من نعرفه اليوم باسم فرناندو بيسوا (١٨٨٨-١٩٣٥)، الشاعر البرتغالي، وقّع نصوصه الشعرية والنثرية بأسماء عديدة، وكتبها بثلاث لغات اتّبع في كل منها التراث والأساس الشعري الخاص بها، في البرتغالية كما في الإنكليزية، إذ تأثّر في الأخيرة بالشاعر الأميركي والت ويتمان، إضافة إلى الفرنسية التي تقدّم في الكتابة بها متأخراً، في تأثّر واضح بشارل بودلير وستيفان مالارميه وآخرين. وهذه، كتاباته الفرنسية تحديداً، كانت الجديد الذي أتت به «دار الاختلاف» (Éditions de La Différence) الفرنسية وبتحرير من باتريسيو فيراري متعاوناً مع مترجم بيسوا باتريك كيير الذي كتب مقدّمة نقديّة مطوّلة للكتاب، وهي المرة الأولى التي يُجمع فيها كل ما كتبه بيسوا بالفرنسية في كتاب واحد، صدر مؤخراً عن الدار.
كيف لأحد أن يجد الثقة في كتابة مقالة تُلخَّص في أنّ آخَر لم يقرأ كتاباً بعينه قبل الإشارة إليه في مقالة أو أنّه كتب مقالة في اتكاء على غيرها حصراً. يمكن للسيد بدر الدين عرودكي في ردّه المتوتّر والمتسرّع على مقالتي التخفّف من الثقة فيما قرأته وما لم أقرأه، كي يجمع قدراً أكبر من المصداقية فيما كتبه. لستُ هنا لأردّ على أحد لكن لأعقّب باقتضاب على بعض الافتراضات الخاطئة للسيد عرودكي، دون الإشارة بطبيعة الحال للإساءات اللفظية في مقالته، فهي تحوي ردودَها في ذاتها. أتى ردّه على مقالة لي بعنوان «ميلان كونديرا وإسرائيل» المنشورة على هذه الصفحات في الثاني عشر من هذا الشهر.
هنالك أكثر من باعث لموضوع هذه الأسطر الآن، أوّلها صدور الترجمة العربية لروايته الأخيرة «حفلة التفاهة» (دار المركز الثقافي العربي) أواخر العام الماضي، أي في العام ذاته الذي صدرت فيه الرواية بالفرنسية (دار غاييمار)، اللغة التي كُتبت بها، في احتفاء استثنائي بالكاتب التشيكي يندر أن يحظى بمثله كاتب أجنبيّ آخر. ثانيهما هو أنّ الجائزة الإسرائيلية التي مُنحت لكونديرا عام 1985، جائزة جيروسالم، وألقى بمناسبتها كلمة هي موضوع هذه الأسطر، أنّها تُمنح هذه الأيام لكاتب آخر هو إسماعيل كاداريه، وقد كتبتُ في ذلك قبل أسبوعيْن. ثالثهما هو الاحتفاء الصحافي الدائم بكونديرا، وتحديداً مؤخّراً في أخبار ومقالات تتناول الترجمة الصادرة قبل أشهر قليلة، احتفاء يُضاف إلى احتفاء دور النشر بكل جديد له فيتسابقون لنشره ويتنازعون فيما بينهم بأسبقيّة حقوق الترجمة والنشر. أما آخر البواعث فهو ما وجدته مؤخّراً في كتاب «فن الرواية» بالفرنسية، في آخر محتوياته وهي الكلمة التي ألقاها أثناء استلامه للجائزة.
في أكتوبر من العام الماضي مرّت الذكرى الثلاثون لرحيل المخرج السينمائي الفرنسي فرانسوا تروفو (1932–1984)، وفي السادس من هذا الشهر ستحلّ ذكرى ميلاده، وبين التاريخين تم الاحتفاء فرنسياً بأحد مؤسسي «الموجة الجديدة» في السينما الفرنسية ضمن عروض وندوات ومعارض نظّمتها «السينماتيك الفرنسية» في باريس ومدن أخرى، إضافة لأعداد «خارج السلسلة» وملفات خاصة في مجلات كـ «لو بوان» و «لو مودن» و «لو ماغازين ليتراير» و «تيليراما»، وبرامج تلفزيونية كان أهمّها الوثائقي الذي عرضته مؤخراً قناة «آرتي» وهو «فرانسوا تروفو، سيرة ذاتية».
هذه لائحة تزخر بالأسماء، بأدباء لهم ترجماتهم للعربيّة ولهم بذلك قرّاء، وهنا يتم طرح السؤال الأبدي بخصوص النص الأدبي والموقف السياسي لصاحبه. الحديث هو عن الجائزة الأدبية الأكبر في إسرائيل وهي «جائزة جيروسالم»، لا أجدني مترجماً إياها بـ «جائزة القدس» كما تُعرف عربياً. بكل الأحوال، اسمها «جائزة جيروسالم لحرية الفرد في المجتمع» وتُمنح كل سنتين لكاتب عالمي تميّزت كتاباته في تناول موضوع الحريّات، أمّا دورتها الأولى فكانت عام ١٩٦٣ ومُنحت للفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل.
من بين مجمل النتاج الفني لشعوب تقاوم محتلّاً (أجنبياً أو «وطنياً») يمكن انتقاء الرسم، كشكل جامع لهذه الشعوب، لا يحتاج لكلمات تستلزم ترجمتها، بخلاف الآداب والسينما وغيرها، أمّا الموسيقى فتجريديّتها تنفتح على تأويلات عدّة. والرسم يخرج لمتلقّيه على الورق والشاشة، وكذلك على بيوت المدينة وجدرانها.
خلال الأشهر الأخيرة لم تبق تقريباً صحيفة أميركية إلا وخصّصت مقالات تتناول ما سيحدثه «نتفلكس» في تغيير في أنماط المشاهدة، و«نتفلكس» هذه، بمبلغ شهري، تتيح للمشتركين التجوال عبر تلفزيوناتهم بين آلاف البرامج والمسلسلات والأفلام ومشاهدتها متى أرادوا، الخيارات والأوقات مفتوحة، مع ما يرافق ذلك من حقيقة أن المشتركين باتوا يمضون وقتاً في التجوال والتقليب بين المعروضات وتفحّصها، وقتاً قد لا يقلّ عمّا يمضونه في المشاهدة ذاتها.
كأن يخطر لأحدهم عنوان ما، عنوان جدير بأن تُلحق به مقالة تناسبه فيمكن نشره، فتُكتب المقالة بالقدر الأكثر أمانة للعنوان، كذلك بدا اختيار الممثل الأميركي ويلم دافو ليقوم بدور الشاعر والسينمائي الإيطالي بيير باولو بازوليني، في فيلم للمخرج الأميركي أبيل فيرارا. واختيار دافو ليقوم بدور بازوليني كان أفضل ما فعله المخرج، بالنظر إلى ما دون ذلك في الفيلم. أما الباعث على حكمٍ كهذا فهي استثنائية شخصيّة بازوليني، لنتاجه الأدبي والسينمائي أولاً ولسيرته الشخصيّة ثانياً، فأي تناول لشخصيّة بازوليني لا بدّ أن يضع لذاته معايير تلائم نتاجه وسيرته، وهو ما صعب على المخرج كما يبدو. لكن، وبكل الأحوال، لا مبرّر لعدم حضور فيلم يحمل اسم «بازوليني» ويتناول الساعات الأربع والعشرين الأخيرة من حياته، بغض النظر عن مدى توفّق المخرج في إنجاز الفيلم.
لنبدأ من أولى النتائج المباشرة للجريمة المرتكبة في مكاتب «شارلي إبدو». الجريدة الساخرة كانت قبل السابع من يناير تطبع ستين ألف نسخة أسبوعياً، أما عددها الأخير الذي صدر الأربعاء الماضي، وهو عددها الأوّل بعد الجريمة، وسيكون عددها الأوّل في مرحلة جديدة ستعيشها الجريدة، مرحلة من الانتشار والربح والشهرة لم تكن تحلم بها جريدة من الدرجة الثانية تعتمد الاستفزاز والمغالاة في «المساس» بالآخرين، دينياً وسياسياً، لفتاً للأنظار. هذه الجريدة طبعت خمس ملايين نسخة من عددها الأخير الذي تمت ترجمته إلى ست عشرة لغة موزّعة حول العالم تساعد في نشرها صحف عدّة خارج فرنسا.
يوثّق المخرج سليم أبو جبل، ابن الجولان السوري المحتل، في فيلمه الطويل الأوّل، الأشهُرَ الأخيرة من حياة زوجيْن هما يوسف أبو العبد وشريكته آمنة، وقد تمّ توثيق حياتهما على عدّة مراحل من قبل المخرج الإسرائيلي، المؤيد للعديد من الحقوق الفلسطينية، عاموس جيتاي.
رمزيّة، هو التوصيف الأفضل لاعتراف برلمانات أوروبية بالدولة الفلسطينية، لكن ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الاعتراف الرّمزي بامتياز على مسيرة الكفاح الفلسطيني، كفاح شعب ضد احتلال هو الأطول في تاريخ الشعوب المعاصر؟
«حبيبي بيستناني عند البحر»، اللهجة التي ترنّ في عنوان الفيلم، وتحديداً كلمة «بيستناني» الفلسطينية بامتياز، والعفوية التي يشي بها العنوان، يناسبان طبيعة الفيلم الوثائقي للمخرجة الفلسطينية ميس دروزة، يناسبان أولاً التلقائية التي نسمع فيها أحاديث لفلسطينيين في الفيلم، وثانياً سيرَ الفيلم الذي ينتهي عند البحر حيث ينتظر الحبيب حبيبته (الحلم وتحقيقه)، عند البحر حيث بدأ الفيلم، وقبل بدئه حيث حلّت فكرته، من غرق الفنان الفلسطيني حسن حوراني، ثم ينتهي الفيلم أخيراً على بحر عكا مع أولاد يقفزون أمتاراً عالية إلى بحرهم.
هذه حكاية أهالي مدينة يدخل عليهم غرباء فيحكمون المدينة وأهلها بالسلاح ويفرضون عليهم نمط حياة غريب يستمدونه من فهم متطرف للإسلام. الحكاية ذاتها قد تأتينا من مدن وبلاد أخرى، الفيلم الموريتاني/الفرنسي «تيمبكتو» للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو يحكي عن مدينة وسط مالي، لكن الفيلم ذاته بتغيير طفيف في الأسماء والأزياء قد يحكي عن الرّقة أو الموصل أو غيرها من المدن التي هاجر إليها متطرّفون جهاديون ليقيموا «خلافتهم الإسلامية» عليها.
يبدو أن زيارة الكاتب الجزائري المتفرنس بوعلام صنصال إلى إسرائيل في صيف ٢٠١٢ قد أثّرت به فعلاً، وأنه فعلاً رجع منها «غنياً وسعيداً» كما صرّح في حينه. فمنذ ذلك التاريخ، بل وقبله، حتى يومنا هذا يزداد الاحتلال قبحاً، في ممارساته المعهودة على أنواعها، في غزّة والضفّة والقدس والـ ٤٨، انفلت في تقبيحها تحديداً خلال السنة الأخيرة، لكن منذ ذلك التاريخ كذلك، بل وقبله، ازداد صنصال «غنى وسعادة» بفعل الاحتلال، بفعل قبح هذا الاحتلال.
تكرّست معارض الكتب في البلاد العربية خلال السنوات الأخيرة، وصار واحدها كرنفالاً يتّسع لكل ما يمكن أن يُصفّ إلى جانب الكتب في صالات العرض. وكثرت مع الوقت أنشطة وعروض يبهت الكتاب أمام بهرجتها، فتخفت خصوصية المعارض وتضيع غايتها والتي هي بيع الكتب المفترض قراءتها. صارت المعارض (معرض أبوظبي للكتاب مثلاً) متّسعة، كما للكتب، لبطاقات إعلانية لشركات استأجرت أجنحة في المعرض، ولعروض حيّة في جولات طبخ متتالية تبيد رائحتُها رائحةَ الورق.
هي المرّة الأولى التي تُنقل فيها الحرب الروسية في الشيشان إلى صالات السينما وعلى مستوى عالمي، وذلك في فيلم «البحث» (The Search) للمخرج الفرنسي ميشيل آزانافيسيوس الذي ابتعد في فيلمه هذا كثيراً عن فيلمه السابق «الفنان» (The Artist) وهو فيلم صامت يُصنّف كـ «رومانتيك كوميدي» نال استحسان النقاد وعدّة جوائز.
تتخد أحياناً السيرة الذاتية شكل الرواية، أو الرواية شكل السيرة، يتعرّض سرد الأحداث الواقعية في السيرة لانزياحات تتسبّب بها خيالات المؤلف، أو أنّ هذه الخيالات والحبكة الروائية تستعين بأحداث فعلية خبِرها أو عرف بها المؤلف. فأي رواية تقترب زمنياً/مكانياً/ظرفياً من تفاصيل واقعية تخصّ مؤلّفها، تحديداً إن اتّخذ الراوي ضمير المتكلّم، سيُطرح سؤال بمدى واقعية هذه الرواية في حياة مؤلفها، أي مدى نسبة «السيرة الذاتية» الحاضرة في الكتاب.
«امتازت» حياة الفرد الفلسطيني بمأساة شعبه الجمعية، إضافة لما جرّته من مآسي خاصة لكلٍ منها ما «يميّزها»، وكردّ فعلِ أي شعب على مسبب مآسيه (وهو هنا الاحتلال) شهدت هذه الحياة انتفاضات وثورات وأفعال مقاومة شتّى، فتشكّلت (من هذه وتلك) هويّة أمميّة له هي أقرب لمفاهيم الحرية والتحرير والتضامن الأممي وغيرها، جعل هذا للفلسطيني امتيازاً، واحتفاءً مسبقاً به، ضمن المجتمعات المتضامنة، وصار الفلسطينيون أحد الممثِّلين لهذه المفاهيم أينما حلوا.
معروفٌ أن نظرة الأجيال في إسرائيل إلى دولتهم تغيّرت منذ قيام الدولة على أنقاض بيوت الفلسطينيين إلى يومنا هذا، ما يمكن قراءته في الصحف والكتب ومشاهدته في الأفلام يشير إلى أن الجيل الحالي في الدولة العبرية (الطامحة لتكون يهودية بشكل رسمي) أميل للعلمانية منه للتديّن، وأن الشباب هناك لم يعد يأخذون مسائل كـ «شعب الله المختار» و «أرض الميعاد» مأخذ الجد، هم أميل للبراغماتية سياسياً والمادية اجتماعياً، بما يتماشى مع صهيونيتهم بطبيعة الحال. وليس المقصود هنا التطرف الأرثوذكسي اليهودي، الحاريديم، بل فكرة «اليهودية» كجامع ديني أسطوري ومصيري للممٍ من شعوب أخرى تمّ تجميعها لأسباب ظاهرها ديني في فلسطين، فكرة الجماعة الدينية لم تعد تروق لكثير من أبناء أكثر من جيل إسرائيلي.
قد تنحصر لدى الكثيرين علاقة الفيلم بالكتاب ضمن الأفلام المأخوذة عن الأدب أو الكتب المتعلّقة بالسينما. في الأولى يأخذ الفيلم مادته من الكتاب وفي الثانية يأخذ الكتاب مادته من الفيلم. وهي علاقة تلقائية تنشأ لدى أي من الطرفين بشكل فردي، يخص كتاباً أو فيلماً بعينه، دون أن تصل هذه العلاقة لتكون صناعة تتخطى الاختيارات الفردية للمخرج أو المؤلف.
في فيلمه الأخير يواصل المخرج الفرنسي فراسنوا أوزون مقاربته السيكولوجية للمسألة الجنسانية، ففي فيلمه العام الماضي «شابة وجميلة» روى قصّة طالبة فرنسية تقرّر ممارسة البغاء مع رجال أغنياء، بمقابل مادي، دون أن تكون بحاجة فعلية لهذا المقابل إنّما لدافع نفسي، يخصّ ذاتها ورغبتها في أن تعيش هذه التجربة. في فيلمه الأخير «صديقة جديدة» (Une nouvelle amie)، والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، يتناول أوزون الجنسانية في موضوع آخر أقرب للتحوّل الجنسي، ضمن مقاربة سيكولوجيّة كذلك، وهي المقاربة التي تطغى على معظم أفلامه باختلاف مواضيعها.
استطاعت الأفلام الفلسطينية أن توجِد لنفسها مكانة في السينما العربية، نستطيع القول أنها مكانة متقدّمة نسبياً من الناحية الفنيّة وكذلك الدرامية. يمكن إرجاع ذلك لعدّة عوامل سيكون من بينها حتماً الظرف السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون، وللغنى الذي يمكن أن تقدّمه القضيّة بما تكتنفه من موضوعات، لأي عمل فنّي أدباً كان أم سينما.
سيكون من الصعب تدبير حجّة يتجنّب بها أحدهم مشاهدة فيلم، يودّ بشكل أو بآخر ألا يفوته، رغبة أوّلية لمشاهدة فيلم في بلد كفرنسا ستكون كافية للوصول إلى المراد، لا عقبات جادة هنا، لا حجج أخيراً.
لم يكن للسينما دوماً وظيفة عرض أفلام وحسب، أقصد الروائية. نعرف أن السينما بدأت بعروض لإعلانات ومواد إخبارية، وأنها استُخدمت للدعايات والبروباغاندا أثناء وما قبل الحرب العالمية الثانية، وأنها في حالتها الطبيعية تعرض أفلاماً وثائقية، أقول في حالتها الطبيعية لأن حالتها في معظم صالات بلادنا العربية ما دون الطبيعية، فتنحصر في أفلام روائية، وهذه الأخيرة تنحصر في ما يأتينا من هوليوود وبوليوود، وإمعاناً في الحصر أقول أن التجاري منها ما يأتينا، ما غايته الترفيه وحسب. وكي لا أكون مجحفاً، أذكر أن الصالات هذه تعرض على شاشاتها نقلاً مباشراً لمباريات كرة القدم في تصفيات كأس العالم، مرفَقة بضجيج المعلّق المتحمّس دوماً، هذا ما خبرته في صالات إماراتية، وهو ما يمكن تعميمه على باقي البلاد العربية، لطبيعة المجتمعات المتشابهة أولاً، ولطبيعة برامج صالات العرض ثانياً. أما موضوع هذه الأسطر فهو النقل المباشر على شاشات السينما، إنما بما لن يجد جمهوراً وبما سيكون اقتراحاً جدّ خاسر عند العرب.
كان المخرج ملفتاً في الكلمة العفويّة والعاطفية التي ألقاها حين نال فيلمه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي هذا الصيف، وكذلك كان الفيلم، «Mommy» (أمي)، بموضوعه وأسلوبه. هو الفيلم الخامس للمخرج الكندي إكزافيير دولان (٢٥ عاماً)، الذي اختير كذلك كأفضل فيلم أجنبي ممثلاً كندا في حفل جوائز الأوسكار الأخير. شكّل فيلم «أمي» لدولان مرحلة جديدة ومبكّرة مهنياً، ستجعله مخرجاً أكثر منه ممثلاً، لتجاربه التمثيلية العديدة، وذلك بعد فيلمه الأول ( ٢٠٠٩) بموضوعه المناقض ظاهرياً لفيلم «أمي»، وهو «J’Ai Tué Ma Mère» (قتلت أمي).
يروي فيلم «أمي» (١٣٤ دقيقة) قصّة أم وابنها في إقليم الكيبيك في كندا، حيث يتكلّمون الفرنسية بلكنة ثقيلة ما استلزم إرفاقه بترجمة للفرنسية في الصالات السينمائية في فرنسا حيث بدأت عروض الفيلم قبل أيام.
مع شركات الإنتاج العالمية، وتعدّد الجهات المنتجة، لم يعد سهلاً تصنيف البلد الذي ينتمي إليه فيلم ما ويمثّله في المهرجانات، وقد لا نكون دقيقين بتصنيف الفيلم دائماً بحسب جنسيّة المخرج أو المنتج. وهذه إشكالية حاضرة دوماً في السينما التي يمكن بشكل أو بآخر نسبها إلى فسطين لما يميز هذه السينما وهذه البلد من تعقيدات ثقافية واجتماعية وسياسية.
لا بد أن تراعي الكتابة عن فيلم كـ «فتاة راحلة» (Gone Girl) حداً أدنى من الحذر لما يحتويه الفيلم من تفاصيل ضمن أحداثه، مترابطة بشكل يحيل أياً منها إلى الأخرى، وبحيث يصعب الحديث عن الفيلم دون الإشارة إلى بعض هذه الأحداث، هذا أولاً لخصوصية الحبكة التي بُني عليها الفيلم، والمأخوذة عن كتاب بالعنوان نفسه للكاتبة الأمريكية جيليان فلين، نُشر عام ٢٠١٢ وكان من الأكثر مبيعاً. وهو ثانياً لميزة عامة تجمع الروايات/الأفلام المبنيّة على جرائم وتحقيقات وما يلفّ ذلك من تلغيز يتطلّب فكّه متابعة «مفاتيح» متلاحقة، سأحاول جاهداً هنا ألا أمرّ بها كي لا أفسد بعض عناصر الدهشة في الفيلم، لكن تبقى هنالك تفاصيل معيّنة سيستحيل الحديث عن الفيلم دون الإشارة إليها، لذلك أقترح إكمال المقالة بعد مشاهدة الفيلم إن كانت ثمّت نية لمشاهدته.
قد لا يختلف اثنان على أن للتطرف الديني ارتدادات مخرّبة أو تدميرية على مجتمعاتنا التي عانت وما تزال منه، وليس تنظيم داعش إلا صورة مستجدّة لهذا التطرّف، وهي الصورة الأشد قبحاً له، لكن ما لا بدّ من الانتباه إليه هو التطرّف المقابل لذلك، أي التطرّف الليبرالي عربياً وعالمياً بما يمكن أن يحمله، كذلك، من تخريب وتدمير للمجتمعات، ومن بين أكثر ما يمتهنه هذا التطرّف هو التنميط والتعميم للمجتمعات المسلمة، فيساوي بين التطرّف المقابل له (الديني) وبين هذه المجتمعات، أو بينه وبين ما يُعرف بالإسلام الاجتماعي، أو الإسلام الذي كنّا نعرفه قبل أن يفد لبلاد الشام تطرّف صحراوي آمر بالمعروف وناه عن المنكر، وقبل أن تصير هذه البلاد محجّة «جهاديّي» داعش.
شاهدت الفيلم الذي يمكن ترجمة عنوانه إلى «المطلوب رقم 1» (A Most Wanted Man)، لسببيْن أساسييْن: أولهما حرصي على مشاهدة أفلام يشارك فيها الممثل الأميركي فيليب سيمور هوفمان، لقدرته على تمييز الشخصية التي يؤديها عن محيطها فتترك أثرها بمعزل عن الفيلم، ولأن فيلماً يشارك فيه هوفمان سيكون على الأرجح، وبمعزل عن الشخصية التي يؤديها، ممتعاً وجيداً. السبب الثاني هو أن الفيلم يحكي عمّا صار ممكناً تسميته «الإسلاموفوبيا»، فأردت معرفة المقاربة، هذه المرّة، لهذه الصرعة الغربية.