آخر المقالات

الفيلم الإسباني «المستنقع». مجرم يلاحق مجرماً باسم العدالة

★★★★★

يبدأ الفيلم بلقطات مقطعيّة، تبدو السهول والحقول بألوانها المتباينة وأجسامها الدّقيقة كصور مجهريّة. تتحرّك بعض المياه، ثمّ نقاط صغيرة تتّضح لتبدو سيّارات، ندرك أنّ التصوير من السّماء، ننتقل من صورة لأخرى تُدخلنا في طبيعة ملوّنة وزاهية، سنخرج منها لندخل، بلقطات أرضيّة، إلى فندق رخيص ووسخ سيمكث فيه لأيّام مُحقّقان، وتحديداً إلى جرائم بشعة أتيا للتحقيق فيها.

اقرأ المزيد

استخدام النّص الإبداعي كسيرة توثيقيّة: تروفو وإيكو وألِن

تحمل الأعمال الرّوائية، الأدبيّة منها والسينمائية، في ذاتها الاحتمالات الممكنة لربطها بحياة المؤلّف الشّخصية، وذلك يعتمد أساساً على زمان ومكان الرّواية أو الفيلم، وكذلك يعتمد على بعض الأحداث المقترنة بحياة المؤلّف الشّخصية، قد يتقصّد المؤلّف ذلك ضمن ما يُعرف بأعمال أوتوبيوغرافيّة أو نصف-أوتوبيوغرافيّة (semiautobiographical)، وقد يستفيد المؤلّف ذاته من مسائل عاصرها، مكاناً وزماناً، لإنجاز فيلم أو رواية دون أن يتقصّد فيها أي نقل سِيَري، ودون أن يمرّ على حياته الشّخصيّة.

اقرأ المزيد

«الأمير الصغير» لأنطوان دو سان إكزوبيري في فيلم «ديزنيّ»

★★★★★

قبل فترة بدأت تكثر في فرنسا الإعلانات علي أنواعها تحضيراً لخروج فيلم «الأمير الصغير» إلى الصالات، فانتظر الكثيرُ الفيلمَ لحضوره، بحماس تناسبت مع الحملة الإعلانيّة الموسّعة. لكن الإعلانات اعتمدت أساساً على صورة الأمير الصغير، بشعره الذهبي وملابسه الخضراء وإشاربه الأصفر مع ثعلبه، وكان بادياً طريقة تصوير الفيلم، أي اعتماداً على دُمى يتم صناعتها يدوياً، أشبه بالرسومات التي رسمها مؤلّف الحكاية نفسه، أنطوان دو سان إكزوبيري، وأرفقها بكتابه، وصارت الرسومات المائيّة أساسيّة في الكتاب، بكلّ ترجماته، تماماً كما نصّه.

اقرأ المزيد

محمود درويش لدى غودار. مقابلة في «موسيقانا»

الحديث عن سينمائيّ بقامة جان لوك غودار لا ينتهي، والحديث عن الإشارات إلى القضيّة الفلسطينية في أفلامه وعن مواقفه الحاسمة كما يصرّح بها في المقابلات معه، يطول. لذلك ستتجنّب في هذه الأسطر الإشارة إلى هذه وتلك وتكتفي بفيلم واحد له هو «موسيقانا» (2004) الذي يطرح فيه، ككثير من أفلامه السياسيّة، العلاقة بين الاستعمار والاحتلال من جهة ومقاومتها من جهة أخرى، مخصّصاً القضيّة الفلسطينية كموضوع أساسيّ فيها.

اقرأ المزيد

عن تجربتي الأولى والأخيرة مع دار راية للنشر

لم أُرد يوماً أن أكتب عن تجربة سيّئة مع دار نشر اخترتُها لنشر كتاب لي، أو لم أُرد أن تكون لي أساساً تجربة كهذه، ولكن، وقد حصل وجرّبت ذلك في كتابي الأخير «ليس عليكِ سوى الماء» مع دار راية للنشر في حيفا، كان لا بدّ من الكتابة عن الموضوع، لنفسي أوّلاً كي أقول ما أودّ قوله، ولآخرين ربّما إن كان في تجربتي ما يفيد، ودائماً دون تعميمها، فلي تجارب ممتازة مع دور نشر أخرى.

اقرأ المزيد

نصّ سيّئ وتصوير جيّد وإقحام للبورنوغرافي. «حُب» لغاسبار نوي

★★★★★

يمكن القول أن الفيلم السينمائي، كنتاج فنّي، يقوم على الصورة والنص، والعلاقة بينهما، وأيّ تفاوت بينهما دون أن يقدر أحدهما على ردم نواقص الآخر، سيكون واضحاً للكثير من المشاهدين، لذلك ربّما في العديد من الأفلام يُشارك المخرجون كاتب السيناريو في كتابة النص، أو يعمدون إلى إشراك كتّاب سيناريو لهم في كتابة النص. والنصّ هنا هو أساساً الحكاية والحوارات.

اقرأ المزيد

فيلم اللقطة الواحدة الألماني «فيكتوريا». العاديّ والمأساوي

★★★★

أكثر ما ميّز الفيلم الذي نال جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم في دورته الأخيرة، «بيردمان»، كان السينماتوغراف، أي التصوير الذي بدا كلقطة واحدة، وقد كتبنا عن ذلك في حينه. اليوم، يُعرض في الصالات فيلم ألماني مُصوَّر فعلاً بلقطة واحدة، لم «يبدُ» كذلك، بل فعلاً كان الفيلم كلّه (140 دقيقة) لقطة واحدة، ممتدّة دون قطع من أوّله إلى آخره. هنالك من يقول بأنّ الفيلم السينمائي يُنجز فعلاً في مرحلة ما بعد التصوير، أي المونتاج (التحرير). فيلم «فيكتوريا» للمخرج الألماني سيباستيان شيبر قام كلّيةً على التصوير، فيلم أٌنجز دون مونتاج، انتهى العمل عليه بتصوير اللقطة الأخيرة منه.

اقرأ المزيد

«قانون السوق». نقدٌ للنظام الاجتماعي، من البطالة إلى الوظيفة

★★★★

في مقابلة على إحدى القنوات الفرنسية، قال الممثل فانسان لاندون بأن ليس هنالك ما يُسمّى بالفن الملتزم، لا نقول «ملتزماً» بل «إنسانياً»، ببساطة. كانَ اللقاء على هامش عروض فيلم «قانون السوق» لاستيفان بريزيه في مهرجان كان السينمائي هذا العام، حيث نافس الفيلم على السعفة الذهبيّة، لكنّه خرج من المهرجان بالأنسب لكليْهما، جائزة أفضل ممثل لفانسان لاندون الذي أهدى الجائزة لوالديْه المتوفييْن بدموع لامعة وصوت متقطّع.

اقرأ المزيد

«حكاية الحكايات». استعادة لحكايات شعبيّة وهوس الملوك فيها

★★★★

أوّل ما قد يخطر على البال أثناء وبعد مشاهدة «حكاية الحكايات» هي «ثلاثيّة الحياة» للسينمائي الإيطالي بيير باولوا بازوليني المكوّنة من ثلاثة أفلام هي «الديكاميرون» (1971) و «حكايات كانتربري» (1972) و «وردة ألف ليلة وليلة» (1974). في الأفلام الثلاثة نشاهد حكايات متفرّقة تنتمي لأزمنة وثقافات مختلفة، إنّما ما يجمعها هي أهم عناصر الحكايات الشعبيّة، الفانتازيا. وإن نقلها بازوليني بأسلوبه المحرّض والساخر، دامجاً بين الجنس والسياسة.

اقرأ المزيد

«موستنغ». أخوات متمرّدات في بيت مصنّعٍ للزوجات

★★★★

للأفلام التركيّة حضور قوي في فرنسا، إن كان ضمن المهرجانات أو العروض في الصالات، والمراجعات الصحافيّة لها تكون غالباً بتقييمات عالية. في السنة الماضية فاز الفيلم التركي «سُبات شتوي» لنوري بلجي غيلان بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. أمّا هذا العام فقد شارك فيلم «موستنغ» لدينيز غامز أورغوفين، وهو فيلمها الروائي الطويل الأوّل، ضمن برنامج «أسبوعيّ المخرجين» الموازي لمهرجان كان السينمائي، حيث نال جائزة «علامة سينمات أوروبا» في المسابقة، ونال تقييمات عالية من بينها كان عنوان في صحيفة فرنسية يقول بأن «لم يعد هنالك حاجة للبحث عن أفضل فيلم لهذا العام».

اقرأ المزيد

«وادي الحب». خيالُ السينما طارحاً مسائلَ فلسفيّة

★★★★ 

قد تكون طبيعة فيلم كهذا، يعتمد على الحوارات بين الشخصيتيْن الرئيسيتيْن، مستلزِمة لأسماء كبيرة تؤدّي الشخصيتيْن. أجواء الفيلم الكئيبة والهادئة إنّما المتوتّرة في بعض مفاصلها، وهو توتّر تسبّبه الحكاية في الفيلم، أجواء كهذه مرفَقة بحوارات متقطّعة وعاديّة جداً، قد لا تُقنع المُشاهد بالاستمرار في الاستماع لها إن لم يؤدّها ممثلون مقنِعون، وبهذا الاستمرار في مشاهدة الحوارات المتقطّعة، يمكن للمُشاهد لاحقاً إيجاد تناغم بينها يُدخله إلى أجواء الفيلم وحكايته، وتكون الحوارات العاديّة هذه أساسيّة في البنية الكئيبة للفيلم، أقول كئيبة بمعنى سوداويّة، وهي هنا أحد عوامل الجذب.

اقرأ المزيد

لأنّ غزة همّ محليّ

أوّل ما حاولتْه إسرائيل منذ النكبة، واستمرّت عليه وكان أولويّة دائمة، حتى اليوم، هو نزع الهوية الوطنية الجامعة لكافة الفلسطينيين عنهم وتحويلهم لمجموعات سكّانية في مناطقة منفصلة عن بعضها، لكل منها همومها «المحلّية» المعزولة تماماً عن الهم الوطني، أو عن هموم باقي المجموعات، فلا يوجد بذلك هم وطني واحد لجميع الفلسطينيين.

اقرأ المزيد

المنفى وتأسيس الوطن/الفكرة

قد يكون المنفى ضرورةً لبناء وطن انطلاقاً من الفكرة، لا الدولة. تعمد الديكتاتوريات على الخلط في أذهان الناس بين الوطن والدولة، ما سيصير مع مرور الزمن (أربعون عاماً في الحالة السوريّة) بديهيّة في الذهن الجمعي لمواطني هذه الدولة، الأصحاب الفعليين للوطن. لكن المقابل لهذه الفكرة، بالتزامن، هو المنفى، واللاحق لها زمنياً هو الوطنّ المنفصل عن دولة الديكتاتور، هو الوطن الذي تمّ تشكيله، أو بناء فكرته، في المنفى. لذلك يمكن لهذا المنفى أن يكون مرحلةً ضروريّة لأصحاب الوطن، أفراداً وجماعات، لتأسيس الفكرة/الوطن، خارج الحدود الجغرافيّة لدولة الديكتاتور، ما ستصير لاحقاً الوطن/الدولة. أي الدولة في أكثر حالاتها قرباً من الفكرة التي تشكّلت في المنفى، دولة المواطنين حين يكون هؤلاء، فعلاً، أصحاب الوطن.

اقرأ المزيد

النص المسرحي بين الأدب والباليه. «روميو وجولييت» مثالاً

لم تُسعِف أسبقيّةُ المسرح على السينما في أن يُحدّد كجنس منفصل عن الأدب، هنالك من يراه منفصلاً ويقع في الوسط ما بين الأدب والسينما، وهنالك من يعتبره أحد أشكال الأدب لأسباب قد يكون أحدها الدمج ما بين المسرح والشعر في مراحله المبكّرة، أو أساساً البنية النصّية التي تبدأ بها المسرحيّة قبل أن يتم تأديتها على الخشبة، فيكون النصّ الأدبي هو أساس العمل، وليس الإخراج أو التمثيل، وبالتالي يبقى المسرح غالباً ضمن التنويعات الأدبية.

اقرأ المزيد

تصويرُ النّص، فيلما «العاشق» و «احتقار» مثالاً. دوراس وغودار

المحدِّد لعمليّة تلقّي المادّة الفنيّة، أيْ الموضوع، هو الوسيط الذي ينقلها إلى متلقّيها. أو: الشكل الذي يتّخذه العمل الفنّي، فيلماً أو رواية، هو الذي يحدّد أساساً كيفيّة تلقّي هذا العمل، وإن كان الحديث عن «نصٍ» واحد لكليْهما، فالمشاهدون يتلقّون فيلماً ليس كما يتلقى القرّاء رواية، وإن نَقل الاثنانُ الحكايةَ نفسها.

اقرأ المزيد

«ماد ماكس: طريق الغضب». ثيرون مُزيحةً أسطورةَ ماكس

★★★★★

جرت العادة أن يصنع أحدهم فيلماً ينال تقييماً نقدياً عالياً، وقد يشارك في مهرجانات وينال جوائز، يصير مع مرور السنوات فيلماً كلاسيكياً ضمن نوعه، ضمن «الجانْر» الذي يُصنّف فيه، فيعود الفيلم على مُخرجه بالشهرة والمال، ثم يسرع الأخير متحمّساً إلى التحضير لجزء ثان، وربّما أكثر، منه. غالباً ما تفشل الأجزاء اللاحقة لاعتمادها أساساً على نجاح الجزء الأوّل، على اسمه وما حقّقه. إن كانت هذه عادة كثير من الأفلام المطروحة ضمن أجزاء متتابعة، فيمكن القول أن فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب» قد نفد وشكّل بجزئه الرابع، المعروض حالياً في الصالات الأوروبيّة والذي افتُتحت عروضه في مهرجان كان السينمائي قبل أيّام، وأنّه الأفضل من بين سلسلة «ماد ماكس» التي أخرجها جميعها الأسترالي جورج ميلر.

اقرأ المزيد

«رأس مرفوعة» للفرنسيّة بيركو. جنوح الأولاد للعنف وإعادة التأهيل

★★★★

اختار مهرجان كان السينمائي أن يفتتح دورته لهذه السنة بفيلم «رأس مرفوعة» الذي بدأت عروضه في الصالات الفرنسيّة في اليوم ذاته. الفيلم المعروض خارج المسابقة الرّسميّة هو للفرنسية إيمانويل بيركو القادمة إلى الإخراج من التمثيل، وقد نالت في المهرجان ذاته قبل أيّام جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «مَلِكي» للمخرجة والممثلة الفرنسية مايوين بيسكو. عُرفت بيركو كمخرجة في أفلام كـ «على طريقتي» و «كليمان» وشاركت بها في عدّة مهرجانات، وكممثلة في «بوليس» للمخرجة ذاتها، مايوين، والذي نال جائزة لجنة التحكيم في كان عام ٢٠١١.

اقرأ المزيد

«علاج برودواي». السعادة في إطعام السناجب للبندق لا العكس

★★★★

يمكن القول أن المخرج الأميركي وودي ألن استحدث أسلوباً سينمائياً خاصاً تميّزت به أفلامه منذ تسعينيّات القرن الماضي حتى اليوم، ومن بينها تماثلت أفلامه في السنوات الأخيرة أكثر وأعطت للأسلوب معالم صارت أفلامٌ أخرى، لا علاقة لألن بها، إن أظهرت هذه المعالم، تُشبّه بأفلام ألن تلك. من بينها أن يبدأ الفيلم بموسيقى جاز، وربّما مشهد خارجي في مدينة نيويورك، ثم يتكرّر الجاز والمشاهد في المدينة على طول الفيلم، إضافة لأمور أخرى تخصّ السيناريو ومستوى الحوارات واللعب على معاني الكلمات. آخر هذه الأفلام هو «هي غريبة بهذه الطريقة»، هذا عنوانه الأميركي الغريب، أمّا عنوانه الفرنسي الأقرب لمضمونه فهو «علاج برودواي».

اقرأ المزيد

باتريك موديانو، أتذكّر كلّ… وثائقيّ عن آخر أدباء نوبل

منذ أكتوبر من العام الماضي حيث نال الروائي الفرنسي باتريك موديانو جائزة نوبل للأدب، لم تنقطع أشكال الاحتفاء به في الصحافة والمكتبات ودار النشر لكتبه: في الصحافة شهدت الأشهر الأخيرة من العام الماضي ملّفات عن موديانو وأدبه، وأبرز الاحتفاء الصحافي كان عدداً من «خارج السلسلة» أصدرته «المجلّة الأدبيّة» في أكتوبر ذاته مخصّص لموديانو، وأعداد «خارج السلسلة» في الصحافة الفرنسيّة عادة ما تُخصّص لمواضيع راهنة أو لأشخاص راحلين. في المكتبات تمّ إعادة ترتيب لكتبه وعرضها، حتى اليوم بعد ستّة أشهر، منفصلة عن غيرها في مكان بارز، إضافة لقراءات وندوات، أمّا دور النشر لكتبه، وتحديداً ناشره الأساسي، «غاييمار»، فقد أعادت طباعة مؤلّفاته فور إعلان فوزه بالجائزة، وآخر هذه الاحتفاءات كان قبل أيّام حيث أصدرت «غاييمار» فيلماً وثائقيّاً كانت قد أنتجته قناة «فرانس ٥» في ٢٠٠٧ قبل أن تشتري دار النشر حقوقه وتعيد إصداره في دي-ڤي-دي وتوزيعه إلى المكتبات.

الفيلم المعنوَن بـ «باتريك موديانو، أتذكّر كلّ…»  (٥٢ دقيقة)، في إشارة إلى أكثر ما يميّز أدب موديانو وهي الذاكرة، من إخراج أنطوان دو مو، ومن كتابة الصحافي المعروف بيرنار بيڤو صاحب برنامج «أبوستروف»، البرنامج الأدبي الفرنسي الأوّل والمعروض لمدّة خمسة عشر عاماً، حتى ١٩٩٠، وهو كذلك رئيس أكاديميّة غونكور المانحة للجائزة الأدبيّة الأولى في فرنسا.

يعتمد الفيلم في مادّته أساساً على عدّة مقابلات مع موديانو، تبدأ ببيته وتخرج معه إلى أماكن عدّة في المدينة، كما يعتمد بدرجة أقلّ على أرشيف تلفزيوني، كالمقابلات مع المؤلّف في «أبوستروف» وغيرها. ويقدّم بذلك، بالدمج بين المقابلات المعدّة على مدى أياّم مع موديانو وبين تلك الأرشيفيّة، يقدّم السيرة الذاتيّة، الأتوبيوغرافي، لكل من موديانو، وأدبه، مارّاً بين المراحل الزمنيّة منذ طفولته، إلى صدور روايته الأولى «ساحة النجمة» عام ١٩٦٩، إلى مراحل لاحقة ضمن حياته الشخصيّة والأدبيّة منتهياً بحديث عن الموديانيّة في الأدب.

يتخلّل تلك المراحل الزمنيّة إشارات إلى الأسلوب في روايات صاحب «شارع المحال الغامضة»، وهي الرواية التي نال عنها جائزة غونكور لعام ١٩٧٨، في عمر الثالثة والثلاثين، وقد عنونت صحيفة في حينه: موديانو مُتوّج حتى قبل قراءته. كما يتخلّلها حديث لموديانو عن طريقة الكتابة لديه، فلا يستطيع أن يكتب أكثر من ساعة في اليوم كونها عمليّة مجهدة، لكنّه يمضي اليوم في التفكير بالعبارات التي سيكتبها. يكتب في مكتبه والذي يحوي مكتبة تغطّي جدران الغرفة الواسعة، دون أن يمنع ذلك من الكتابة في أماكن أخرى، لكنّه يفضّل أن يكون بين الكتب والمراجع التي يعود إليها للبحث في الكثير من التفاصيل المدينيّة التي تميّز رواياته، نراه في الفيلم يتفحّص خارطة مفصّلة لباريس وينقل منها أسماء بعض الشوارع والأحياء إلى دفتره، وهو لا يكتب إلا بالقلم وعلى الورق، مشبّهاً ذلك بالرسم على اللوحة، فالوجود الماديّ للورق والحبر أساسي للكتابة.

أمّا موضوعات رواياته فغالباً ما تخلط بين الواقع والخيال، الواقع من حيث الأزمنة والأمكنة والأسماء، والخيال من حيث الأحداث. الأمكنة في رواياته هي في معظمها أحياء مدينة باريس، وشوارع وفنادق ومبان وبيوت، وقد عرضت «المجلّة الأدبية» في عددها المخصّص لموديانو خارطة باريس مشيرة إلى أبرز الشوارع، وصوراً حقيقية لمبانٍ، حيث تجري أحداث بعض رواياته. يقول في الفيلم أنّه كي يكتب عن شقّة في شارع في المدينة، يهمّه أن يعرف من عاش في الشقّة التي سيذكر عنوانها، وكيف كان الدرج وكذلك الشارع وأسماء المحال فيه. حتى أسماء شخصيّاته يستمدّها من أسماء حقيقية، وكذلك أرقام الهاتف، وفي جميعها يستعين بمراجع مخصّصة تحوي أسماء وعناوين وأرقام الهاتف لسكّان المدينة في ذلك الزمن.

أمّا الأزمنة في رواياته فهي مرتبطة بمواضيعها، والموضوع الأكثر حضوراً هو الاحتلال النازي لباريس وملاحقة اليهود، والحرب العالميّة والفترتان القصيرتان ما قبلها وما بعدها. ونحن هنا أمام استعادة الكاتب لذاكرة لم يعشها، فالذاكرة هنا تنتهي حيث بدأت طفولته، بخلاف مفهوم الذاكرة لدى مارسيل بروست، الذي يستعيد ما عاشه في طفولته كما في «في البحث عن الزمن الضائع». ولهذا التقاطع مع بروست، هنالك من وصّف موديانو ببروست الأزمنة الحديثة.

يأخذ موديانو المُشاهدَ معه إلى الأمكنة والأزمنة التي طبعت رواياته، ويحكي عنها، كما يأخذه إلى أمكنة عاش بها الروائيُّ في مراحل مختلفة من حياته. ليست كتاباته سيراً ذاتيّة، باستثناء رواية «سُلالة»، بل عن آخرين كما أشرتُ سابقاً، حيوات أخرى في أزمنة سابقة لزمنه وضمن الأمكنة التي يعيش بها.

يقول صاحب «كي لا تضيعَ في الحيّ» الصادرة بالتزامن مع نيله جائزة نوبل، بأنّه «إنتاج مدينيّ»، يكتب من مدينة باريس وعنها، وهو ما قد يوحي له بأنّه، كما يقول في مكان آخر، «يكتب دائماً الكتاب ذاته». وحتّى حين عرف بنيله جائزة نوبل، باتّصال ابنته به وإخباره، كان يمشي في أحد شوارع المدينة.

ينتهي الفيلم بمحاولة تعريف ما صار يُعرف بالموديانيّة في الأدب، أو الموديانيسك، يقول كاتب الفيلم بأن الموديانيّة هي شخصيّة أو حالة واضحة وغامضة، وليست منطقيّة ولا عبثيّة، بل بينهما، وبين الظل والضوء وبين الكلب والذئب. وهو ما ينتج عنه العديد من الأسئلة المعلّقة دون إجابات، أسئلة غريبة ومعقّدة وغامضة.

يقول موديانو في الفيلم: أعتقد بأنّ عمل الروائي هو إحاطة ما لا يبدو غريباً بالغرابة، فحتى الأشياء التي تبدو الأكثر عاديّة، هي غامضة، وأعتقد بأنّ هذا هو واجب الروائيّ، أي جعل ما يبدو عادياً غامضاً، وهو ما كان، في الأساس، غامضاً.

في القدس العربي

«تاكسي» جعفر بناهي. جمال السينما وقبح السلطة

★★★★

إن استمرّ الحكم الذي أنزلته السلطات الإيرانيّة على جعفر بناهي واستمرّ الأخير بصناعة أفلام بما يُتاح، يمكن القول بأنّنا سنتوقّع مجموعة أفلام للمخرج الإيراني الممنوع من الإخراج وإجراء المقابلات ومغادرة الأراضي الإيرانية لعشرين عاماً، سنتوقّع أفلاماً ستساعد على تأسيس نوع جديد من السينما، تُصوّر بكاميرات ديجيتال صغيرة، بإنتاج ومونتاج منزلي، لا ممثلون محترفون فيه ولا جينيريك بلائحة طويلة بالعاملين في الفيلم، ودون أن يمنع ذلك من الخروج بفيلم ممتاز، يُعرض في مهرجانات عالميّة، كما في فيلمَي «ليس هذا فيلماً» المعروض في مهرجان كان ٢٠١١، و «ستائر مغلقة» المعروض في مهرجان برلين ٢٠١٣، وتحديداً كما في فيلمه الأخير المعروض حالياً في الصالات، «تاكسي»، الحائز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي هذا العام، والذي لم يحضره بناهي بسبب منعه من التحرّك خارج منزله.

اقرأ المزيد

جان جينيه، الفِدائي الفرنسي في المخيّمات الفلسطينية

ليس هذا إفراطاً في توصيف أحد أهم الكتّاب الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين. عرفتْ الثورة الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كتّاب فلسطينيين وعرباً كانوا فعلاً فدائيين، بعضهم حمل السلاح إلى جانب القلم وبعضهم شارك في العمل الفدائي من خلال صحف وإذاعات الثورة، منهم أسماء صارت أمثلة على المشاركة في العمل الفدائي من خلال الكلمة، أبرزهم قد يكون غسّان كنفاني الذي لم يرضَ أن يحمل سلاحاً رغم إلحاح وديع حداد عليه في السنوات الأخيرة قبل اغتياله في ١٩٧٢. كتّاب عديدون شاركوا في الثورة من خلال ما كتبوه أثناءها وبعد تشتّتها في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تحوّل شكلها ومكانها وطبيعتها مع انتفاضة الحجارة، والشكل والمكان والطبيعة متستمرّة في التحوّل إلى يومنا هذا.

اقرأ المزيد

سليم البيك، في البحث عن نص فلسطيني حميم

مقالة راسم المدهون في الحياة، ١١\٤\٢٠١٥

كأن نصوص سليم البيك في كتابه الجديد «ليس عليكِ سوى الماء» تعثر على حريتها وطلاقة تعبيريتها في خلاصها الكامل من أسر تجنيسها في أي من أجناس الكتابة الأدبية وتعريفاتها التقليدية المعروفة. هي نصوص تذهب منذ سطورها الأولى نحو فضاء مزدحم بالأفكار والأخيلة، بالرغبات المكتومة والمنفلتة، وأيضاً بجموح الكتابة في بحثها عن قلق وجودي ترى أنه يتخايل في الجسد كما في الروح. في حالات النصوص الجديدة كلها تبدو الرَغبة معادلاً فنياً وجمالياً جامعاً، ولكن أيضاً معادلاً صاخباً بكل ما في العلاقة بين الرجل والمرأة من لواعج باطنية تشبه الحسرات مرّة والاندفاعات الناعمة ولكن المجنونة مرات كثيرة.

اقرأ المزيد

«أنطون تشيخوف ١٨٩٠» سيرته ورحلته إلى جزيرة ساخالين

★★★★★

لأفلام السيرة الذاتيّة طبيعة مزدوجة حسب الشخصيّة التي تُنقل سيرتها في فيلم، فيمكن للسيرة أن تساعد على نجاح نسبيّ للفيلم بتأثير إعجاب المُشاهد المسبق بهذه الشخصيّة على رأيه بالفيلم، وخروجه من الصالة راضياً بمشاهدة تصوير لسيرةٍ هو معجب بها وبصاحبها قبل دخوله الصالة، كما يمكن للفيلم الناقل لسيرة شخصيّة أن يكون بنقله هذا مقصّراً وغير مخلص بما فيه الكفاية بالنسبة للمشاهدين المعجبين مسبقاً بصاحب السيرة، فيخرجون من الصالة بشعور أنّ السيرة تستحق طرحاً سينمائياً أكثر جديّة. وذلك يختلف من مُشاهد لآخر، حسب المعايير والاعتبارات المتباينة بين المشاهدين.

اقرأ المزيد

الفرنسي «ثلاثتنا، فلنمضِ». مقاربة حديثة للعلاقة الثلاثيّة

★★★★★

مالت السينما الفرنسيّة في عدّة أفلام مؤخراً إلى طرح مسألة الهويّة الجنسية في انعكاس متوقّع لواحد من هموم المجتمع الفرنسي في السنوات الأخيرة، معكوساً، كما هو في صالات السينما، على صفحات الجرائد والمجلات وفي قاعات المحاكم كما في الساحات العامة. الطرح الأخير هنا كان في فيلم «ثلاثتنا، فلنمضِ» (À trois on y va) للمخرج الفرنسي جيروم بونيل المعني من خلال أفلام سابقة له بالعلاقات بين الجنسيْن عبر مقاربات مختلفة، آخرها كان قبل عاميْن في فيلم «زمن العلاقات» (Le Temps de l’aventure) الذي طرح فيه فكرة العلاقة السريعة الطارئة بين رجل وامرأة كهليْن، علاقة تأتي مجانبةً لعلاقة كل منهما بشريك حياة غائب تماماً عن الفيلم.

اقرأ المزيد

ستالين في دمشق

في كثير من أنظمة الحكم التي تقودها أحزاب، لطالما تقصّد الحزب إدماج بنيته بالدولة ومؤسساتها، ليتحوّل الحزب الحاكم تدريجياً إلى الشمولية، إلى إرجاع كل ما للدولة إلى النظام، وكل ما للنظام إلى الحزب، وبالتالي يتم اختصار الدولة بالحزب الحاكم. وهذا الإرجاع والاختصار والاستحواذ يشمل البنى الفوقية والتحتية التي تقوم عليها الدولة. فحتى معنوياً، صار إسقاط نظام حكم ما مُروّجاً له على أنه إسقاط للدولة، وإن كان ثمّة من يُلام هنا فهو النظام الذي استحوذ على الدولة وبُناها.

اقرأ المزيد

«ما تزال أليس»، في معنى أن تكون الذاكرةُ حياة صاحبها

★★★★

نحن هنا أمام فيلم تدور حكايته وأدوار الشخصيّات فيه حول شخصيّة واحدة، لا أحداث في الفيلم، لا تفاعل أساسي بين شخصيّاته وبين عالم خارجي، خارج البيت العائلي للشخصيّات، وهي هنا أفراد أسرة صغيرة. الفيلم كلّه إذن يدور حول أليس هولاند (جوليان مور)، والحاصل مع أليس ليس لعاملٍ خارجي، بل داخلي هو مرض الزهايمر الذي يصيبها، على هذا الأساس تتطوّر حكاية الفيلم، تبعاً لتطوّر حكاية أليس ذاتها، وعلى هذا الأساس كذلك تتصرّف باقي الشخصيّات الأساسية في الفيلم، وهي في معظمها ردود أفعال تخصّ بشكل مباشر مرض أليس في ذاكرتها.

اقرأ المزيد

تيم بيرتن منتقلاً من الفانتازيا إلى السيرة في «عيون كبيرة»

★★★★★

في فيلمه الجديد، حمل المخرج الأميركي تيم بيرتن عدّته الفنيّة وانتقل من أفلام الفانتازيا والخيال والرسوم إلى فيلم في صلب الواقعيّة، وليس الفيلم واقعياً للشخصيات والأحداث فيها فحسب، بل أساساً لتصويره سيرة فنانة أميركية، وقصّتها الحقيقية مع لوحاتها ومع استيلاء زوجها على هذه اللوحات. الهويّة البصريّة لبيرتن واضحة في الفيلم، الألوان متباينة ومتنوّعة في مشاهده، الديكورات تكاد تكون كرتونيّة، نضيف إلى ذلك اللوحات الأكليريكية والزيتة التي تملأ المَشاهد، وهي هويّة حملها معه من أفلام سابقة له كـ «أليس في بلاد العجائب» و «شارلي ومصنع الشوكولاته» وغيرها حيث للألوان دور أساسي في تشكيل هويّة صانع هذه الأفلام، ولا عجب في ذلك إن عرفنا أن بيرتن قدم إلى الإخراج من الرسم حيث بدأ مع شركة ديزني، وأنّه مستمر في مهنة الرسم إلى جانب الإخراج، حيث تخرج رسوماته وشخصياته في أفلام كما في كتب مطبوعة.

اقرأ المزيد

«إنهرينت فايس» لأندرسون. هويّة بصريّة وحكائية

★★★★★

الفيلم من المشهد الأوّل فيه يهيّئ لمدى التداخل في الحبكات التي يتوجّب على المُشاهد متابعتها كلّ على حدة، وربطها ببعضها في الوقت نفسه، وكلّها مرتبطة بالتحقيقات التي يقوم بها «دوك» سبورتيللو، الطبيب والمحقّق الخاص الذي لا نرى زوّاراً لعيادته إلا بوصفه محقّقاً، لا طبيباً. من المشهد الأوّل تدخل على دوك (دكتور) سبورتيللو (جواكين فونكس) في بيته الساحلي في كاليفورنيا حبيبته السابقة شاستا فاي هيبوورث (كاثرين ووترستون) بعد انقطاع بينهما دام لسنين. دوك مستلقياً على كنبته يراها فجأة واقفة على باب بيته، لا يستوعب الأمر للوهلة الأولى وتطمئنه هي بأنه لا يهلوس، بفعل سيجارة الحشيش على الأغلب والتي لا تكاد تفارقه طوال الفيلم، تقصده شاستا كمحقّق خاص، طالبة منه الحؤول دون ما تخطّط له زوجة حبيبها الحالي، وحبيب هذه الزوجة، للخلاص من زوجها، أي حبيب شاستا، مليونير عقارات شهير اسمه ميكي وولفمان، وهو «تقنياً يهودي إنّما يريد أن يكون نازياً».

اقرأ المزيد

«بيردمان» لإيناريتو. فضيلة التجاهل هوليوود وبرودواي

★★★★★

للفيلم عنوان فرعي قد يعبّر عنه أفضل من عنوانه الأساسي والمتداول، وهو «فضيلة التجاهل غير المتوقَّعة»، يُضاف إلى العنوان الذي بات يدلّ على إنجاز سينمائي هو «بيردمان»، بخلاف ما يمكن أن يوحي به، أي أفلام «السوبر هيرو» (باتمان وسبايدرمان ورفاقهما) المأخوذة عن كتب «الكومكس» والتي تسعى للترفيه بقدر ما تعتمد على الإبهار البصري بالمعنى التقني للكلمة. هنا، في «بيردمان»، نرى إبهاراً بصرياً إنّما بالمعنى الجمالي، وبالمعنى الفنّي فيما يتعلّق بالتصوير، «السينماتوغراف»، الذي جعل الفيلم يبدو كمشهد واحد وطويل.

اقرأ المزيد

قراءة غير محدودة للكتب، الاشتراك الشهري بأمازون، وأخواتها

في أواخر العام الماضي طرحت شركة أمازون ما يمكن تعريفه بـ «نتفلكس الكتب»، وأسمت هذه النقلة «الدراماتيكيّة» في مفهوم القراءة والكتب بـ «Kindle Unlimited»، وهي باختصار عبارة عن مكتبة عامّة الكترونية يمكن للمستخدم عبر جهازه الوصول إلى كميّة ضخمة من الكتب، وهي متاحة بشكلها الحالي فقط في الولايات المتّحدة.

اقرأ المزيد