلامة بل سنَعدُ بأن نبقى على الطريق، سأعده دون أدنى فكرة لديّ إن كان سيصله ذلك أم لا، إن كان سيطّلع على هذه الأسطر أم لا، سنعده لأنفسنا أوّلاً وله …

”المخطوطات لا تحترق“

هذا ما قاله الشيطان، فولند، إلى المعلّم، وهذا ما حصل فعلاً، إذ أنّ الأوّل طلب من مساعده، القط بيغيموت، أن يحضر له المخطوط الذي أحرقه المعلّم إثر كتابته، فوثب القط عن الكرسي الذي كان/صار سحراً ”رزمة سميكة من المخطوطات“. هذا في حصل في رواية الرّوسي ميخائيل بولغاكوف «المعلّم ومرغريتا»، هذا ما حصل في خيال المؤلّف الذي كان قد أحرق هو بنفسه مخطوطات سابقة له، منها نسخة أولى من هذه الرّواية التي ستصير واحدة من أهم الكلاسيكيات الأدبية في القرن العشرين. أما سبب الإحراق هنا فهو الخوف مما يمكن أو يؤدي إليه المخطوط من اعتقال، أو ”اختفاء“ كما هو الحال في الرواية وكما هي الصورة الأصلية التي انعكست عنها حكاية الرواية، والحديث هنا عن الاتحاد السوڤييتي الستالينيّ في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أحرق كل من المعلّم في الرواية وبولغاكوف في الواقع مخطوطه خوفاً من السلطة وأتباعها من المثقّفين والنّقاد، في موسكو. لكن في الثلاثينيات كذلك، كان هنالك نوع آخر من الإحراق، في مكان آخر تماماً، حيث تمّ إحراق ما تمّ ”تبجيله“ في المكان الأوّل، وذلك في برلين النازيّة، إذ حمل العديد من الطلّاب الألمان آلاف الكتب …

عامان على رمّان… نريد مكتبنا في حيفا

تكمل رمّان اليوم عامها الثاني، سريعاً، وقد أوجدت لنفسها مكانة خاصة في الصحافة الثقافية العربية، متمسّكةً بنوعيّة ما تقدّمه، مع تفاوت نسبي بين مادة وأخرى، ومتمسّكةً بتقديم جمالي للمادة المكتوبة، تحرص عليه، وباستقلاليتها وحرية كتّابها وجرأة محتواها. في العام الأوّل كانت رمّان تتأسّس وتوسّع مساحةً لنفسها بين المواقع الإلكترونية والصحف العربية العديدة. في العام الثاني واصلت المجلّة مرحلة التأسيس والتطوّر، واستطاعت -رغم ميزانيتها المتواضعة- أن تنال الثّقة من قرّائها لتقدّم محتوى بمسؤولية أكبر -يدل على ذلك عدد القراءات وقبله اهتمام الكتّاب/القرّاء بالنّشر في المجلة- واستطاعت بذلك نيل ثقة العديد من المؤسسات والمهرجانات فكانت إمّا شريكاً إعلامياً وحيداً لها كما هو الحال مع ”جناح فلسطين“ في مهرجان كان السينمائي، وكما هو الحال مع حدث فنّي هام سيُنظّم قريباً، أو شريكاً إعلامياً مجاوراً لمؤسسات كبرى من صحف وتلفزيونات كما هو الحال مع «دار النمر» في بيروت و«مهرجان رام الله للرقص المعاصر» و«معرض الكتاب في فلسطين» وغيرها… وكان يمكن للمجلة أن تكون شريكاً إعلامياً في أحداث ثقافية أخرى إنّما طبيعة تلك الأحداث التي تتطلّب حصراً حضوراً في المكان، حدّ من إمكانية تغطية موسّعة للمجلّة وإن لم يمنع ذلك نشرَ …

التبصّر: التّارو .vs الرّواية

أمامي، على الطاولة، وفوق كتب أخرى، منها ما أنهيت قراءته وتركته أمامي كي أعود إليه لفكرة كتابيّة ما، ومنها ما أقرأه بشكل متقطّع إذ لا تحتاج طبيعتُه القراءة المتواصلة. فوقها كتاب وصلني من صديقتي، جمّع محرّر الكتاب ما ذكره مؤلّفون كبار عن عادات الكتابة لديهم. سأعود للكتاب )لذلك هو هنا أمامي( إنّما ما يعنيني منه الآن هو تثبيت فكرة أنّ الكتابة مهنة كغيرها، تحتاج الانتظام، المداومة، التّمرين، وغيرها مما يمكن أن يشير إلى حرفة تُمارس يومياً. فمعظم المؤلّفين يكتبون كنوع من العمل الحرفيّ، ضمن ساعات عمل محدّدة من اليوم، بانتظامٍ يحرصون عليه. أحالني إلى فكرة الكتابة كحرفة، أمران: أحدهما يخصّ ”انحرافات“ بدأتْ تتسلّل إليّ تخص التنبّؤ أو التبصّر لا كميزة أدبية روائية فهذه خرافة يخرطها الكتّاب على العالم (سأعود لذلك، فهذا هو الأمر الآخر)، إنّما تخصّ حياتي الواقعية، فمنذ أتتني صديقتي ببطاقات التّارو، محاولةً أقناعي (دونَ أدنى مقاومة عقلانية منّي) بأنّ شيئاً ما فيها حقيقي وواقعي، و”قرأتْ“ لي عنّي وعن أسئلة في ذهني طلبت مني التفكير بها قبل سحبي للأوراق التي ستقرأها، ثم بطاقةً بطاقة تنتقل إلى الحديث عما أفكّر به، تشرح البطاقات وتربط بينها …

السينما في الثورة… سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج

نُشرت في العدد الأخير من مجلة بدايات المخصّص لمئويّة الثورة الروسية ”من بين كل الفنون، الأكثر أهمية لنا هو السينما“. هذا ما قاله قائد الثورة البلشفية في روسيا، فلاديمير لينين، وهذا تماماً ما تعكسه الأفلام السوڤييتيّة الأولى، كوسيلة ”هامة“ و”لنا“، وضمير المتكلّم هنا يعود على الاتحاد السوڤييتي الوليد، وقالها في مقابلة بالتزامن مع أفلامٍ سنتناول أمثلة منها هنا، إذ كانت السينما السوڤييتية تتبلوَر بما يخدم مصالح الدولة، أو المصالح الطبقية التي تأسست عليها الدولة السوڤييتية، قبل أن تتحول سريعاً إلى بيروقراطية. ومن أهم الأفلام ”الهامة“ كان آنذاك، أفلام المخرج سيرغي أيزنشتاين، والحديث هنا عن عشرينيات القرن الماضي. لكن قبل الوصول إلى أيزنشتاين، وإلى اثنين من أفلامه، سنمرّ أولاً على أخرى يمكن أن تعطي فكرة عن الطبيعة التقنية/الفنية لهذه السينما، إضافة إلى كونها ”هامة“ بالمعنى الدعائي لها، وكلمة “الدعائي“ لا تقصد الذّم بهذه الأفلام ولا المديح، إنّما التوصيف، ففيلم كـ «المدرعة بوتمكين» لأيزنشتاين، هو دعائي تماماً إنّما، في الوقت ذاته، يُعدّ من بين أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية ومن بين أوّلها موضوعاً للدراسة. ليست المسألة إذن حمل الشعارات من عدمه، أي ”الدعاية“ لصالح أفكار معينة من …

التّراث/الهويّة/الأغنية

يرتبط التراث بالهويّة الرّاهنة لأي شعب بالقدر الذي تتعرّض فيه هذه الهويّة لمحاولات فصل بين راهنها وماضيها. هنا، لا يكون التراث مجرّد صورة سابقة للهويّة الراهنة، تبتعد عنها زمانياً وحسب، بل يصير حاضراً، يصير مُستعاداً ليُقرن بشكل حي بهذه الهويّة، حامياً لها مما تتعرّض له من محاولات فصلها عنه، فيستعيد الشعب القابع تحت الاحتلال تراثه كحامٍ له ولهويّته الرّاهنة، لأصلانيّته وأحقّيته في أرضه، فلا يكون تراثه مجرّد ماضٍ. التّراث، فلسطينياً، حارس لهذه الهويّة في صراعها اليوميّ مع احتلال يحاول جاهداً محوها وإخراجها عن سياقها التاريخي والجغرافي، بفصلها عن علاقتها بماضيها، أي فصل الهوية المعاصرة للفلسطيني عن التراث المقترن بالأرض الفلسطينية. وفلسطينياً كذلك، يحضر التراث، أكثر ما يحضر، في الأغنيات، فالأدب والسينما وغيرها هي فنون لاحقة لمرحلة تشكّل الهويّة الفلسطينيّة. يبقى لدينا الغناء والموسيقى، كفنون جماعيّة شعبيّة كما هي فرديّة. لكنّ التراث إجمالاً نتاج شعوب وليس أفراد، أي أنّ الأغاني التراثيّة الفلسطينية هي نتاج عموم الشعب أو مجموعات منه، قد تكون بدأت بواحد واستُكملت بآخر وزيد عليها من آخر، إلا أنّها، بعد تراكم إعادات الإنتاج لها، نتاج عموم الشعب. وما يجعلها نتاجاً جمعيّاً هي المناسبات التي …

”جناحُ فلسطين“… خارج السّياق

– هي لا تفكّر بغير المزاح! – إلى من تتحدّث؟ – إلى المشاهدين. تنظر آنا كارينا إلى الكاميرا، إلى المشاهدين الذين تحدّث إليهم جان پول بلموندو، يتشكّل إطارٌ في فيلم جان لوك غودار، إطارٌ خارج سياق باقي إطارات الفيلم، تأخذه ”مؤسسة الفيلم الفلسطيني“ لتصنع به هذا الملصق. فكرته مأخوذة عن الملصق الرسمي لمهرجان ”كان“ السينمائي لهذا العام، والمصنوع من صورةٍ من الفيلم ذاته، «بييرو المجنون»، يقبّل فيها كلٌّ من آنا وجان پول بعضهما، في لقطة آمنة داخل السياق الذي تجري فيه باقي مَشاهد الفيلم. هنا، في الملصق الفلسطيني، خاطبت الشّخصياتُ الجمهور، وهي ليست تقنيّة جديدة آنذاك، فقبل غودار بسنين اشتغل عليها ونظّر لها الألماني بيرتولد بريخت في المسرح، وقبله بسنين كذلك كتبها دوستويفسكي في الأدب، إنّما لم يحُل الزّمن دون بقاء هذه التّقنية ثوريّة وخارجة عن المألوف والإطارات والسياقات والمتوقّع. وهذا الخروج عن السياقات المفترَضة مسبقاً، هو ما يمكن أن يكون ”صورةَ“ الحضور الفلسطيني في هذا المهرجان، بعدما كان في أفلام مشاركة (لسليمان وخليفي وأبو أسعد وحاج…)، تجسّدَ هذا الحضور اليوم في جناحٍ ثابت يُنصب لأوّل مرّة، ويشير لمكانه علمٌ فلسطيني. شخصيّةُ غودار (آنا كارينا) …

اليرموك… لا ربّ ولا أهل ولا مكان

في مقالتي الأولى غير الافتتاحية لهذه المجلة، كتبتُ «عن ”التّجمع“ وعنّا»، أن ”لا يجب أن تعني حملة الاحتلال الأخيرة على ”التجمع“ الحزبَ وأهلنا في الداخل بقدر أقل مما تعني باقي الفلسطينيين.“ تذكّرتُ المقالة التي كتبتها عن حزبٍ أختلف معه وأتّفق في مسائل عدّة، مصرّاً على أنّ أي ملاحقة لأي فلسطيني من قبل الاحتلال هناك، لممارسته فلسطينيته بشكل من الأشكال، هي ملاحقة لكل فلسطيني، خارج البلد كما في داخله، تذكّرتُ ذلك وأنا أفكّر لا في حزب ولا في ملاحقة، بل في مخيّم وفي تدمير. وتردّدتُ كثيراً قبل كتابة هذه الأسطر، فلا أريد أن أنادي الشقّ الآخر من الفلسطينيين، هناك داخل البلد، سائلاً إيّاهم عن إمكانية التّضامن مع مخيّم يُدمّر. مجرّد كتابة هذه الأسطر يعني أنّ هنالك نوعاً من المناداة، والأسوأ أن هنالك نوعاً من المقابلة: أنّي كتبتُ وتضامنت معكم، افعلوا شيئاً وتضامنوا معي! لا. ليس هذا ما أريده، لا لي ولا لكم. لا أريد لهذه الأفكار أن تنضج، أن تتطوّر، أن تجد نفسها في مجال يجعلها واقعية وملحّة وصادقة. أريدها أن تبقى مخاوف تتردّد بين فينة وأخرى، دون أن تؤكّد حضوراً ما في لحظة ما من الزمن …

دار النشر الحيفاويّة تلك، المحتمية بإسرائيل

من سيكون المقصود بذلك غير ”دار راية للنشر“! ليس لأن لا دار غيرها في حيفا بل لأنّها الوحيدة التي يمكن أن تخطر على البال متى قيل ”المحتمية بإسرائيل“. ليس هذا جديداً على الدّار في تجربتها معي على الأقل، فقد صدر لي كتاب عنها قبل ٣ سنوات وكانت عمليّة نصبٍ تامّة كتبتُ عنها آنذاك، وكان ”الاحتماء بإسرائيل“ مبرّر تلك العمليّة إذ لن أتمكّن (كلاجئ فلسطيني) من نيل حقوقي من الدار أو صاحبها بشير شلش. ولآخرين تجارب مماثلة معه كما عرفت إثر نشر المقالة. ولأنّ السّطو على أملاك الغير ميزة إسرائيلية، بل قانون سمّوه ”أملاك الغائبين“ يأتي سطو هذه الدار في سياقه الطّبيعي إذ تحتمي بواقع أن هنالك احتلال لفلسطين، وهنالك ”عادة“ سطوٍ على أملاك اللاجئين منهم، وأنّ لـ ”راية“ حصّتها من هذا السّطو، تمارس ما يحلو لها باطمئنان، فلا طريقة لمحاسبتها إلا ضمن مؤسسات دولة الاحتلال قوانينها، وهذا ما لن يقبله لنفسه من يرى في مدينة كحيفا النقيضَ من هذه الدار وصاحبها المستفيد من حقيقة أن المدينة محتلّة. في شهر تمّوز الفائت راسل بشير شلش الزميلَ أوس يعقوب لسؤاله عن مادة كان قد أعدّها بالتنسيق معي …

الكلام في «ألف ليلة وليلة» و«پيرسونا»

قد يبدو المثالان متباينين في مقاربة الكلام، فأحدهما كتاب والآخر فيلم، الأوّل كلاسيكي والآخر حديث، إنّما في كليهما أمثلة على تفوّق الكلام والحكي في الإخبار، على غيره من الأشكال الفنية، في الأوّل يكون على الشّعر وفي الثاني يكون على الصّورة المتحرّكة، وكلاهما -الشعر والصورة- أشكال إخبارٍ تُضاف للنثر/الكلام.

عن الفلسطيني الصهيوني الذي ترشّح لنوبل

اسمه عزيز ضومط (١٨٩٠-١٩٤٣)، وقد ترشّح لجائزة نوبل للأدب عام ١٩٣٦، تلك التي كسبها الأميركي أوجين أونيل. وُلد في القاهرة وعاش بين القدس وحيفا قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، لكن ليس هذا ما يهمّنا هنا. كتب فاروق وادي أمس سائلاً عن ضومط، عن الجهل به. ونشرنا قبل قليل ترجمةً لفصل من كتاب قد يعرّف أكثر بالرّجل. وهنا، بهذه الأسطر، سأحاول ”التّعريف“ أكثر به، فلا يكفي أن يكون كاتبٌ ما فلسطينياً مترشّحاً لنوبل، كي نحتفي به. ويبقى سؤال الصّديق وادي عن ضومط مطروحاً لضرورة أن يبقى البحث عن هذا الفلسطيني ومواقفه جارياً، ولعلّ مقالتي هذه تقدّم مساهمةً ما. المواقف تؤخذ في سياقاتها التاريخية، والسياق التاريخي لعزيز ضومط ومواقفه المعبّر عنها في أدبه، هي فلسطين ما قبل النّكبة، فلسطين الهجرات اليهودية والمستوطنات الأولى، ففي زمن كان الفلسطينيون يقاومون فيه هذه الهجرات، كان ضومط يدعو إلى التعايش المشترك، وذلك واضح في رد ألبرت آينشتاين (شخصياً) على ضومط برسالة عام ١٩٢٩ قائلاً: ”… أوافقك تماماً على ضرورة العمل لإيجاد مجتمع يهودي-عربي يقرّب الشعبيْن المتقاتليْن وينفي المتطرفين الوطنيين…“* قد يكون السياق الأنسب لفهم مواقف ضومط الذي نادى باكراً جداً بالتعايش …

عن ”البقاء في حيفا“

كالعديد من المسائل الفلسطينية هو إميل حبيبي، إشكالي مُختلَف عليه لاعتبارات لا تكون عادة في مكانها، هل كان لا بدّ أن يُغتال كي يخرج من المساحة الإشكالية؟ لدينا مشكلة نحن الفلسطينيين فلنعترف بها، هي أنّ الاستشهاد ”يجبّ ما قبله“، مثالان بارزان هنا هو محمود درويش (هو كذلك مسألة إشكالية) وياسر عرفات الذي صار، وقد اغتيل بالسّم كما تبيّن، شهيداً وبطلاً ”قومياً“ فلسطينياً، أمّا درويش فبقي مسألة إشكالية لدى الكثيرين، وذلك لقربه من عرفات!

المقابلة: جلبير الأشقر

اليوم تحديداً تكمل الثورة الروسية عامها المئة، منذ اجتاح البلاشفة قصر الشتاء في بطرسبرغ، وعلى مدى قرن تأثر العالم بهذه الثورة سلباً وإيجاباً كما لم يتأثر بغيرها، وتحديداً في منطقتها العربية… التقيتُ جلبير الأشقر مؤخراً وأجريت معه هذه المقابلة التي تُعيد العديد من الأفكار والمواقف إلى نصابها الصحيح، إنطلاقاً من الماركسية ونقداً لتجربة الاتحاد السوفييتي ولعموم اليسار العربي.

المتحف اليهودي ببرلين… تدوير الحكاية

أحاول ألا أترك مدينة أوروبية أزورها دون البحث عن مَتحف لليهود فيها أو نصب للهولوكوست. لا أعرف تماماً لمَ، قد يكون ذلك للقدرة ”العظيمة“ لليهود على تحويل المأساة إلى منبع للسلطة/للتسلّط في هذا العالم، منبع ممتد وبصلاحية تامة لأكثر من سبعين عاماً اليوم. قد يكون ذلك للفكرة التي لا تفارقني، التي أوردها إدوارد سعيد ومن بعده إلياس خوري وهي أنّنا نحن الفلسطينيين يهود اليهود، فأرى ما يفعله اليهود بمأساتهم، كيف يقدّمونها للعالم وكيف يوظّفونها سياسياً، وما نفعله نحن. بكلمات أخرى: أتلمّس خيبتنا في نقل نكبتنا للعالم بالمقارنة مع ”عظمة“ إعادة الإنتاج اليهودي الحاضر دائماً، لمأساتهم.

منفى فلسطينيي سوريا المتعدّد

الحديث عن المنفى لا يكتمل دون الحديث عن معنى الإقامة لدى المنفيّ، فهو يدرك أنّ مكاناً ما يكون منفى له من خلال إدراكه المسبق لمكانٍ آخر يكون له (أو كان له) مكان إقامة واستقرار وطمأنينة، دون أن أضطرُ هنا لتسمية هذا المكان بالوطن.

ندخل اليوم عامنا الثاني…

قبل عام من اليوم انطلقت هذه المجلة، وخلال ٣٦٥ يوماً استطعنا أن نقدّم بالنّص والصورة، بالشكل والمضمون، بالرأي والتحليل والنقد والعرض… الثقافةَ الفلسطينية والسورية والعربية والإنسانية بمهنيّة أولاً، باستقلالية ثانياً، باحترام للقارئ والكاتب ثالثاً، بشكل عملي مدروس، وحديث، بجماليّة عالية، باعتناء بطبيعة المادة المقدّمة، وبموضوعها، بكيفيّة تقديم هذا الموضوع… رابعاً وخامساً وسادساً… دون أن يعني ذلك أنّ هذه السنة لم تخلُ من أخطاء: مواد محدودة جداً كان أفضل لو لم ننشرها.

جنّة جنّة جنّة…

كان من المفترض أن أكتب مقالة أفتتح بها الموقع الجديد لهذه المجلّة، فقد أصدرنا رمّان الثقافية في أواخر هذا الشهر من العام الماضي، لكنّي رأيت أنّ أفضل ما يمكن أن يحكي عن المجلّة هو الكتابة عن حمص والقدس والغناء الجمعي لـ «جنّة..» في الساحات، في الخالدية قبل ستّ سنوات، عند جامع خالد بن الوليد في حمص وفي ساحة المسجد الأقصى في القدس اليوم، وذلك هو الأقرب للهويّة الثقافية والسياسية التي حاولنا، في رمّان، منذ مراحل التحضير الأولى حتى اللحظة، أن نحملها، بمعناها الوطني الشعبي وليس الديني.

هاتِ أسلوبَك، لا حكايتك

أتساءل أحياناً إن كانت هنالك حكايات لم تُحكَ بعد كل ما أُنتج حتى الآن من روايات وأفلام ومسرحيات. هذا تساؤل عام جداً ولا إجابة عنه ولا أسعى، بطرحه هنا، لإيجاد إجابة بل أتوسّله للمرور إلى افتراض محدّد جداً وهو أنّ أساس العمل الفنّي/الأدبي هو الأسلوب وليس المضمون. قلت المضمون ولم أقل الحكاية كي أتمكّن من سحب هذا الافتراض على الأعمال الفنيّة البصرية.

محمود هواري: سينتج “المتحف الفلسطيني” معرفة بتراث فلسطين وتاريخها وثقافتها

في مثل هذه الأيام قبل عام تم افتتاح “المَتحف الفلسطيني”، رافق الافتتاح انتقاداتٌ كما رافقته آمالٌ بتأسيس مشروع ثقافي توثيقي ضخم يتعدى النكبة كزمن وكموضوع. التقيت مؤخراً بمديره العام محمود هواري في مارسيليا وأجرينا هذه المقابلة عن المتحف فكرةً وتنفيذاً. ننشر المقابلة الآن ضمن ملف النكبة الممتد على طول الشهر.

النكبة، الذكرى، الفكرة

سنة عن أخرى تتحوّل فلسطين أكثر إلى فكرة منها إلى ذكرى، لدى أهالي اللاجئين عنها عام النكبة، وقد مرّ على ذلك ٦٩ عاماً. من وُلد آنذاك هناك، أو قبلها بسنوات قليلة، وقد صار في سبعينياته، لن تكون لديه ذكريات يحملها من هناك ولا حكايات ينقلها إلى أحفاده وأبنائهم، لتصير اليوم الحكاياتُ التي حُكيت عن النكبة وفلسطين ما قبل النكبة مكتملة، فلا حكايات تُضاف إليها وقد رحل عن عالمنا معظم من لحق أن يعيش في فلسطين سنوات تسمح له بالخروج منها محمّلاً بذكريات ينقلها لمن وُلد في اللجوء من أهله.

«دم الأخوين» لفواز طرابلسي: تمثيلات التوحّش فنياً

إن اتفقنا أولاً على أن الحروب، الأهلية منها تحديداً، ظاهرة بشعة في هذا العالم، ومن ناحية أخرى أن الفنون، بشتى أشكالها، ظاهرة جميلة في العالم ذاته، قد نصل إلى نتيجة أن مقاربة الحروب من خلال الفنون -الموضوع البشع والوسيط الجميل- هي الأكثر كشفاً لفظاعات تلك الحروب وعنفها، وهذا الكتاب، «دم الأخوين» (رياض الريس للكتب والنشر – بيروت – ٢٠١٧) يقدّم دراسات متنوّعة عن تلك الفظاعات، من خلال قراءة أعمال وموضوعات فنية تناولت الحروب وأظهرتها، وهذا حالها، بشكلها الأكثر بشاعة.

ليست هذه صورة… هذا ملصق!

قبل يومين أعلن كل من مهرجان كان السينمائي ومهرجان رام الله للرقص المعاصر عن الملصق الخاص بالدورة القادمة لكل منهما، وكأي عمل فني يُطرح للرأي العام، طال الملصقين آراء متفاوتة، الآراء المستنكِرة منها تأتي من منطق واحد يجمع بين المزاودة في الوطنية/النسوية والقطيعة مع الفن.