آخر المقالات

تريد عرضاً فولكلورياً… معاليك!

يحزن أحدنا حين… أو لا.

يغضب أحدنا حين يسمع عن منع عرض لفرقة في رام الله بسبب ملابس أفرادها.

والأسباب أشدّ إثارة للغضب من القرار ذاته.

بائس هذا الحال، ونحن نتكلّم عن مجال الفنون والثقافة، بائسة هي وزارة الثقافة الفلسطينية التي تمنع عرضاً لفرقة فلسطينية لأنّه -العرض- “لا يناسب الذوق العام”. اقرأ المزيد

المقابلة: إيليا سليمان (٢/٢)

الجزء الثاني من المقابلة…

هنالك إذن عملية الخلق، هي في كتابة الملاحظات والسيناريو والتصوير…

ليس الملاحظات. هذه أكتبها أثناء الجلوس في مقهى، أو هنا في البيت أحلم وأقول “قد يكون ذلك مثيراً للاهتمام” أو ترى في الخارج شيئاً ما وتقول “آه هذا مضحك”. وتبدأ بكتابة الملاحظات. بعدها أرتّب هذه الملاحظات، هنالك أقسام: باريس مثلاً، أضع الملاحظات حول المدينة، بتاريخ ومكان محددين، كأنّها دفتر يوميات. بعدها تتخيل إن كان هنالك احتمال ليتحقق ذلك أو ليتم مسخه إلى بعدٍ فنّي أو سينمائي، فتبدأ في الحلم بها. ويمكن أن تجد ملاحظتين متقاربتين فتقول “آه هذه تشبه تلك، أو بين هذه الملاحظات صلة ما، بالتالي، سنرى إن أمكن وضعها في الصورة ذاتها”. ثمّ تبدأ بتركيب الصور. تركّب إلى أن يصير هنالك ثقل ما في المشهد، كي لا يبقى على مستوى النوادر أو القصص المتفرقة. لا بد أن تشعر بأن هذا المشهد صار لوحة بحد ذاته، صار فيه أجسام كمقدّمة وخلفية وجانبية.

عندي دائماً الطموح بأن أحدهم حين يشاهد أفلامي ويشاهدها مرة أخرى، أن يكون كما يذهب إلى متحف لمشاهدة لوحة ما، يزوره عدة مرات ليعود إلى اللوحة ويرى أشياء جديدة لم يكن منتبهاً لها، وأشياء جديدة تخص علاقته باللوحة في تلك اللحظة، لأنّ الزمن قد مرّ على المشاهدة السابقة للوحة. عندما تشاهد فيلماً مرة أخرى تكون كمُشاهد قد تغيّرت، بالتالي سيرورة التماهي تكون قد تغيرت كذلك، فتصير هنالك رؤية جديدة للصورة، ليست من جانب المخرج بل المُشاهد كذلك.

تصنع الفيلم ليكون هنالك شراكة في الإنتاج، لا تظنّ أنّك كمخرج من صنع الفيلم وانتهى الأمر، فالمشاهد هو الذي يقرأ، هو الذي يتخيل، هو الذي يحلم. أنت ستعطيه مساحة معينة، بعدها ستتطوّر المساحة إلى مستوى آخر. لا أؤمن بأن المخرج هو من يصنع الفيلم.

هنالك الكثير من الأسئلة التي مرّت إجاباتها أثناء حديثك… لكن عندي سؤال قصير ومباشر. العنوان غريب بعض الشيء، It Must be Heaven، بالإنكليزية، و”إن شئت كما في السماء” بالعربية.

دعنا لا نتكلم عن “إن شئت كما في السماء” لأنّ عنوان وضعته فقط كي لا يكتب أحدهم…

لا بد أنّها الجنّة.

نعم.

طّيب، العنوان الإنكليزي، من أين أتى؟

لا أعرف في الحقيقة.

لها معنيان، كلمة Must قد نفهمها هنا كإلزام وكذلك كافتراض.

أعتقد أنّ المقصود هنا أنها، “إت مَست بي هيفن” غير الموجودة، أحكي عن الجنّة غير الموجودة. لأن الفيلم يحكي عن الوهم الذي يحصل عند أحدنا عندما. مثلاً، يصل إلى باريس ويرى ما يراه، النساء مثلاً كما في الفيلم، ويقول “واو، هي الجنّة”. يستيقظ في اليوم التالي ليرى الشرطة في كل مكان، تلاحق العرب والهنود وغيرهم. هنالك خيبة أمل.

طيّب، ما الجنّة التي في الناصرة؟

(يضحك) جهنّم. في البداية لا جنّة هناك. لكنّ الشخصية الرئيسية ترى نهاية البلد، وترى أنّ إمكانيات أن يبقى في البلد صارت ضئيلة جداً، وأنها لم تعد تُحتمل. طبعاً هذا ضمن الهزل والنكتة، لكن ضمن الوضع السياسي كذلك. لا يجد الجنة في النهاية، بل احتماليات للجنة، تحديداً في المشهد الأخير من الفيلم، ترى شباباً وفتيات يرقصون بسعادة، يمنحون الأمل، لكن لا يكون ذلك الجنّة أبداً، لأنّ الشخصية (إيليا سليمان) لا تجد الجنة، بل تجد نفسها بعيدة عن هذا المجتمع وجوهره. هنالك فجوة غير معرّفة بينه وهم، لأن الشخصية تنظر إليهم دون قدرة على مشاركتهم. تنظر إلى جيل لم يعد جيلها، لكنها ترى مقاومة، نوعاً من المقاومة لما يعانيه المكان، لكن لا جنّة هنا.

عنوان الفيلم هو نوع من السخرية في الحقيقة، هو الوهم بأن هنالك جنة، الفكرة واضحة تحديداً في الجزء الخاص بباريس من الفيلم، كون الفكرة أكثر وضوحاً فيها. ثم الحماس يخف لكن الأمل يبقى موجوداً عندها، العنوان هو مجاز (ميتافور) عن وضع اللا جنّة الذي نعيش فيه.

الذي هو كما قلتَ عنه مرّة إنّه “فلسْطَنَة العالم”.

نعم

هل الوضع متأزّم إلى هذه الدرجة في العالم، أو “كافكاوي”، لنقُل؟ كأن تدخل إلى حالة لا مخرج منها، والمدخل قد اختفى، كأنّ العالم كلّه علقَ كما هي فلسطين عالقة.

نعم، هي هذه فكرة الفيلم، هي عن عولمة العنف والاحتلال، هي ما يمكن تسميته بـ “حالة الاستثناء”. أنّ أحدنا أين يمكن له أن يذهب؟ إن هرب من هذا المكان ليبحث عن بديل، لا يجد سوى المكان ذاته، لأن الأمكنة كلها صارت تتشابه. صار هنالك حالة استثناء، وشرطة وحدود وحواجز…

تقصد حضور السّلاح؟ الجيش الإسرائيلي في فلسطين، الشرطة في فرنسا، تسلّح المدنيين في أميركا.

نعم، والجو العام كذلك. هنالك دائماً طائرات هليكوبتر، سيارات شرطة… هنالك توتّرات الآن في كل مكان. يحكي الفيلم عن هذه بالأساس. عن عولمة فلسطين، أو احتلال فلسطين، فنحن لا نحكي عن مسألة اجتماعية، بل عن وضع التوتر. بين قوسين أقول، أثناء كتابة السيناريو، كنت أقول “سيحصل ما هو مخيف في هذه البلد (فرنسا)”، لأني صرت أشعر في مرحلة ما بأن الأمور ليست على طبيعتها، قبل الأحداث الأخيرة (عسكرة البلد). وعندها حصلَت قلت “هذه هي”. أحياناً  يكون لأحدنا غريزة حيوانية.

في مصر مثلاً. قبل ثورة يناير ٢٠١١، كنت هناك من أجل ماستر كلاس، وحضر أناس كثر. أتت المسؤولة عن المهرجان وقالت إن هنالك من يطلبون منّي ماستر كلاس، قلت لها “كان من الأفضل الإعلان عنه منذ وقت فأنا باق ليومين في مصر”. قالت “ما تقلقش يا خواجة، احنا عندنا حاجة اسمها انترنت”. قلت “أوكي اعملوها”. وكنت أظن أن الحضور سيكون ضئيلاً. لكن في النهاية أُجبروا على وضع شاشة في الخارج بسبب امتلاء القاعة. وأتذكّر أنّي قلت بعدها أنّ ما رأيته هناك كان باروداً مستعداً للانفجار، من حماسة الشباب الجالسين بعيون مفتوحة والراغبين بشدة في المعرفة، شعرت وقلت “إن شيئاً ما سيحصل في هذه البلد”. وقلت كذلك إنّه من المحبط أن يكون أحدنا في القاهرة. كان هنالك شعور عام بالتوتر، مع حالة “أمر واقع” لكنه شعور مهيب وفي الوقت نفسه فارغ. وعَدت نفسي في تلك اللحظات بأن لا أعود إليها. قلت “لا أريد أن أكون في وضعية كهذه بتوتّر من هذا النوع”. بعدها بأشهر قليلة بدأ الربيع العربي.

أحياناً تشعر بالأمور، وعندما كتبت السيناريو للفيلم كان في ذهني أن ما أكتبه هو إنذار للعنف المحتمل الذي يمكن أن يحصل كذلك هنا في باريس. أتذكر تماماً حين حصلت الأحداث في فرنسا وقلت “خلص، لا داعي للسيناريو”، واكتأبت. قلت “الآن أريد كتابة شيء آخر لأن ما أردت كتابته حصل”، وقد صار ذلك معي من قبل، وكدتُ أتخلى عن فكرة «يد إلهية»، لأني كنت أكتبه مع علامة إنذار أن شيئاً ما سينفجر، فاندلعت الانتفاضة الثانية أثناء التصوير. وقلت للمنتج وقتها إنّي لست أكيداً من أني سأنجز هذا الفيلم. سأل لماذا؟ قلت “ما أردت أن أحكيه في الفيلم، يحصل تماماً في الشوارع. لمَ قد يعيد أحدنا القصص ذاتها!” ضحك وقال “فلننته من الفيلم”. قلت “أوكي”. وانتهينا.

من الفيلم ومن عنوانه، نشعر بالنظرة التشاؤمية. لكن هنالك لقطات نقيضة، آخر مشهد مثلاً من الجزء الأول الخاص بالناصرة، الجنود في سيارة لا يرون سيارتك، فتاة في الخلف معصوبة العينين -تشبه عهد التميمي- تنظر إليك. هذا مشهد يعطي تفاؤلاً في النهاية. إلى أي درجة يمكن القول إن الفيلم، في النهاية، “تشاؤليّ”؟ قد لا نستطيع القول إنه تفاؤلي ولا تشاؤمي.

بلى، الفيلم متفائل جداً. لكن -أكثر- من المشهد الذي يليه، البدوية التي تروح وتجيء، وينتهي الجزء بهذا المشهد. الآن سأحدثك عن هذا الموضوع تحديداً. مشهد “عهد التميمي”. كان أكثر مشهد فيه إسرائيليون، إضافة لمشهدين أو ثلاثة غيره فيها إسرائيليون، لكن من القدر الذي كنت فيه مستاءً من حتى وجودهم في أفلامي السابقة، ما يعطيهم شرعية حضور، صار عندي قرار خلال التحضير بأن أقلّص من وجودهم في الفيلم، من منطلق سياسي تماماً، فإسرائيل صارت دولة فاشية بامتياز، لا نقاش بعد في ذلك، صار هنالك إطار أسود لنظام عسكري فاشي بأساليب عصرية. قلت لنفسي “لمَ إذن أتعاطى معه!” كان القرار أخيراً أني ألغيت مشهداً ضخماً جداً، وجميلاً جداً، كي ألخّص كل ما هو إسرائيلي في مشهد “عهد التميمي” فقط. بعدها حذفت من السيناريو المقاطع الأخرى وقلت إنّ هذا هو الوضع، إسرائيل توجد في فيلمي ضمن هذا الحيّز، وهذا تعريفُ إسرائيل: جنود وخلفهم معتقلة، ووقتها أتتني فكرة لمَ لا يكون مشهداً تكريمياً لعهد التميمي. لخّص هذا المشهد لي الوضع في البلد.

لم يكن فيه تفاؤلاً بل تلخيصاً لما هي إسرائيل، ودرت ظهري لإسرائيل. كما قال صحافي إسرائيلي لي مرة “هذه المرّة، فعلاً، وحّشتَ بنا، هذه المرّة أنت تجاهلتنا تماماً”. قلت له “ليس هنالك نقاش بعد في من تكونون، إن كان لديك طاقة لتذهب وتغيّر الوضع، اذهب، الله معك. لكن بالنسبة لي، انتم انتهيتم. صرتم فقط ماكينة للقمع والاحتلال ولم يعد هنالك أي هامش للأمل”. لكنّي وضعت أملي، أخيراً، في هذا الفيلم في البدوية التي ماتزال موجودة، تمشي وقد باعت جرّة اللبن ومعها غيرها لتبيعها، هي استمرارية لفلسطين، بالمجاز طبعاً.

بعدها، حين مررنا ببارات حيفا، في أحدها رأيت الناس يرقصون ومتحمّسون فرِحت ورأيت مشهداً يشبه المشهد الأخير الذي كنت كتبته، قلت لنفسي “هذه ستكون نهاية الفيلم”. وكنّا لحظتها نصوّر الفيلم في الناصرة، فذهبت إلى الإنتاج وقلت لهم هنالك مشهد إضافي سوف أصوّره، وطبعاً دخلوا في حالة رعب كجهة إنتاج. وأنجزنا المشهد في آخر يوم تصوير.

غيّرت إذن في المشهد الأخير؟

زدتُ هذا المشهد فقط، ففيه وضوح أكثر عمّا أحكيه بخصوص الأمل. في مرحلة معيّنة، أنا اكتشفت الأمل، لأني حين بدأت التحضير للفيلم، ذهبت إلى المحل الذي أعرفه، الناصرة، وهو الغيتو ذاته والذي تسوء حالته مع الزمن. لم أكن أعرف أنّ الشباب يتحرّكون بنوع من الاستمرارية دون أن يكونوا متحزّبين أو تابعين، هذا فوران جديد. كنت أظن أن الفيلم سينتهي بنغمة حزينة فيها أمل لكن فيها ميلانكوليا. لكن حين اكتشفت هؤلاء الشباب، اكتشفت، أنا كذلك وليس فقط للفيلم، أن الشباب المتجمعين مع بعضهم، راغبون في التعبير عن أنفسهم ثقافياً، ومن خلال الاحتفال أو مهما يريدون، ولديهم هم مكان للأمل. كان ذلك تجلّي واكتشاف بالنسبة لي، أحببت ما رأيته. سعدتُ كثيراً لأرى شباباً يجدون طريقتهم الخاصة في مقاومة الاحتلال العسكري أو السيكولوجي أو غيره.

كان عندي ماستر كلاس بعد الانتهاء من الفيلم، لأن بعض الشباب المشاركين في المشهد الأول (في الكنيسة) أتوا على شرط أن أقدّم ماستر كلاس في حيفا. وقتها كنت قد ذهبت مرّات إلى البارات ذاتها في حيفا، لكني قلت شيئاً، وهو ما أضعه اليوم كعلامة تحذير، أن هذه الحياة، لا يجب أن تصير كما هي في مدن وبلدان أخرى كسراييفو أو بيروت، هذه الأمكنة الصغيرة التي تجد مجالاً للتنفّس والحماس، نتيجة لأوضاع سياسية أو قمع، لا يجب أن يصير هنالك نوع من المؤسساتية في هذا النوع من التعبير عن المقاومة، وأنّ الأمور لا بد أن تمشي إلى الأمام. في الماستر كلاس قلت ذلك “آه، أحب ما يحصل، وهو عظيم، لكن أتمنى أن لا يتحول ذلك لشيء يحوم حول نفسه”، أنّنا نضح قرطاً على الأذن ونذهب إلى البارات… يصير ذلك نوعاً من الركود. هنالك قلق حيال ذلك.

قد يكون هنالك شكل مقابل له في فيلمك، هو الصمت، المراقبة، وقد قلتَ في مقابلة مرّة إن الصمت هنا هو نوع من أنواع المقاومة. لأنّ أصحاب السلطات يريدون ضجّة وليس صمتاً تأملياً.

طبعًا

كيف يكون ذلك؟

الصمت هنا يتعلّق بالسرد السينمائي وليس خارج السينما. الصمت كمقاومة في الأعمال الفنية وليس خارج العمل الفني. السؤال الذي سُئلته كان “لمَ الصمت؟” أقول لأن الصمت بحد ذاته أقوى من الكلام، لأن هنالك شيء لامركزي في الصمت، وهو ما تخاف منه المؤسسة والسلطات. يريدونك أن تقول ما تريده كي يستطيعوا الإجابة، أو ما تفكّر به، ذلك أفضل لهم من أن تعطيهم شعراً، الحكّام يكرهون الشعراء، خصوصاً حين يكونون غير مباشرين في شعرهم، لأنّ الأنسب لهم أن يمسكوا المركزية، وقتها يستطيعون سجن الناس، ويختلف الأمر حين تؤلف لحناً أو أغنية وفيها انبعاث لأمل ما، وبالنسبة للحاكم سيكون الأمل هو بإسقاطه عن الحكم. الصمت تابع للشعر، تابع لمنح الصورة لمراكز مبعثرة. كأن أحدنا ينظر إلى الكون، لا كمن ينظر إلى مركز. هذا أولاً بخصوص الصمت.

أما ثانياً، وهو في اللاوعي وليس من الضروري قراءته في الفيلم، الصمت يقرّبنا دائماً إلى حقيقة أننا زائلون، هذه كذلك مهدّدة للسلطة، لأنّه مطلوب من سوق الاستهلاك أن تبقى هنالك ضجّة ما، وتتوقّع الفيلم الذي يليه دائماً، وتتناول البوبكورن، كي تكون مستهلِكاً. أما إن بدأت بالتفكير في الزمن، وفي كيف يمر، وتشعر بتساؤل وجودي، وقتها كذلك تدخل في نوع من المقاومة، لأنّك تسأل “لماذا أنا؟ لماذا أنا هنا؟ كيف يمكنني تغيير حياتي؟ أو أحسّنها؟ أو أغيّر حياة الآخر؟ كيف يكون هنالك استمرارية أو تواصل؟” ثم تبدأ في التفكير في ما هو مُسيّس. كيف مثلاً ستبدأ في حياة أفضل؟ كيف تتناول طعاماً نظيفاً؟ فتبدأ حربك ضد الكيماويات. تفكّر كيف تحسن في الوضع البيئي الاجتماعي السياسي. بالتالي فإن فيلماً يطرح أسئلة كهذه، هو، بالشعر وبالفن، مناهض ومقاوم. بينما، في فيلم بضجّة أو حبكة سريعة، لا تشعر فيه بالزمن، تدخل إليه كأنك تدخل جبّالة صور ترميك في النهاية منتشياً من الأكشن الذي شاهدته، وتعود مرة أخرى لتشاهد فيلماً يختلف قليلاً، الشخصيات تختلف قليلاً، لكن في النهاية يكون بتركيبة مشابهة، كي تسعد مرّة أخرى السعادة ذاتها، كي يمر الوقت كذلك، لتكون أنت في النهاية استهلاكياً مرة أخرى. طبعا الفن هو ضد الاستهلاك. هنالك مواقع شائبة منه كونه منغمساً في السوق الاستهلاكية. لكن ما أقوله في الأفلام هو في مرّات كثيرة مناهضاً للاستهلاك.

هذا يرجعني إلى جاك تاتي الذي اختار الصمت لنقد الرأسمالية والاستهلاك كذلك. هنالك إحالات إلى جاك تاتي وبستر كيتن في الحديث عن أفلامك، الاثنان صامتان. إلى أي درجة ترى أن أفلامك فعلاً تشبه أفلامهما؟

انظر، أكيد مليون في المئة. أشعر بالإطراء حين يقول لي أحدهم أن فيلمي يذكّره بتاتي أو كيتن، والجميل أن المسألة لم تأت بأن كان هؤلاء مرجعيات لي، مرجعياتي كانت ياسوجيرو أوزو وهاو هيساو-هيسان. لم أكن حتى أعرف تاتي وكيتن. أنا أساساً لست مثقفاً سينمائياً. لم أبدأ بمشاهدة أفلام صامتة بل اكتشفتها متأخراً. اكتشفت كيتن متأخراً جداً، كنت أعرف تشارلي تشابلن لكن أكيد لا علاقة له بأفلامي، هو أكثر دراما اجتماعية. باستر كيتن شاعر أكيد، وهو ليس راقصاً وبهلوانياً مهماً فقط، هو كذلك شاعر عظيم، وكذلك تاتي. أستطيع أن أقول لك إن ما يشبّهني بكيتن هي -أكثر- الشخصية التي أمثّلها، وطريقة التمثيل، بملامح دون تعبير.

بالنسبة لتاتي، اللوحات هي نفسها، محتوى الصورة هو ما يتشابه أكثر، إلى درجة أنّي ذهبت مرة في ٢٠٠٢ لمشاهدة فيلمه Playtime. حصلت معي نهفة في الشارع فأخرجت دفتري وكتبت ملاحظة، شاهدنا الفيلم ووجدت الصّورة نفسها فيه. هنالك طبعاً تشابه في قصص كهذه.

حين تشاهد أفلامي، تلاحظ أنها بدأت من سكون تام، ملامح ثابتة تماماً، دون تعابير بالمرة. لكن حين ترى التطور، تجد أنّي في الفيلم الأخير غيّرت كلياً، قد لا يكون ذلك ملاحَظاً لكنه بالنسبة لي هو نقلة كبيرة. صارت الشخصية الممسوحة في الفيلم تعطي تعابير أكثر. تحديداً، عندما صوّرت المشهد الأخير، الحفلة والرقص، قلت “هنا لا أستطيع أن أكون بملامح ثابتة أو أن لا أتأثّر”. هنا لا بد من منح كل المشاعر التي هي حقيقة موجودة لدي، منها الحزن، الميلانكوليا، منها السعادة لما أراه، منها أني لا أستطيع أن أدخل وأشاركهم، ومليون شعور آخر. قلت “لا بد لهؤلاء أن يكونوا التعبير لما أشعر به. لا أستطيع أن أكون مجرد مرشد لما أراه أمامي”، لأن التفاعل بيني وبين هذه الصورة مهم جداً، بالتالي، في أكثر من لحظة، أغيّر في تعابير وجهي كي أدخل أكثر إلى ما أشعر به، وإن لم يظهر ذلك بصوت عالٍ. لم أعد المراقب السلبي، صرتُ جزءاً من الصورة.

وأنت تقول ذلك، أكثر ما يتذكّره مشاهد الفيلم قد يكون أنّك تحكي للمرّة الأولى في أفلامك، وقلت كلمتين: أنا فلسطيني، من الناصرة.

ليستا كلمتين، هي كلمات مشفّرة. ليست كلمات عادية. كان لها سبب، كان لوجودها سبب فكأني لم أحكِ في الواقع. بالنسبة لي ليس هذا الكلام كلاماً، هو -أكثر- القليل من المتفجرات. فيها، وهي القليلة، ما يحكي عن مسألة كبيرة جداً. لا أعطي معلومات فيها. فكان من الضروري أن أقول “الناصرة” و”فلسطيني” للأسباب السياسية الواضحة جداً.

لا أعرف أين كنت أقرأ مراجعة سيئة للفيلم، تحكي عن ذلك، عن عدم اكتراثي ولا اعترافي بالدولة، كانت في جريدة كبيرة نسيتها. هذا ليس عدم اعتراف، هو عدم اكتراث. هنالك شيء غير معلوماتي، هو مجاز مشفّر.

في الجزء نفسه، في نيويورك. يقول أحدهم إن علاقتك صارت في الأمكنة المتعددة وليست المكان الواحد (فلسطين) ويسألك إن كنتَ “الغريب التام”. هل كانت إجابة “أنا فلسطيني من الناصرة” على هذا الرجل وليس شوفير التاكسي الذي سألك من أين أتيت؟

لا، الجواب عليه كان المشهدُ الأخير، أنّي في النهاية لستُ “الغريب التام”. انتمائي فلسطينياً هو كذلك انتماء فيه تماهي مع كل شعوب العالم التي تعاني من المعاناة ذاتها، عدتُ وقمت بـ “المغادرة مجدداً” مرة أخرى في هذا الفيلم. لم أكن واعياً لهذه المسألة. بدأت أعيها عندما كنت في الناصرة أصوّر الفيلم، شعرت بشيء غريب فيّ، شيء كنت أدحضه تماماً. فقد كنت أظن بأنّي أممي من حيث الانتماء، وكل مكان هو وطن لي. اتّبعتُ مفهوماً يجعلني أصل للآخر دون أي مركزية جيوسياسية. القومية ملغيّة بالنسبة لي. اكتشفت أني قد ألغيت كل ما هو قومي، لكني اكتشفت أمراً آخر، هو انتماء قوي جداً، دون التباس بينه وبين القومية، هو لهذا الشعب. اكتشفتها في هذا الفيلم.

انتهى هذا الفيلم بالطريقة التي انتهى فيها لأني اكتشفت أثناء صنعه ما هي علاقتي مع هذا المكان، قويَت العلاقة. أتتني فترة طويلة كنت أشعر فيها بأن علاقتي ترحاليّة نوعاً ما، بأني غريب تام، مواطن العالم، وفي النهاية، لا. إني أعيش نوعاً من المنفى. لا بد أن أعايش هذا المنفى. لأنّه من الأكيد أن لا عودة، ليس الموضوع أن يكون أحدنا هناك، الموضوع هو كم أنا مرتبط، وبشكل حاد، عاطفياً، بالفلسطينيين. هذه اكتشفتها، وكانت كإعادة تركيب للعلاقة، لكنها علاقة صارت أقوى. كانت قوية لكنها أساساً وصارت قوية جداً. أو كانت قوية لكنها خفّت أولاً، والآن صارت أقوى بكثير. اكتشفتها أثناء التحضير للفيلم، أخبرك بما هو خارج الصورة الآن، بدأت بالشعور به في الناصرة، قد يكون لأسباب منها الغضب، منها الألم، التعاضد، التعاطف، أنا متأكد بأننا نستطيع الآن تجميع الكثير من الكلمات من القاموس لوصف ذلك. في النهاية هو إحساس بدأ يقوى عندي أثناء التحضير للفيلم، عن علاقتي بهذا المكان، والتي قويت، وتلخصت في هذا المشهد الأخير. أما المشهد الذي في نيويورك، حيث سئلت عن “الغريب التام”، فهو النقيض للمشهد الأخير.

في مشهد نيويورك الكثير من الرطانة الفكرية، عندما كتبت المشهد، قد سرقت ملاحظات المشهد من هنا وهناك، ودمجتها مع بعضها -كما فعلت مرّة مع خالتي في فيلم «سجل اختفاء»- ليكون مفهوماً بشكل ما، وفيه نوع من السخرية على ما يُقال في المشهد نفسه، لكن في ذلك أيضاً شيء من تجربتي، ففي الكثير من الماستر كلاس التي قمت بها، كانت هنالك مقاربات أسطورية على من أنا، على مستوى الوجود الترحالي والغريب التام.

في الأكاديميات ومراكز السينما مثلاً، يحبون الحديث عن أني مواطن العالم، وذلك صحيح لكني أحببت أن ألعب عليها لأن ذلك صار مؤسساتياً بحد ذاته، كأنّه يتوجّب الحديث عنها في كل مرة يقدّمني أحدهم، أنّي أعيش في كل مكان وفي لامكان. نستطيع اللعب كثيراً على مفردات كهذه. تكون الفكرة عميقة، ثم تتسطح عندما تبدأ بالإعادة، تكرار المفهوم ذاته، يصبح هناك إطناب، ويصبح لزاماً عليك العمل على إعادة بناء للمفهوم الذي قلته مسبقاً. فالطريقة التي قال بها الرّجل ذلك، الطريقة التي أخرجتُه بها ليحكيها، كان شيئاً ما عن الإطناب، لأنّه في النهاية هنالك ما هو أعمق للحديث عنه. لكن أجمل ما في هذا المشهد هو الفتاة التي كانت ترتدي رأس حيوان والتي ملّت ولفّت رأسها ولم تستطع تحمّل الحديث وغادرت. أعتقد أنّي أمضيت ساعة أوجّه هذه الفتاة لتمثّل الدور كما أريده. كلما مثّلَت أقول لها “لا، أريدك أن تملّي عن جد”. في هذا المشهد كانت هي أكثر من اشتغلت عليه، أردتها أن تقول بملامح وجهها “حل عنّي أنت وحكيَك”.

السؤال الأخير، سيُعرض الفيلم لأوّل مرة في فلسطين في ٢ أكتوبر، وفي ٤ الشهر في الناصرة. ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية”، هل تتوقع شيئاً من الجمهور الفلسطيني؟

لا. عندي فضول أن أرى كيف ستكون ردّة فعلهم.

هل سيفهمون جيداً مثلاً الجزأين الخاصين بباريس ونيويورك؟

أنا كذلك عندي السؤال ذاته، ولستُ أكيداً. أعتقد أنه قد يتواجد نوعان من المشاهدين، من قد لا يفهم بعض الإحالات والشيفرات الثقافية الخاصة خارج فلسطين، لكن قد يحب ما يشاهده على مستوى سينمائي بحت. طرحت على نفسي هذا السؤال، إن كانوا ينتظرون مني دائماً أن أعود حاملاً قضية فلسطين بجغرافية فلسطين، قد يكون هنالك تجاوب سلبي، فهنا ليس كما كان الحال في «الزمن الباقي» مثلاً، حضرت النكبة من أوّل الفيلم، فيقولون “أوكي، هذا نحن”. لكن هنا، لا. هنا أوسّع المساحة الخاصة بفلسطين، بالتالي قد لا يكون لديهم الشعور ذاته، فلا يتفاعلون بالحدّة ذاتها، لأننا، كالجميع، نحب أن يعكس الأمر واقعنا، بشكل شخصي، وقد نحتاج جهداً أكبر كي نخرج من أنفسنا، ونرى أشياء أخرى بعيدة عنا ولنا علاقة بها. أتأمّل أن من سيأتي للفيلم سيكون عارفاً مسبقاً بطبيعته، كي لا يدخل في تساؤل “أين نحن في الفيلم؟ نحن هنا فقط؟ ولمَ هو غير مباشر سياسياً؟ وإسرائيل في مشهد واحد فقط؟” وهذا عكس ما كنت قد قلتُه بأنّي لخّصت حضور إسرائيل بذلك المشهد (عهد التميمي)، فقد يشكّل ذلك خيبة أمل للناس بأن “فقط هذا عن إسرائيل؟”

طبعاً سيكون هنالك تجاوب، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الأمور هناك، لدى الحضور الفلسطيني، كذلك يمكن أن تتغير، وقد يكونون هناك كذلك على إدراك ودراية، وهذا لا أعرفه. هنالك الكثير من هذا الجيل الذي سيشاهد الفيلم عاشوا هذه التجربة خارج فلسطين، فمن الصعب توقع رد الفعل. أعتقد بأنه ستكون هنالك عدة طبقات لاستقبال الفيلم، لكن أعتقد أن العرض في مدينة الناصرة هو الذي سيحمل أسئلة أكثر من هذا النوع. ستكون هنالك خلطة بين هذا الرأي وذاك، والجيل الجديد، لأنه ثقافياً صارت لديه رغبة في التجوال في العالم الفني، فحتى لو لم تكن لديهم معرفة بالشيفرات الثقافية، فقد يكون لديهم عطش لما في الفيلم، وهؤلاء كثر.

سؤال ما بعد الأخير، هل من أمل في أن يغيّر الفيلمُ شيئاً؟

أنا أتساءل أحياناً “ما الذي يستطيع الفيلم فعله؟” الأكيد أن فكرة صناعة الفيلم تأتي من نوع من الأمل، لكن كما كنت مرّة في نقاش مع جون برجر، وكلانا يشعر باليأس قليلاً، وإن كان هو أكثر تفاؤلاً منّي، بمليون مرة، سألته “كيف مانزال ننظر إلى الدنيا؟ أنا أصنع أفلاماً وأنت تكتب، إلى أين نحن ذاهبون في النهاية؟ لمَ نفعل ذلك والوضع ما هو عليه؟” قال “لدينا أمل. نحن ننظر إلى العالم بأمل، لكنّنا ننظر إليه بعين جريحة”.

يُعرض «إن شئت كما في السماء» ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” في رام الله (٢ أكتوبر) وفي الناصرة (٤ أكتوبر).

المقابلة: إيليا سليمان (١/٢)

لا مقدّمات تُكتب لمقابلة مع إيليا سليمان…

 

السؤال الأوّل هو الأكثر توقّعاً، لم انتظرتَ عشر سنين بين «الزمن الباقي» و«إن شئت كما في السماء»؟

الإجابة بسيطة، أولاً لأنّي كسول. هنالك أسباب موضوعية وهنالك تلك التي لا جواب لها، وهنالك أسباب تبقى -لنقُل- نوعاً من الأعذار، أو لستُ متأكداً من أنّها أسباب فعلاً، لكن لها “مشروعية” ما. مثلاً،  هنالك فترة ليست قصيرة بين كل فيلمين من أفلامي، ٧ أو ٨ سنين. لكن لكونها ١٠ الآن، يمكننا السؤال “لمَ؟”.

أنا لا أصنع أفلاماً روائية/سردية ولا مبنية على كتب، لا أكتب سيناريوهات عن شخصية متخيّلة. كل ما تراه في أفلامي هي أمور مأخوذة من حياتي الشخصية، أو قد تكون ملاحظاتي/مراقباتي لما يحصل حولي، أو تأمّلات لمسائل داخليّة. فإن أراد أحدنا أن يصنع فيلماً، لا بدّ أن يعيش، يعيش ليرى ما حوله. أحياناً يكون أحدنا متنبّها وأحياناً لا، تكون سارحاً أحياناً قد تكون في حلم يقظة ما، وأنت جالس على كرسي، كما أفعلها مراراً، أو حين تكون في الشارع وترى ما حولك وتدوّنه. وهذا لا يكون كل الوقت، ذلك يستغرق سنيناً. تجمّع هذه الملاحظات إلى أن تثقل وتجد أنّه يمكننا صنع شيء منها.

أساساً، لا أعرف متى يمكن أن يُصنع شيء، لا بد من التجريب لأرى، إلى أن أكتشف أنّ هنالك احتمال لحكاية ما. حتى الحكاية، تُكتشَف أثناء الشغل، وليس قبله. يكون لدي حسٌ، فكرة، شعور أنّ هنالك ما يتوجّب قوله لكني لست أكيداً كيف. لكن عادة لا بدّ من التخيّل، وإن كنت لا أجيد الرسم بالمرّة. لا بد من تخيّل غاليري فيها ٢٠٠ لوحة على كانفاس أبيض، وأبدأ التعليق عليها كما أعلّق قصاصات الملاحظات هذه هنا. تبدأ بالملاحظات التي ستتركّب على ملاحظات غيرها، أشتغل عليها، ثم تتآلف الملاحظات مع بعضها، تماماً كما أنّ رساماً ما يبدأ بالعمل على لوحة لا يعرف بعد إلى أين يتّجه. الفرق أنّي لا أشتغل على لوحة واحدة، بل على عدّة لوحات في الوقت نفسه.

بعدها، هنالك ما أسمّيه مونتاجاً لاشعورياً وهو ما يقابل مونتاج الاستمرارية، وهو كيف أن لوحات عدّة، تُصفّ إلى جوار بعضها لتعطي معنى ما. وهذا يكون كذلك بالتجريب والأخطاء. حيث أجلس الآن، عادة يكون أمامي، هنا، خزانة. يكون الحائط مليئاً بقصاصات الملاحظات، أبدأ بتركيبها معاً، وأبدأ باكتشاف أين يذهب الفيلم. أحياناً ترى أنّه مسدود، أحياناً أتراجع وأحياناً لا… هذا التركيب لوحده يستغرق سنوات. سنوات لتعيشها، سنوات لتركيبها، وسنوات لتشعر أنّ لديك فعلاً ثقلاً معيّناً يمكن تسميته بسيناريو.

خذ هذه السنوات كسبب للتأخير، وخذ بعدها مسألة التمويل. كلّما أشتغل على فيلم يستغرق التمويل ٣ أو ٤ سنين، لعلّه استغرق في هذه المرة أكثر قليلاً، لأنّ ميزانية الفيلم كانت أكبر. هذه أسباب أطرحها الآن هكذا، قد يكون بعضها دقيقاً وبعضها لا، لكن نعم، أعتقد أن الأسباب الأولى التي طرحتُها هي صحيحة، لكن لمَ السنين الإضافية فصارت بالمجمل عشر سنين؟ السبب هو التمويل.

هناك سبب آخر لا أتحكّم به، هو أنّي لا أتعاطى كثيراً مع فكرة أنّي مُلزمٌ (الآن) بكتابة فكرة سيناريو. أنهي فيلمي ثم أعيش. ولا أعيش كي أكتب بالضرورة. أكمّل حياتي كما أنا، فعندي شغف لأشياء أخرى كذلك. ولا أُدخل نفسي في حالة ضغط أن الناس تنتظر مني فيلماً، كما صار يُقال لي موخراً بأن “لا نريد انتظار عشر سنين أخرى للفيلم القادم”. السؤال عندي هو إن كانت هنالك حاجة ضرورية لفيلم أو لا. لستُ مأخوذاً بسحر الكاميرات ولا السينما، حتى روح السينيفيليّ تلك، ليست فيّ، بالتالي أصنع أفلاماً عندما أحسّ أن لدي شغف تجاه فكرة أكتشفها لحظتها وتجاه إحساس يطغى ويدفع لأن أبدأ بصناعة فيلم.

عموماً. انظر، كلّما أريد قول شيء، أريد كذلك قول عكسه. تشعر أن هنالك حاجة سياسية، جيوسياسية، وطنية أو مهما يكن، لكن هنالك مقابلها دائماً ذلك الشعور بمتى ترغب بالبدء بتركيب الصّور. ليس المقصود الفن لغاية الفن، هنالك شيء أقول أنّ له علاقة بالواقع الذي نعيشه، بما يحصل حولنا في العالم. لكن الفكرة تبدأ بأن تشعر بتلك الرغبة أولاً، تريد أن ترى وتحقّق هذه الصورة التي تراها.

أقول أنّ السينما هي كذلك، أحياناً تشعر برغبة بصناعة فيلم ليس بالضرورة لأن له رسالة، لكن يكون له رسالة. تبدأ من السرد، وليس من استراتيجية أنّ لا بد من قول شيء ما. أقول ذلك لأنّ بالأمس تحديداً أجريت مقابلة مع “لوس أنجلس تايمز”، قلتُ تماماً كل ما لم يتوجّب قوله في هذا الموضوع، لأنّه متوقّع.

بأنّهم كيف سيأخذون كلامك، في أي سياق يضعونه.

مثلاً. لا أعرف إن كان هذا الصحافي بالذات أراد ذلك، لكن قد يكون ذلك متوقّعاً منّي. تكلمت عن تركيبة الصّور وقلت له في النهاية، وأنا أفكّر ملياً بهذا، أنّ أول ما تشعر به كي تصنع صورة هو الإحساس بإمكانية أن تحمل متعةً ما. أمّا ما يرافق هذه المتعة، فيمكن الحديث كثيراً عن ذلك. لكن فكرة أن يكون في الصورة متعة مشاهدة وأن يكون عندك (وهي عندي) الرغبة أن يكون هنالك مشاركة لهذه الصورة واستمتاعك بها، مع كلّ مُشاهد لها تتخيّل وجوده.

لهذه الأولوية، أحياناً يقول أحدنا “لا”، وصحيح كذلك، أنّك تصنع فيلماً لأن إحساساً صار لديك بأنّ هنالك ما يتوجّب قوله. صحيح، في هذا الفيلم، لكن ليس بالضرورة في جميع الأفلام. في لحظة معينة كانت تأتيني تلك المشاعر، كأن أكون جالساً هنا وأقول “حسناً، نواصل الحديث عن: ما هي قضية فلسطين؟ وعولمتها؟ والعالم في ظل العولمة، في أية مراحل خطرة هو الآن؟” وكل يوم نسمع أخباراً عن ذوبان الجليد إلى…

حرائق الأمازون مؤخراً.

تماماً، هنالك كوارث بيئية يومياً، أصبحت كليشيه غير منتهية، فتقول “حسناً لمَ لا نحكي عنها بشكل فردي وليس جماعي”، وهنا لا أتحدّث عن حِراك. أحكي شعور أحدنا بالوحدة، لأنّ شعوراً بالغربة يبدأ بالتشكل، هو فعلاً تعريف كامل وخالص للاغتراب. تشعر، أثناء جلوسك، بخوف معين، بأنّ الأمور تسوء وتشعر، أنّ لا أحد يتحرّك من أجل ذلك باستثناء المظاهرات القليلة هنا وهناك، التي تعرف عنها من التلفزيون، والتي لا تكفيك كمانع. أتاني هذا الشعور في الفيلم، على مستوى أن يكون هنالك مواساة، فإن جلس اثنان مع بعضهما، على إثر هذا الفيلم، وبدآ بالحديث عن غربتهما ووحدتهما، هذه لوحدها تواسيني. هذا أجده في الفيلم الأخير تحديداً، لأنّي في الأفلام السابقة لم يكن لدي هذا الشعور بدمارٍ (أبوكاليبس) متوقّع. لكنّنا نعيش هذه المرحلة الآن، كل يوم نتحدّث عن متى سيصل العالم إلى مكان بائس. صرنا نحس بذلك جسدياً كذلك. مثلاً، مع كل موجة حر، تشعر فعلاً بحر شديد لكن هنالك كذلك الشعور بالخوف، الشعور بأن الأمور تتغيّر، لم تعد على طبيعتها.

بخصوص الكسل. للكسل وزنه، ألاحظ -بطبيعة الحال- أنّني كسلان، لا أحب أن أقوم بشيء. هنالك متعة كبيرة في الكسل.

والإبداع يحتاج للكسل…

نستطيع قول ذلك، لكن ليس كل مبدع كسول. أنا كسول بامتياز. أستطيع الجلوس  لساعات كي أحلم فقط، أحلم بما لن يحصل أبداً، وبما يمكن أن يتحوّل لمواد سينمائية. لكني لا آخذ نفسي بجديّة في هذا المعنى. أي لا آخذ نفسي كمبدع كسول. أي أنّه لا بد من الكسل كي أكون مبدعاً، أبداً. لستُ كذلك. أنا كسول وحسب، ببساطة.

أحب أن أطبخ، وأحب المشي ببطء، أحب أن لا أقوم بشيء، أحب التسكّع، وأعتقد أن أكثر اللحظات التي عشتها، حتى كذكريات، هي التي كنت جالساً فيها، لساعات، لا أفعل شيئاً. إن كانت في الناصرة أو بيروت أو… كنتُ أحدّث صديقاً أن أجمل لحظاتي كانت في مقهى في بيروت هو مغلق الآن وحزنت كثيراً عليه، هو لصديق، المقهى كان رائعاً لأن لا شيء يحصل فيه ولا يمر أمامه أحد، وزبائنه قليلون، أفراد. مقهى خاسر وجميل.

عندما عشتُ فترة في بيروت، وحين كنت أشتغل على فيديو كليب لياسمين (حمدان) مكثت لشهر ونصف في هذه المنطقة، وكانت فكرة أن أستيقظ كل يوم، أنزل لأتمشى قليلاً -كان هنالك مساحةً تمشي فيها وهذا غير عادي في بيروت- أجلس في المقهى نفسه، كنت أشعر أن الدنيا واسعة. وأنّ الوقت يمرّ وأنت تشعر أن لديك كل الوقت. يمر وقتٌ دون أن يحصل أي شيء، ثم يحدث أمر بسيط جداً، يكون حينها مركزياً كأنّه حديث عظيم، لكنه مجرد حدث عابر. في مكان كهذا، أعتقد أنّي إن جلست لسنة فقط، كنت كتبت ملاحظات عديدة، لأنّ لا شيء يحصل هناك ولأنّي لا أفعل شيئاً هناك. يوجد، لا بد، مخرجون آخرون كذلك، لكنهم ليسوا كثر. لأنّك حين تنظر إلى سيَر المخرجين تجدها مليئة بالأفلام وليس باللاشيء. أنا حياتي مليئة بـ “ولا شي”.

من هنا، من الـ “ولا شي” تأتي المَشاهد.

أكيد

طبيعة المشاهد التي تكتبها تحتاج قعدة كهذه.

أكيد. وربّما لأنّي منجذب لهذه القعدات، عندما تتشرب أموراً كهذه وتستوعبها، يكون ذلك لأنك منجذب لهذا النوع. فأكثر ما يعطيني روح النكتة أو السخرية يكون في مرات كثيرة هذا اللاشيء. أكبر مثال يمكن أن أحكيه لك، لما يأتي من هذا اللاشيء، هو عن فيلم «سجل اختفاء»، في مشهد منه لا يحصل شيء، وأنا جالس مع صديق لا نفعل شيئاً. يسقط كتاب، وبعد صمت يقول له “عم بتشتّي ثقافة”. بالنسبة لي هنا تكون النكتة. لإنّه صحيح أنّنا كنا نجلس في هذا المحل، ولا شيء كان يحصل، لا أحد يمر، قليلون كانوا يمرّون، كما شاهدتَ في الفيلم، كان الملل عميقاً جداً، لكن في اللحظة التي يحصل فيها أي حدث بسيط، تكون له أهمية مركزية، وعندما تكون فيه روح النكتة، طبعاً سيهمّني ذلك كثيراً.

سئلت بالأمس سؤالاً مماثلاً، لماذا تحبّ أن تضحك العالم؟ سؤال جميل، بسيط جداً ومعقّد جداً، لكن له جوابه، لماذا؟ لأن هنالك انجذاب كبير، تريد المشاركة في الصورة وتريد المشاركة في القصص المضحكة. لا تريد أن تضحك على نكاتك الخاصة، تريد مشاركة النكتة. وفي النهاية، المتعة هي هذه المشاركة. أعدك أن لا تكون هنالك عشر سنين أخرى للفيلم القادم.

الآن، بالنسبة لفكرة أن لا تفعل شيئاً، وتخرج من ذلك بمَشاهد مكثفة جداً، إذ لا بد لأحدنا أن ينتبه لكل لحظة في كل مشهد. هذا يذكّرني بمقولتين متناقضتين في السينما، أو لنقل مدرستين: ألفرد هيتشكوك يقول إنّه لصناعة الفيلم لا بد من أخذ اللحظات المثيرة للاهتمام في الحياة التي نعيشها، والسيناريست الأساسي في “الواقعية الجديدة” الإيطالية، سيزار زافاتيني، يقول العكس، إنّنا نحذف من الحياة اللحظات المثيرة ونصنع بما تبقى الفيلم. أين ترى أفلامك من بين الاثنين؟

في الثانية، حيث نحذف اللحظات المثيرة للاهتمام. لكن المقولتان صحيحتان، لا تناقض بينهما. هنالك أفلام تُصنع للحظات مركزية وهنالك ما يأخذك إلى الهامش. أفلامي هي، أكثر، مراقَبات لهوامش، لكل ما هو على الهامش، فأسلّط الضوء عليه. لذلك كان الكثير من الناس يقولون “آه، كنا نرى ذلك كل يوم لكنّنا لم ننظر إليها مرة بشكل خاص”. فتمر كغيرها. حين تكون متنبّهاً، ما يحصل على الهامش يمكن إن رُبط ببعضه، أن يحمل معاني عدّة. فتبحث عن المعنى في الهامش. وهذه ليست استراتيجيات.

قد تكون من طبيعة كتابة هكذا مَشاهد.

نعم، هي تكون في النهاية، حسب من أنت تكون. أي أنّي أنتبه لأمور كهذه، أنتبه لما فيها من كوميديا أو سخرية أو ميلانكوليا. أفلامي جميعها تشبه بعضها، فيها جميعها كوميديا وميلانكوليا. وطبعاً، مثقلة بالتسييس. هذه هي الشخصية الرئيسية لأفلامي، هو من يقوم بها.

كلما أعود إلى أفلامي، وأتساءل عن سبب صناعتها، ليس في أي من أسبابها غموض. واضح تماماً لي لمَ صنعت «سجل اختفاء»، أتذكر تماماً ما الذي أدخلني إلى هذا المكان، فمن ناحية كنت غاضباً جداً، ومصاباً بالخيبة من مسار القضية الفلسطينية، وحزيناً. كان اتفاق أوسلو بالنسبة لي تراوما، عشت مرحلته بألم. أضحك على نفسي الآن حين أرى الإحباط الذي عشت به تلك المرحلة. وكنت أريد سرد فلسطين بطريقة بديلة. كان ذلك همّي، أنّي أردت صناعة فيلم يكون السرد فيه مختلفاً عن كل الكليشيهات، صنعته لأني أردت القول “يمكن للأفلام أن تُصنع هكذا، كذلك”، الآن لم أعد أقوم بذلك، فيلم واحد هو الذي أردت قول ذلك به وكفى. كان لدي حماس كبير لأن أبيّن كيف يمكن أن تُصنع الأفلام عن فلسطين لكن من زاوية مختلفة تماماً وسردية مختلفة تماماً، بدون الكليشيهات الفلسطينية “القومية”. ووقتها فعلت ذلك مع حب انتقام من الأفلام التي كانت تحكي عن فلسطين من خارج فلسطين، من إسرائيليين، فرنسيين…

وكذلك الأفلام التي مع القضية؟

وهذه كذلك، عن الكليشيهات التي فيها شعاراتية وتبسيط فظيع. وخالية من التعقيد المتعلق بما هي السينما. هي تحكي عن موضوع بشكل سيّء، كأنّك تستعمل لغة بمفردات ركيكة كي تحكي عن موضوع حساس جداً ويحتاج للدراسة والمشاعر. السينما فن في النهاية. أثناءها، في بداية «سجل اختفاء»، كانت هنالك رغبة في القول إن هنالك طرق بديلة كذلك، إضافة إلى السياسة، لذلك تجد أوسلو في الفيلم.

لذلك أردت في «سجل اختفاء» أن تكون الشخصية الرئيسية صامتة؟ كنوع من احتجاج؟

لا. هذه كذلك لم تكن استراتيجية. بدأ الصمت من أول فيلم قصير لي، «تكريم بالقتل»، صنعته كواحد من خمسة أفلام عن حرب الخليج. وهكذا كانت بداياتي. كان لي فيديو قبله، لا علاقة له بالسينما التي أصنعها اليوم، هو نوع من المونتاج السريع، أشبه بأفلام تلفزيونية ووثائقيات وهوليوود، عن كيف يتم تصوير العرب في الإعلام الغربي، لكن لا علاقة له بأفلامي. عندما أتيت لأصنع البديل، أردت أن أقوم بهجوم معاكس على سلاح يُستخدم ضدّي، كفلسطيني، سألت نفسي “هل سأقدّم لغةً بديلة؟” وبدأت. أتاني عرض لإنجاز هذا الفيلم القصير، وكان تكليفاً، لا برغبة منّي. أتى منتج ورأى الفيديو الذي صنعته وقال “هل تحب أن تصنع فيلماً عن حرب الخليج؟” قلت “نعم، أصنعه في نيويورك”.

بدأت بكتابته، كان ذلك تجريبياً، لم يكن لدي بعد شعوراً عن “ما هي السينما التي أريد أن أصنعها؟” لم يكن ذلك تجريباً وحسب، بل مغامِراً كذلك. كنت أريد تقليد مايكلأنجلو أنطونيوني وجان-لوك غودار، إحالات لأفلام شاهدتها، كنت أُقحم لغتي الخاصة في ساندويش، كانت تنقصني الثقة بنفسي طبعاً، في وضعية كهذه، فاتّكأت على أسماء هي أكثر فكرية منها عاطفية. تتكئ على نص أكثر مما تتكئ على الصمت، وتتكئ على ما أنت متأكداً من أنّه سيمرّ وبسرعة، كي لا تفشل في نوع السرد السينمائي الذي فيه مخاطرة أكبر.

الاتكاء على ما هو مضمون.

نعم، أردت وضع عواميد. ذلك من عدم الثقة في النفس، لم يكن لدي لغة، بل فقط فكرة عن ما هي اللغة التي أردت استعمالها. كانت المرة الأولى التي أقف فيها خلف الكاميرا، فلم أعرف تماماً ما الذي سيحصل بعدها. أردت أن أرمي نفسي في هذا المكان لأرى أين يمكن للغة أن تأخذني، لم أكن أسيطر. أردت بداية أن أبحث عن ممثل، يمثلني أنا، كجالس في بيتي في نيويورك، تندلع حرب الخليج وأقلق على أهلي في فلسطين. بعدها انتبهت إلى “لمَ أبحث عن ممثل يشبهني، أنا هنا”.

كانت هذه هي الخطوة الأولى التي أوصلتني إلى  أفلامي اليوم. كان حدساً أكثر من أي شيء آخر. والأمر نفسه بخصوص الصمت. شعرت أن هذه الشخصية -أنا- لا بد أن تكون صامتة، وأنّها ستُمثّل بهذه الطريقة، وشعرت أن الأصوات التي في الفيلم هي التي ستسرد وليس اللغة بالضرورة. أكملت بعدها كذلك. لو ترى سيناريو «سجل اختفاء»، في نسخه الأولى، ستجد شخصيات حقيقية موجودة في الناصرة، لكن السرد أتى من المخرج التايواني هاو هيساو-هايسن، وهو كان السبب لصناعتي أفلاماً اليوم، لأنّ المرة الأولى التي شاهدت له فيلماً، قلت لنفسي “آه، أنا بقدر أعمل أفلام”. هو بعد ياسوجيرو أوزو طبعاً، وهو من المتأثرين بأوزو، فسيناريو «سجل اختفاء» كان فيه حبكة، فتاة وأخوها، وقصة، وأموراً كهذه، فيها عناصر لو صارت فيلماً لكان فيلماً جميلاً. وقد نال السيناريو الذي كتبته، الإعجاب.

لمَ لم تصنعه؟

صنعته، لكنّي شرّحته، صار «سجل اختفاء». أتت لحظة معينة قلت لنفسي فيها “لا، أريد تجريب لغتي الخاصة” رأيت أن السيناريو يشبه هاو هيساو-هايسن لكنّه في الناصرة. فيه تقليد وفيه حقيقة.

في تلك اللحظة خرجت بهذا الأسلوب الذي نراه في ما لحقه من أفلام.

نعم. حينها كنت أبحث عن لغتي الخاصة، ما تطلّب المخاطرة. لو كنت صنعت ذلك الفيلم، لكان فيلماً جميلاً، له سيناريو جميل، فيه دراما والكثير من الفكاهة، بعض  الملاحظات المكتوبة لهذا السيناريو أرويها اليوم في المزاح أحياناً. كان فيه مشهد لشرطة متخفّية. فجأة تصل سيارات، تشحّط عندنا، يخرج منها رجال شرطة بملابس مدنية ويسألون عما نفعله هنا. نكون جالسين ندخّن، لا نفعل شيئاً، مراهقين، يدفشنا، عند العين في الناصرة، ويديرنا إلى الجدار ويسأل، كما في أي بيئة غيتو. يسأل “ما هو شغلك؟” فنعطي أجوبة ساخرة كـ “بركّي عواميد”… أي لا نفعل شيئاً، ويظن الشرطي أن ذلك عملٌ لا يعرفه هو.

هذا مثلاً مشهد فيه سرد معقّد مع قصّة تراجيدية في نهايتها للفتاة التي كانت شقيقة الشخصية الرئيسية. شخصيتي أنا لم تكن هناك بالمرة. كان السيناريو مبنياً على شخصيات أعرفها، ما يذكّر بمجتمعات فيها شيء من الغيتو، شيء مافيوزي. مثلاً، كنت جالساً مرّة، في محل سوفينير، وقد كتبت هذا المشهد، يمر رجل من أمامنا، يدخّن، في صمت، يمر ويقول “هيّاني راجع”. يعود بعد عشر دقائق وحين يشعل سيجارته نجد دماً على يده. نعرف أنّه نزل ولكمَ أحدهم ورجع وجلس بصمت وأشعل سيجارته، دون أن يشتم من ضربه حتى. هذا النوع من اللحظات السينمائية كان يجذبني. فيها صمت، وفي الوقت نفسه العنف الذي في البلد، تستطيع أن تخرج كل ما تريده عن البلد، الغيتو، من لحظات الصمت هذه. أردت أولاً صنع الفيلم لكني قلت “لا، لا بد من مخاطرة أكبر” وكانت تلك بداية فكرة انقلبت لتصير فيلم «سجل اختفاء»، وكانت مخاطرة مخيفة. اليوم لا أستطيع الدخول في مخاطرات كهذه. لن أذهب إلى مكان احتمال الفشل فيه عالية كتلك.

قرّرت أن أصوّر الفيلم كلّه دون حكاية، وكنتُ أنا المنتج. أتى فريق كامل، ضخم، من فرنسا، أجلستهم وقلت لهم “ليس هنالك حكاية للفيلم، فقط عندي لوحات، لكن لا بد أن يحصل شيء ما خلال التصوير، وذلك سيتحوّل لمركز الحكاية في الفيلم”. سألوا “ما هو هذا الشيء؟” قلت “الحوادث تحصل دائماً”، لا بد أن يحصل شيء ما أثناء التصوير ويفتّح عندي فكرة لمركز تحوم حوله الحكاية، كبداية ووسط نهاية. فات الفريق كلّه بحالة رعب طبعاً. سألوا كيف لي أن أقوم بعمليّتي إنتاج، وهذا كلّه يحتاج لميزانية كبيرة وهذا يزيد من خوفهم. فكان أحدهم يأتي كل يومين يسأل “سيّد سليمان، هل من حادث؟ هل حصل شيء ما اليوم؟” أقول “لا شيء”. مرّت أيّام ولم يحصل شيء وزادت حالة الرعب لديهم. قالوا “سينتهي التصوير ولا حكاية عندك؟” وأنا أردّ بأن شيئاً ما لا بد أن يحصل. وكانت الفكرة أنه عندما يحصل شيء ما، نوقف التصوير والكل يعود إلى بيته، وأنا أكمل كتابة الفيلم بناء عليه، وهذا ما حصل. في مرحلة معينة، كنّا نصوّر المشهد الذي تأتي فيه سيارة شرطة إسرائيلية، بسرعة مخيفة وتشحّط، ويخرج عدة رجال شرطة منها ليتبوّلوا على جدار. كان مشهداً خطراً جداً، لأن السيارة المسرعة كانت تشحّط في اتجاهنا ويمكن أن ترتطم بنا. وكان المنتج يسألني “هل التقطتَ المشهد الجيّد”. أقول “لا”، وإن كان مشهداً جيّداً. كان يخاف أن تنقلب السيارة علينا. من المحاولة الأولى إلى الثانية عشرة، وقد صوّرت ٤ أو ٥ محاولات جيّدة. لكن لا أعرف ما كان يحصل في رأسي، إلى أن وصلنا إلى المحاولة التي يقع فيها الجهاز (الووكي توكي) من الشرطي الذي كان يركض بسرعة خلف السيارة، هو شرطي متأخر عن زملائه فيركض ليتبول معهم، وهذه بالمناسبة لقطة تهكمية من رامبو. يركض ويقفز ويقع منه الجهاز، بالغلط، ومن هناك أتت الفكرة، بعدها الشخصية الرئيسية (أنا) تجد الجهاز، تسمع أن عملية ستحصل، تعرف تفاصيل المهمة، وأنّها أُنجزت. تأخذ الجهاز وتضعه في مسرح “الحكواتي”، ثم تستعمله الفتاة كجزء من استعراض في الشارع. ويبدأون بالبحث عنها.

كل هذا المشهد، في الحكواتي، والفتاة، وما فعلته، والألعاب النارية، كُتب في ثلاثة أسابيع، وأنهينا التصوير، والجميع عاد إلى بيته، وهكذا صارت حبكة الفيلم. هذه المخاطرة مثلاً، لا أفعلها الآن.

أي أن المشاهد كلّها كانت مكتوبة مسبقاً في الفيلم الأخير؟

نعم، هنالك مشهد أو اثنان كتبتهما أثناء التحضير. هنالك مشاهد صوّرتها ولم أضعها، هنالك مشهد كبير جداً، متعلق بالشرطة الفرنسية وهي تلاحق أحدهم، في أكثر من مكان، وكان تتابعاً كوريوغرافياً، لكني وجدت أنه يكسر إيقاع الفيلم، فألغيته. لم يكن هنالك ارتجال. ومشهد آخر ضخم، فيه الكثير من الناس، مع الشرطة كذلك، صوّرته وحذفته لأنّه لم يكن كما أريد. هنالك مشاهد كنت قد حذفتها ثم أرجعتها. حذفتها لأسباب تخص الميزانية ثم أرجعتها، ثم حذفت غيرها. نستطيع القول أن الفيلم ممول بشكل جيد، لكن ليس تماماً، كان هنالك دائماً رغبة في تمويل أكبر، لأن الفيلم كبير، والمشاهد كبيرة، وفيه ثلاث عمليات ما قبل الإنتاج، وسفر كثير، وتأثيرات خاصة ضخمة. فكان هنالك قلق فيما يتعلّق بالقسم الخاص بنيويورك. فقد حذفت منه حوالي ٣٠٪ قبل التصوير لأنّ ميزانية هذا الجزء من الفيلم كانت صغيرة.

حذفته بعدما كان مكتوباً وجاهزا؟

كان مكتوباً في السيناريو، كنّا نتحضّر للتصوير.

بالحديث عن المَشاهد والتصوير، أول مشهد في الناصرة، في الكنيسة، هل كان سهل التصوير؟

لا، أبدًا، كان صعباً جداً.

لماذا؟

مشهد كهذا كان لا بد من يومين لتصويره، أنجزناه في ليلة واحدة، لكنه صُوّر كما يجب في النهاية. كان مشهداً أكبر، بزوايا أوسع، حذفت لقطات منه، كنّا نصوّر بمنطق الكر والفر. وما زاد المشهد صعوبة أنه احتاج إلى ممثلين إضافيين كثر، وهؤلاء يصعب تأمينهم، فليس هنالك أقسام لتأمين الممثلين الإضافيين، كما لدى الإسرائيليين. عندنا، لا بد من تجميعهم، فكان هنالك طلّاب سينما، وناس من البلد. بداية كانوا قليلين جداً، ثم أعلنا عن حالة طوارئ فاتصل كل واحد بأقرباء له للمشاركة. انتهى التصوير كما يجب أخيراً، لكنها لم تكن لحظة مريحة. أنهينا التصوير بشعور أنّ المشهد لم يُصوّر جيداً وأني سأحذفه، وتسبب ذلك بإحباط رهيب.

انتهى المشهد أخيراً كما تريده.

نعم، كما تراه أنت كمُشاهد، لكن خلال العملية ذاتها، تتعذب كثيراً عندما تعرف أنّ ما كنت تتخيله في رأسك لتصنعه، غير موجود أثناء التصوير، بسبب الوقت أو العدّة أو غيره، ولا تنسَ أن هذا المشهد أُنجز مع قلق بما يمكن أن يكون ردّ فعل الكنيسة. تعرف الكنيسة أن هذه القصة سترِد في الفيلم، لكني لا أعرف إن كانوا قد عرفوا المشهد، سنرى، إلى أن ينعرض الفيلم في الناصرة.

ذكرتني هنا في ما قاله جون كازافيتس مرة: “لا شيء مما تخطط له سيتحقق، الشيء الحيوي عن الفيلم أنّه يقاومك، يقول الفيلمُ لك: تظنّ أنّك ستفعل هذا وذاك، لكني سأفعل شيئاً آخر، وسأخبرك بما سأفعله.” رغم أنّ كازافيتس يكتب حكاية بحبكة وغيره.

طبعًا.

إلى أي درجة إذن يكون ما نشاهده نحن قريباً من النسخة الأولى التي هي قصاصات الملاحظات التي حدثتني عنها، أو السيناريو؟

الأكيد أنّه قريب جداً. عندما أرجع إلى السيناريو وأقرأه، أجد أنه تقريباً ذاته كما في الفيلم. لكن الأكيد كذلك أنه بعيد جداً. فأنت، حين تكون جالساً هنا، ما يكون في خيالك لا يمكن أن يكون ذاته لما تتيحه الإمكانيات حين تصوّر، كما هي في الواقع. فتشاهد الفيلم كشيء مختلف عمّا كتبته لكن في الوقت نفسه أنت صوّرت تماماً ما كنت كتبته. إن أنت تلتصق بالسيناريو كنوع من الويكيبيديا، أو الكتاب المقدّس، ويكون بالنسبة لك مرجعاً، سيكون الفيلم فاشلاً بالتأكيد، فلا عفويّة هنا. ففي البداية أنت تكتب السيناريو، ثم يمر بعض الوقت، فكيف يمكن لك أن تتأكد من آنية اللحظة المكتوبة أثناء التصوير، إذن لا بد أن تنسى السيناريو حينها. لا بد أن يكون لديك إلهام أثناء العمل. لأنّك إن تنفّذ ما هو في السيناريو فقط: ٤ يأتون من هنا، ٥ من هناك… يكون ذلك تطبيقاً وحسب. لا أقوم أنا بذلك. بل أثناء التصوير، كي أشعر أنّي الآن أبدأ العمل، من جديد، كي يكون هنالك إحساس لدى المُشاهد بأن هذه الآنية موجودة، وإلا يشعر بأنّه شيء من “الزمن الماضي”، بالتالي، إن أردت منح هذا الشعور “بالزمن المضارع” للمُشاهد، لا بد من دخول المخاطرة مرة أخرى. ما أفعله هو أني بعدما أكون قد كتبت السيناريو، وفي قسم الإنتاج والأقسام الأخرى، وكل قسم يريد ما يريده، ما أحاوله أثناء التصوير هو كأن تقوم بالواجب المنزلي لكنّك لا تحضره معك إلى المدرسة. هذا ما أحاوله وإن كان مخيفاً أحياناً. لا بأس، حين يصل الخوف إلى درجات معيّنة أعود إلى السيناريو وأقول “آه صحيحة هذه الشخصية، فهمتُ الآن لم قمت بذلك”. لكني لا أعود إلى السيناريو كمُرشد أو دليل. هو ليس كتاباً مقدساً. فيحدث الإلهام، ولا بد أن يحدث، بالتالي تبقى مشحوناً بالخلق أثناء التصوير.

تشتغل فترة طويلة على السيناريو، لسنين، فمن المستحيل أن تنسى ما كتبته، لكنه يعطيك مساحة لتحلم من جديد. حتى في الماستر كلاس، أنصح المخرجين بعدم الالتزام بالنّص لأنّه يحدّدهم، فالنّص كُتب مسبقاً، وستعود لكتابته أثناء قراءته، لا بد من كتابته من الأوّل. قراءة السيناريو لا بد أن تكون إعادة كتابة له. أنا أعطي السيناريو للمساعد، وأقول له بأن يبقيه لديه، وهو دائماً معي، حين أشعر بأنني ضعت قليلاً، أعود وقتها إلى النّص.

بعض الأمور أثناء التصوير تعطيك إمكانيات لم تكن تحلم بها حتى، تنظر حولك وتقول “نعم هنالك ما هو مثير للاهتمام، أحدهم يأتي من هنا وليس هناك مثلاً، بسبب الخلفية أو الإيقاع أو غيره”. لا بد من شغل عفوي وابتكاري أثناء التصوير. إن كان لديك الوقت لذلك، عظيم، وإن لم يكن، لا بد أن تضغط نفسك قليلاً لتشتغل هكذا.

في الجزء الثاني من المقابلة والمنشورة غداً، يتحدّث إيليا سليمان أكثر عن كتابة السيناريو، عن العنوان «إن شئت كما في السماء»، عن “الجنة” المقصودة، عن عولمة الحالة الفلسطينية، عن التنبّؤات أثناء الكتابة لأفلامه، عن التفاؤل والتشاؤم وإسرائيل، عن تغييرات في المشهد الأخير للفيلم، عن الجيل الجديد وأساليب المقاومة، عن الصمت كأسلوب سردي سينمائي ومقاوِم، عن الاستهلاك في السينما، عن جاك تاتي وبستر كيتن، عن معنى “أنا فلسطيني” التي قالها في الفيلم، عن فكرة “الغريب التام” والهوية الفلسطينية التي قويت مع هذا الفيلم، عن التوقعات من عرضَي رام الله والناصرة…

يُعرض «إن شئت كما في السماء» ضمن مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” في رام الله (٢ أكتوبر) وفي الناصرة (٤ أكتوبر).

رمان 2019-10-01

«الحياة الحلوة»… الأدب يأتي أخيراً

من بين لائحة الأفلام التي بطلها روائيٌ، وأحبّها وأحبّ اقتراحها، هو هذا الفيلم الذي لم أدرجه هناك لتكون له مساحته الخاصة هنا، أحكي فيها عن تصوير هذا الفيلم لشخصيّة الروائي، عن نموذج لصورة الرّوائي في السينما، وإن لم تكن “روائيته” موضوعاً أساسياً، وذلك في أحد أفضل أفلام أحد أفضل المخرجين لديّ.

«لا دولتشي ڤيتا»

قد لا يلاحط أحدنا أن الشخصية الرئيسية في فيلم الإيطالي فيديريكو فلّيني روائيٌ، فهذا تفصيل يُذكر عرَضاً ثلاث مرّات، ضمن مَشاهد مزدحمة بالأحاديث، كأن يسأله أحدهم أين وصل في كتابه فيجيب بكلمتين لا تشيران إلى أي تقدم به، أو يقول كذلك سريعاً ورداً على سؤال آخر إنّه سيترك الصحافة وكذلك الأدب. فمارتشيلّو صحافي، وهذه المهنة أساسية هنا في حكاية الفيلم وفي شخصية بطله. الأدب لديه فعلٌ ثانوي إذ لا نراه حتى جالساً على كرسي يكتب إلا في مشهد واحد، في ترّاس مطعم تحت الشمس جالساً إلى طاولة أمام آلة كاتبة. لكن، وكما أن الأدب في الفيلم يأتي أخيراً بالنسبة لبطله المشغول بالنساء والسّهر، فالكتابة (في المطعم) أتت أخيراً إذ نراه يحاول الاتصال تليفونياً أو الانشغال بما حوله متفادياً الكتابة، أو متهرّباً منها.

يمضي مارتشيلّو كلّ وقته في الخارج، يدرك ذلك ويقوله لأحدهم. وهذا ما نشاهده، أما الكتابا فآخر أولوياته، إذ يمضي وقته مع المصوّر المرافق له، يرشده كيف يلتقط صوره لصحيفته التابلويد. وكما يلاحق نجمات سينما كصحافي، يلاحقهن كذلك كرجل نسونجي، يقيم علاقات سريعة هنا وهناك، ينتقل من حفلة إلى سهرة إلى أخرى إلى موقع تصوير فيلم… له كاريزما خاصة، وهو محبوب من النساء اللاتي يُحسن جذبهن والتنقّل بينهن.

ليس الأدب هنا ثيمةً أساسية، بل يمرّ خفيفاً دون أن يؤثّر كثيراً عدم انتباه أحدنا إليه على تلقينا للفيلم، وذلك لانغماس الروائي في “الحياة الحلوة” لاهياً بها عن مَنح بعض الوقت للأدب وإكمال روايته. يقول في مشهد: “أهدرُ الوقت، لم أعد قادراً على تدبير أي شيء.” وذلك إشارة، إضافة إلى الأدب، إلى عمله في الصحافة وإلى زوجته التي يسعى مراراً للإفلات منها كي يتسلى مع أخريات.

ليس هنالك حضور للأدب في الفيلم إلا كممارسة غائبة، أما سبب الغياب فهو الوقت غير الممنوح له، فالروائي هنا يستمتع بوقته من ناحية ويعمل لصحيفته من ناحية أخرى، وفي المرة الوحيدة التي حاول الجلوس إلى طاولة ليكتب، تلهّى. النتيجة أن الكتابة غابت عن الفيلم، أو عن يوميات البطل في فيلمه، والكتاب لم يكتمل.

تلك الفكرة الثانوية -جداً- في الفيلم، وقد أتت ضمن موضوعات رئيسية أشد عمقاً تتعلق بمعنى أن تكون الحياة حلوة، وعبثية ذلك، وبمعنى أن البؤس قد يطل من خلف الباب حيث يفرح المحتفلون، بأية لحظة. تلك الفكرة الثانوية المتعلقة بمدى تكريس الكاتب من وقته للكتابة، وبمدى انشغاله بعمله اليومي (هو هنا الصحافة)، وبمدى انحيازه إلى متعٍ يومية (هي هنا السّهر والنّساء)، هي فكرة أساسية في الفيلم، وحضورها يسبّب عدم قدرة الروائي على الكتابة، فالحكاية/الرواية التي تُكتب لا بد من استمرارية لها في ذهن مؤلفها، وهذا أساسه الوقت الممنوح لها.

لدى مارتشيلّو جانبان في شخصيته، أحدهما مسيطر على الآخر، وهذا ما يجعلنا لا نراه إلا محتفٍ بـ “الحياة الحلوة”، على حساب رغبة نشعر بها لديه أحياناً، هي في أن يتطوّر كروائي أولاً وصحافي ثانياً، أن يكرّس نفسه لذلك ويمنحه وقته. أخيراً، نراه ينغمس أكثر في ما هو فيه، تجرّه رغبة أخرى هي الشهرة والنجمات والسّهر.

الفتاة النادلة التي التقاها في المطعم، والتي بدت كتجسيد لروايته التي كان يحاول أثناءها كتابتها. تعود في المشهد الأخير للظهور، على الشاطئ، محاوِلةً قول شيء لمارتشيلّو الذي يعجز عن فهمها وسماعها، إذ لا يسمع الكلمات/الكلام، ثم يتركها وقد عجز عن جعل كلماته هو مسموعة لها (كما عجز عن كتابتها)، ليلحق برفاق الحفلات وهم ينادونه مبتعدين.

الفيلم من بين الأكثر تأثيراً في تاريخ السينما، له مَشاهد صارت أيقونات (مارتشيلّو ماستروياني وأنيتا إكبيرغ في نافورة تريفي في روما). وهو الفيلم الذي نقل فلّيني إلى العالمية، ونال السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام ١٩٦٠.

رمان 2019-09-12

الرّوائي في السينما… ٥ أفلام أحبّها

أفتتحُ بهذه المقالة ملفّاً سيكون عزيزاً، لتزامنه مع دخول المجلّة عامها الرّابع، ولموضوعه وهو العلاقة بين السينما والأدب، وللمشاركات التي ستتوالى بعد هذه، ولكل منها مقاربة متمايزة لتلك العلاقة، تتناول الأدب في السينما، والسينما في الأدب، وموضوعات تجمعهما.

وكي نعطي للملف أبعاداً  أكثر من مجرّد نصوص تُقرأ، اخترتُ أن تكون افتتاحية الملف اقتراحات لأفلام تناولت الأدب، فيستطيع القارئ لمقالات هذا الملف أن يكون كذلك مشاهداً لأفلام أقترحُها، وقارئاً لروايات تقترحها مقالات أخرى نبدأ بنشرها اليوم.

حاولت أن أحدّد اختياراتي قدر الإمكان كي لا أملأ الصفحة بالأفلام، فاخترت لقائمتي هذه أفلاماً لمخرجين أحبّ أعمالهم، يكون بطلُها روائياً. لم أحاول التنويع في بلد الإنتاج وسنته، ولم أتقصد البحث عن أفلام ليست غربية أو تكون لمخرجات نساء (سعياً لإحداث توازن ما) فالمعيار الوحيد في اختيارها هو إعجابي بها (قبل غيرها) كأفلام أحبّ اقتراحها للمُشاهدة، أما التفاوت في شخصيات الروائي في الأفلام الخمسة فهي صدفة حسنة.

كما كان لا بد من تنحية أفلام أحبّها (وأحبّ اقتراحها) لأنّ بطلها كاتب سيناريو وليس روائياً كـ Contempt (١٩٦٣) لجان لوك غودار، و .Sunset Blvd (١٩٥٠) لبيلي ويلدر و Broken Embraces (٢٠٠٩) لبيدرو ألمودوڤار. كما أستثني من هذه اللائحة فيلم La Dolce Vita (١٩٦٠) الذي أكرّس له مقالة خاصة ضمن الملف.

خرجتُ أخيراً بهذه الأفلام الخمسة، أقدّمها بترتيب زمني (وبعدد كلمات متساوٍ لكل فيلم).

La Notte

(الليلة) ١٩٦١

للإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني، والفيلم يتوسّط ثلاثية إذ يسبقه L’Avventura ويلحقه L’Eclisse. من بطولة جين مورو ومارتشيلّو ماستروياني ومونيكا ڤيتّي. علاقة بين البطل (الرّوائي) وزوجته بدت مستقرة، تتأزّم. ينقل الفيلم حالات وأفكار عن الحب والخيانة والعلاقة بين الرجل والمرأة، وذلك في اليوم الذي يحتفل فيه البطل بإصدار روايته الجديدة. بخلاف الأفلام التالية، الروائي هنا في علاقة مع امرأة يحبها، لدينا رومانسية وثنائية هنا. نال الفيلم جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام ١٩٦١.

L’Homme qui aimait les femmes

(الرجل الذي أحب النساء) ١٩٧٧

للفرنسي فرانسوا تروفو. من بطولة شارل دينر. بخلاف الفيلم أعلاه، لا علاقة حب هنا، بل محاولات البطل (الروائي) الأعزب مغازلة النساء والتقرّب منهن ومراقبتهن. الكتابة هنا موضوع أساسي، وتحديداً لتبرير اختلاس النّظرات تجاه سيقان النّساء. نراه على الآلة الكاتبة، على طول الفيلم، كاتباً عن علاقاته معهن، من خلال سردها كما من خلال عشيها، إذ نشاهد ما يكتبه، أي ذكرياته، في مَشاهد تتوالى فيها سيقان النّساء مع كتب مصفوفة على أرفف، حتى نهايته العبثية.

The Shining

(الإشعاع) ١٩٨٠

للأمريكي ستانلي كوبريك. من بطولة جاك نيكلسون. الفيلم السابق كان كوميدياً، أمّا هذا فرعب سيكولوجي، يركّز على الحالة النّفسيّة للبطل (الروائي) السكّير، التي تتطوّر لتصير جنوناً وهلوسة نشاهدها كأنّها واقع، وذلك أثناء عملية الكتابة التي تبدو مسدودة وعبثية وإن أتى البطل للفندق الفارغ كي يتفرّغ لروايته. في الفيلم عزلة في فندق كبير بغرف عديدة وخالية وممرات مريبة، ليل وثلوج ودهليز وفأس ودماء، وزوجة وطفل ضحيّتا محاولةِ الرّجل إنجاز روايته وبالتالي جنونِه، وموسيقى موتّرة.

Love Streams

(تيارات الحب) ١٩٨٤

للأمريكي جون كازافيتس. من بطولته وزوجته جينا رولاندز. العلاقة هنا هي بين البطل (الروائي) وشقيقته. هو كما في الفيلم أعلاه سكّير، وكما في الفيلم الذي قبله، نسونجي، لكنّه حنون على شقيقته المأزومة نفسياً. يجول بين النوادي الليلية، يمضي وقته مع النّساء المثيرات، بشكل أكثر جرأة وأقل تلصصاً مما ذُكر أعلاه. الجانب التلذّذي بالحياة لدى البطل يأتي مجاوراً لحنوّه وعطفه متى تعلّق الأمر بشقيقته. نال جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام ١٩٨٤.

Deconstructing Harry

(تفكيك هاري) ١٩٩٧

للأمريكي وودي ألن. من بطولته وجودي داڤيز. الكوميديا صرفة هنا، وشخصيّة البطل (الروائي) الموتورة مختلفة عن كل ما سبق، هو أقرب ليكون فاشلاً في كافة جوانب حياته بما في ذلك الكتابة إذ يعاني من انسداد الإلهام (رايترز بلوك)، يسعى لاعتراف من حوله به كروائي، لكن مشاكله تمتد من الانسداد إلى علاقاته مع النّساء (العشيقة والعاهرة والزوجة السابقة) ومع عائلته التي تلومه على كشف أسرارها ضمن شخصياته الروائية التي ستتجسّد أخيراً، تواسيه وتصفق له.

رمان 2019-08-21

«استراتيجية المقاطعة» عن “المركز العربي”… هذه ساحتُنا

نعرف أنّ أساليب المقاومة للاحتلال، كفلسطينيين، تتباين زمانياً ومكانياً، تبعاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تحكم الفرد والجماعة منّا، وهذا ما جعل المقاومة، كفعل جماعي للفلسطينيين، تتراوح بين البقاء في (والإبقاء على) البيت، مروراً بقصيدة، في زمن سابق داخل الأرض المحتلة، إلى الكلاشْنِكوڤ في زمن لاحق، وقد خرج، وخرجت به الثّورة، من المخيّمات.

أسلوب مقاومة واحد يمكن القول إنّه جمع الفلسطينيين، وقد نضج اليوم، واتّضحت معالمه وبان تأثيره ومدى إزعاجه، عميقاً، لدولة الاحتلال وأصدقائها. هو، تحديداً، المقاطعة. مقاطعة الاحتلال بالمدى الواسع الذي يمكن لهذه الكلمة -لهذا الفعل- أن تشمله، لا كتنظيم ولا مؤسسة، بل كفعلٍ هو جماعي تماماً كما هو فردي.

بدراسات امتدّت موضوعاتُها تاريخياً وتفاوتت جغرافياً وتنوّعت اختصاصياً، إنتخبَ “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” من أوراق البحث لمؤتمر «استراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح»، وأصدرها في كتاب بالعنوان ذاته (ديسمبر ٢٠١٨/ ٤٤٨ صفحة) بمقدّمة شاملة لمدير المركز، عزمي بشارة. إذ يوفّر الكتاب أرضيّة ثابتة لإدراك أهميّة وضرورة فعلٍ كالمقاطعة، اليوم تحديداً، كامتداد راهن وجامع لعموم التراث المقاوم للفلسطينيين.

في مقدّمته، يفصّل بشارة في التنويع داخل فعل المقاطعة ذاته، المتعلّق -كما كان فعل المقاومة دائماً- بمكان تواجد الفلسطيني، فتختلف المقاطعة بأشكالها، باختلاف المجتمع الذي ينتمي إليه الفلسطيني، ويمتد ذلك إلى أصدقائه في العالم، وأشقائه العرب، منظّمات وأفراد وحتى دوَل. ليحتمل هذا الفعل -المقاطعة بشكل عام- تنويعات تودي كلّها إلى عزل دولة الاحتلال، من صغيرها كالامتناع عن شراء برتقالة، إلى كبيرها كمواقف بلديّات ونقابات وجامعات.

ما قد يحتاجه أحدنا، لإدراك مدى التأثير الذي يمكن للمقاطعة أن تُحدثه -إضافة إلى رد الفعل الإسرائيلي النّاظر إلى المقاطعة كخطر استراتيجي- هو بحوث بهذه الرّصانة والاتّساع، تبدأ من “مقاطعة الفلسطينيين للصهاينة والاحتلال الإنكليزي” ما قبل النّكبة، في الفصل الأوّل، إلى فصول تناولت مناهضة التطبيع الرسمي والشعبي، والاستراتيجية الفلسطينية البديلة، وفرص بناء اقتصاد وطني فلسطيني، ودراسة مثال جنوب إفريقيا، وحركات المقاطعة عاليماً، مع دراسات اختّصت بمواقع بعينها كالأردن والبحرين والولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا وتشيلي وماليزيا.

هذا الفعل السلمي والشعبي والممتد إلى حيث تواجد منتَج/سلعة إسرائيلي/ة، داخل الوطن وخارجه، وحّدَ لا فقط الفلسطينيين في كافة أماكن تجمّعهم/تشتّتهم، كشعب يمكن أن يمارس نوعاً موحّداً (بفتح الحاء وكسرها) من المقاومة بتنويعات خفيفة يحدّدها موقعهم، بل عَولمَ (الفعلُ) المقاومةَ السلمية عينها متخطّيةً الفلسطينيين، متخطيةً فلسطين، كموقع، لتكون المقاطعة فعلاً إنسانياً يتكيّف مع كل حالة على حدة، بتأثيرات متفاوتة على دولة الاحتلال، لكنّها (التأثيرات) تكامليّة، لها طابع كرة الثلج المتراكم عليها صغيرُ المقاطعة وكبيرها، من كلّ صوب.

لعلّ أبرز خصائص هذا الفعل، وهو ما تعجز إسرائيل عن ردعه، لطبيعته، هو ما وُرد في مقدّمة بشارة إذ “تتطوّر المقاطعة الحالية بوصفها حركة شعبية غير مركزية وغير رسمية في عدد من دول العالم، قوامها قوى المجتمع المدني والحركات الاجتماعية.”

هذه الخصيصة الأساسية، البنيوية في هذا الفعل، إذ هو “فرض عين” لا يقتصر على “فدائيين”، وسلميّتُه، وتكيّفُه، وعالميّتُه، وأخيراً تراكمُه، تجعل المقاطعةَ بكافة أشكالها، ساحتنا للقتال اليوم، ساحة تجعلنا، بخصائصها، ندّاً للاحتلال.

مقدمة عزمي بشارة منشورة في “العربي الجديد” على ثلاث مقالات:

١- في تطبيع غير الطبيعيّ (1-3)

٢- في تطبيع غير الطبيعي (2-3)

٣- في تطبيع غير الطبيعي (3-3)

رمان 2019-06-21

رسالة “كان” الأخيرة… على هامش المهرجان، وفي متنه

  • ستكون هذه الرسالة، الأخيرة، على شكل نقاط، فتعلّقها معاً بالدورة ٧٢ من مهرجان كان السينمائي لا يبرّر تجاورها لتكون مقالة منسجمة.
  • الحقيقة أنّ هذه الرسالة كتبتها من باريس، فقد انتهى المهرجان وعاد كلٌ إلى بيته.
  • الرسائل السابقة تعلّقت بالحضور الفلسطيني في المهرجان، والمتمثل في الوفد الفلسطيني وأنشطة “مؤسسة السينما الفلسطينية”، وفي فيلم «أمبيانس» الذي نال الجائزة الثالثة في تظاهرة «سينيفونداسيون»، والحدث الأهم فلسطينياً سينمائياً (سيكون دائماً الفيلم الجديد لإيليا سليمان) وهو “ظهور” فيلم «إن شئت كما في السماء» ونيله تنويهاً خاصاً (هي جائزة) وكذلك جائزة الاتحاد الدولي للنقاد “فيبريسي”. ونشرنا أكثر من مادة عن كل من الموضوعين الأول والثاني، ومازال ملفّ “إيليا سليمان” قائماً حتى الأسبوع القادم.
  • للمحكّمين دائماً منطقهم وأذواقهم، وهذا ما جعل أفلاماً عظيمة في تاريخ المهرجان (وغيره) لا تنال السعفة الذهبية ولا غيرها، وهذا ما أخرج أسماء كبيرة من هذه الدورة دون سعفات تتظلّل بها، كالإسباني بيدرو ألمودوفار. وطبيعة فيلم سليمان، شكلاً ومضموناً، مقولةً فنّية وسياسية، تجعله أكثر تعقيداً من أن ينال سعفة يريد -غالباً- محكّموها لها خيارات آمنة، وهذا كذلك ما جعله ينال جائزة النّقاد دون غيرها.
  • نعود إلى ألمودوفار، هو أحد أفضل المخرجين المعاصرين بالنسبة لي، وبخلاف الكثير من المخرجين الكبار، حافظ على نوعيّة أفلامه الأخيرة وفنّيتها بالمقارنة مع أفلامه الأولى التي صنعت اسمه، وفيلمه المشارك في المهرجان «ألم ومجد» لم ينل سوى سعفة أفضل ممثل لأنطونيو بانديراس، وهو يستحقها بجدارة، لكن ألمودوفار لم ينل شيئاً كمخرج، في حين ذهبت السعفات الأساسية إلى شبه مجهولين (مع إدراكنا أنّها تذهب للأفلام لا لمخرجيها)، وفيلم ألمودوفار كان مستحقاً، تماماً، لإحدى تلك السعفات، تماماً كفيلم إيليا سليمان، وعدم نيل ألمودوفار، المؤلف السينمائي العظيم، أياً منها، هي مهزلة “كانيّة” امتدّت من عام ٢٠١٦ حين لم ينل شيئاً كذلك عن فيلمه العظيم الآخر «خولييتا».
  • كلجان التحكيم، هذه النقاط آراء شخصية لا أفرضها على أحد، الفرق أنّ لجان التحكيم تفرض آراء أعضائها الشخصية وأذواقهم، بسلطة الجوائز، على آخرين.
  • أسماء كبيرة خرجت كذلك من هذه الدورة دون سعفات: جيم جارموش، كين لوتش، تيرانس مالك، كوانتين ترانتينو، (عدا عن ألمودوفار وسليمان) وأسماء جديدة استحوذت على السعفات الرئيسية: السعفة الذهبية، الجائزة الكبرى، أفضل سيناريو، جائزة لجنة التحكيم (قد أستثني الأخوين داردين الذين نالا سعفة “أفضل إخراج”)، وهذا لا أستطيع تلقّيه كصدفة بل كسياسة مقصودة من لجنة التحكيم. لا أقول بضرورة نيل أسماء كبيرة جوائز لأنّها كبيرة (كبيرة بمعنى التجربة السينمائية)، لكنّي أستصعب قبول استبعاد أسماء كبيرة لأنها كبيرة، أو أن عدم نيلها -الأسماء الستّة جملةً واحدة- أياً من السعفات كان صدفة ربّانية.
  • كلامي كلّه هذا يأتي بالتوافق مع فكرة أنّ الجوائز تكون للأفلام، لا لفيلموغرافيا صانعيها.
  • كنت شاهدتُ الجزء الأول من فيلم عبد اللطيف كشيش العام الماضي «مكتوب…»، كان مملاً وتافهاً مذكّراً بتلك المَشاهد التمهيدية في أفلام البورنو (السّمكري الذي يصل إلى بيت وتدعوه امرأة للدخول، فزوجها في الخارج، الصياغة لسلافوي جيجيك). في هذه الدورة شارك كشيش بالجزء الثاني من فيلمه ونال صفعة (لا سعفة) نقديّة على رداءته، علّها تكون درساً في عدم الاستثمار في الجنس كمحرّك أوّلي يُبنى عليه الفيلم، فمشاهدي السينما ليسوا بالضرورة مشاهدي بورنو!
  • استثمار فاشل آخر كان للكندي إكزافييه دولان، صاحب أفلام جيّدة، لكنّه لا ينفكّ يستثمر في ثيمة المثلية، كمادة مربحة بيّيعة سهلٌ استهلاكها وصعب انتقادها (لنلاحظ الهموم الأوّلية لبعض المواقع الصحافية العربية)، إذ يستثمرها أحدهم في عمل فنّي ينجح مرّة فيعيد الاستهلاك والانتهاز، متعاملاً مع المشاهدين بمنطق بافلوفيّ! (هذا حال تعامل الكثير من الأدب والسينما مع القضايا العادلة، كالفلسطينية).
  • أحب ألمودوفار، أحب كين لوتش، أحب بعض أفلام ترانتينو لكني لا أحبه (هنالك كلام عن سوء معاملته للنساء في أفلامه، ولكشيش صيت بشع في ذلك أيضاً)، لكن خلال المهرجان كانو كلّهم أعداء ألدّاء لي مقابل فيلم النّاصري إيليا سليمان.
  • كي لا أطيل أكثر، السينما الجيّدة لا تتعلّق بالجوائز، وغالباً لا تنالها، وتحتاج وقتاً لتتخمّر، كالنّبيذ، وتنال التّلقّي الذي تستأهله. هذا تماماً ما أراه، من الآن، في فيلم عظيم عالمياً هو «إن شئت كما في السماء»، وهو ما يجعلنا، كشعب لا يصل بتعداده، في كافة أماكن شتاته داخل الوطن وخارجه، سكّان مدينة واحدة من تلك التي أتى منها “الأعداء” إلى المهرجان، هذا ما يجعلنا أصحاب مشروع سينمائي نوعي. السلام عليكَ يا إيليا.
  • بصحّتكم.

رمان 2019-05-31

رسائل “كان”: «إن شئت كما في السماء»

نوعيّة الحدث يجعله جديراً أم لا، بالانتظار لعشر سنين، وفيلم إيليا سليمان الأخير هو أولاً حدث، سينمائي أولاً وفلسطيني ثانياً، وهو ثانياً جدير بهذا الانتظار.

لم يكن عليّ مشاهدة الفيلم في مهرجان “كان” قبل يومين لأتأكد من ذلك، فكثير من المؤشرات العامة والخاصة برّرت لي توقّعاتي بفيلم عظيم ينتظرنا، لكن لا تجدر الكتابة عنه دون المشاهدَة، وكان ذلك وتأكّدَ كلّ شيء: الفيلم ناقد جداً، ساخر جداً، فلسطيني جداً، عالمي جداً، والأهم: سليماني جداً، واستحقّ تصفيقاً قارب ثلث ساعة، وأكثر من الجائزتين اللتين نالهما (جائزة النقّاد: FIPRESCI والذِّكر الخاص: Special Mention).

ليست أسطري هذه مراجعة عن الفيلم بل إشارات سريعة له، إذ يحتاح حديثاً طويلاً سأعود إليه، قد يكون أكثرها إلحاحاً هو عنوان الفيلم، وهو أساساً بالإنكليزية، وهذه واحدة من استسهالات الصحافة العربية حسنة النّية، إذ يعتمد أحدهم ترجمة فورية بغض النظر عن جودتها (أو لباقتها بالعربيّة)، لتتناقل إلى ما لا نهاية. العنوان العربي الصحيح والذي بحث عنه إيليا وأراده لفيلمه هو «إن شئت كما في السماء» وهو ليس ترجمة للعنوان الإنكليزي ولا ضرورة لأن يكون كذلك أساساً، وقد أتى من الصلاة: “أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك، ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض.” ليصير عنوان «إن شئتَ (أبانا/أنت) كما في السماء» وهو بمضمون يقارب بمعنَيَيه العنوان الإنكليزي It Must Be Heaven، متحدّثاً، إيليا، عن المدن (الناصرة، باريس، نيويورك) ساخراً منها كأنّها، بالنسبة له، السماء، مانحاً إياها المعنيَين لكلمة Must (الافتراضي والإلزامي).

لن أحكي كثيراً في رسالتي هذه -الأخيرة من كان- التي أختتم بها ملفّ “كان ٢٠١٩” والتي غطّيتُ بها، بكتابات “لا صحافية”، الحضور الفلسطيني في المهرجان، والتي أفتتح بها ملفاً (مفاجأة!) يمتد على طول الأسبوع القادم واسمه «إيليا سليمان». أمّا الكثير مما أود قوله عن الفيلم فسأتركه لمراجعة أطول تتناوله بشكل أكثر تفصيلاً.

رسائلي القصيرة هذه لن تسمح لي بالقول أكثر من أنّ الفيلم تحفة، أو “تحفة من السماء”، فيلم عالٍ، لذلك نال -تحديداً- جائزة النقّاد، فيلم ذكي، لنقُل “إنتلكتشوال”، فيلم “آرت هاوس” بامتياز، فيلم صامت نتفجّرُ فيه بالضّحك، ينطق فيه إيليا الذي لم ينطق في أفلامه مطلقاً، كلمتين تلخّصان عموم منجزه السينمائي وتحديداً، هذا الفيلم: “أنا من الناصرة، أنا فلسطيني”.

حمل الفيلمُ فلسطينَ إلى العالم لا بنقل قصصها إليهم (وقد فعل بحرفيّة بأفلامه السابقة) بل بنقلها، هذه المرة، كفكرة، إليهم، بعكسها فيهم، بإظهار كم أنّ العالم قد تفلسطَن -كما قال مرّة- بأنّه كلّه صار فلسطين كبيرة، وهذه مرحلة متقدّمة لنقلِ قضيتنا (بفنّية عالة) إلى محلّيات بلدان العالم، بعدما أنجز إيليا تقديم محليّات قضيّتنا إلى العالم.

قبل أن تتداعى الأفكار حول الفيلم/التحفة، سأُنهي هنا وأترك معظم قولي لمراجعة أطول…

تابعوا ملفّنا عن سليمان العظيم!

رمان 2019-05-26

رسائل “كان”: «أمبيانس»

قبل أعوام قليلة قلنا إنّ من المفرح أن يكون في فلسطين كليّة لتدريس صناعة الأفلام هي “دار الكلمة”، قبل أيام قليلة فرحنا لترشّح فيلم «أمبيانس» لأحد طلاب الكلية، وسام الجعفري، لمسابقة “سينيفونداسيون” للأفلام القصيرة التي تقدّمها مدارس السينما. أمس فرحنا لنيل الفيلم الجائزة الثالثة في المسابقة.

هذا هو التطوّر الطبيعي لتأسّس بنية سينمائية في أي بلد، إذ تنحو السينما لتكون صناعة جمعيّة إضافة لكونها أعمالاً فردية، وفي فلسطين، حيث ظروف الإنتاج السينمائي تفوق معظم ما في دول العالم، صعوبةً، لأسباب كلّنا يعرفها، وهذه ثيمة أساسية في «أمبيانس» بالمناسبة. طالب من مخيم الدهيشة درس في كليّة فلسطينية ونال جائزة في مهرجان كان السينمائي، لا يمكن إلا التوقّف عنده، عند المبدعين الشباب المستحقين لكل رعاية تساندهم في الانطلاق بمشاريعهم السينمائية، وعند الطموح الكبير لكلية محليّة وصلت بطلّابها إلى المهرجان العالمي.

ليس التقدير الذي يناله الجعفري وفيلمه والكلية التي درس فيها مبرّره الأوّلي هو الخروج من تلك الظروف المعيقة وأوّلها الاحتلال الإسرائيلي، بل جودة الفيلم فكرةً وتنفيذاً. يحكي الفيلم عن شاب من المخيم لا يجد مكاناً لتسجيل عزفه على الكمنجة، منذ استيقاظه حتى آخر الليل، الضجّة التي يسببها الجيران هو روتين يومي متكرّر، متكرّر في مكانه (بيته) كما في مكان رفيقه (بيت الأخير)، يستمر في البحث إلى أن يهتدي إلى ضالته التي كانت موسيقى الحيّ والمخيّم والناس، الأعراس والمظاهرات. لتكون، أخيراً، حياة الناس هي موسيقاه.

الفكرة الذكيّة للجعفري أتت بتنفيذ جمالي يلائمها، ولأنّ الفكرة والصّوت (كعنصر تقني كما هو عنصر مضموني) هو الأساس في الفيلم، أتى الفيلم -بذكاء كذلك- بالأبيض والأسود، فلا تشوّش الألوانُ على ما دونها.

للسينما الفلسطينية مكانة متقدّمة عربياً، لكنّها عموماً سينما أفراد، درس معظمهم في الخارج ويعيشون ويعملون في الخارج. كل سينمائي بحاجة إلى مؤسسات تقدّم الدّعم متى احتاج، وتحديداً في مراحله الأولى، وكل محبّ للسينما بحاجة إلى دراسة السينما دون الاضطرار إلى السفر للخارج، وهذا ما بدأنا نشهد نتائجه، من الدّهيشة وبيت لحم إلى كان والعالم.

رمان 2019-05-24

رسائل “كان”: نهيمُ على وجوهنا

لسنا مكاناً، لسنا حدوداً، لسنا دولةً، لكنّنا حاضرون، ومعنا تحضر ثقافتنا وفكرتنا عن الوطن والانتماء إليه، لم يعتد الفلسطينيون مكاناً خاصاً بهم، مكاناً يدخلون إليه. نحن خارجون دائماً، لا نجدُنا سوى خارجين عن أمكنتنا، مبعثرين في أمكنة الآخرين.

جُملة درويش صارت شعاراً ينكر به الفلسطينيون الحالة القائمة في أنّ “وطني حقيبة” بنفيها، لفظياً، شعرياً، مجازياً، لأنّ الوطن، فلسطينياً، حقيبة. كان كذلك وما يزال. هو الراهن المستنسِخ لذاته، للفلسطيني منذ الخروج الكبير عام النكبة، منذ الترحال الأوّل.

متى وجدنا مكاناً يجمعنا، يتلاشى كالغبار. نُبقي حقائبَنا على ظهورنا، نهيم على وجوهنا. كذلك كان الفلسطينيون في مهرجان كان لهذا العام، لا مكان يجمعهم، لا جناح يأويهم كالخيمة، أشبه بحالهم التي تعوّدوها، حقائبهم على ظهورهم، متنقّلين بين أمكنة الآخرين، أصدقاء لهم وغرباء عنهم.

تعوّدُ هذه الحال ليس حسناً، ليس اختياراً، التكيّف مع الترحال ليس امتيازاً، لكنّ فلسطين هي الفلسطينيون (وفنّهم)، هي أين تواجدوا، هي الفكرة التي يشكّلها هؤلاء بحضورهم أين كانوا، هي كلّ هؤلاء معاً، بفنونهم، هذا ما شعرتُه في المهرجان الكئيب من ناحيته الأخرى، كأنّ عرساً عالمياً يمتدّ لأيّام، ينتشر الفلسطينيون فيه، حقائبهم على ظهورهم، يحكون بمشاريعهم وأفلامهم عن الفكرة التي اسمها فلسطين، يروون حكاياتنا لا كما يريدها الاحتلال، لا كما تريدها جندرمةُ الاحتلال (السّطلة، ما غيرها)، بل كما يريدها كل هؤلاء، هي وطن الفلسطينيين. فلا أعرّف فلسطين بغير ذلك: وطن الفلسطينيين.

فنّنا وأدبنا وتطريزنا وعموم ثقافتنا، هو أنقى ما يمكن أن ينقل للعالم حكاية أهل تلك البلاد التي لا تكسب “قداستَها” إلا من أهلها، المشتّتين والباقين، والتي لا تكسب “قداستُها” أي معنى إلا بفنوننا، وهذه الفنون نحملها متنقّلين بها من مكان آخر، إلى مكان آخر.

لا أقول “لا نريد مكاناً…” بل نريد، نريد مكاناً نرمي فيه حقائبنا ونتجوّل، أخفّاء، في أمكنة الآخرين نحكي حكاياتنا، لكننا، وقد تعوّدنا الخروج دائماً، وتعوّدنا أن يكون بقاؤنا، متى كان، مؤقّتاً، كنّا “جِمال المحامل” وأحضرنا فكرتنا عن الوطن الذي غاب تمثيله (أو غُيّب) بجناح كالخيمة تأتيه الناس، لا تخرج ناسُه.

لكلّ ذلك، غابت فلسطين مادياً (بمساحة تُقاس بأمتار يعلوها علم) وحضرت معنوياً (بفنون أوسع من المساحات)، وكانت بذلك أشبه لذاتها، وكان أهلُها، بحقائبهم، بفنونهم المحمولة فيها، أصدق تمثيلاً لها من تلك المكاتب الملمّعة، بأمخاخ مغبرّة على كراسيها، ومن نيّة موظّفي الجندرمة وهمّتهم.

رمان 2019-05-22

رسائل “كان”: الفلسطينيون رُحّل المهرجان

في كل مناسبة، مهرجان، حدث، حيث أعلام تمثّل بلداناً، ترتفع أعلى منصّات تحكي شيئاً ما عن تلك البلاد، عن ثقافتها، عن نتاجها الفنّي، أمرّ باحثاً عن علم فلسطيني، مفترضاً، دائماً، حضوره، وهو ما كان العام الماضي في مهرجان كان السينمائي (ووجدتُه)، وإن لم يحضر العلم أواصلُ البحث متأمّلاً، لا مفترِضاً، غياب العلم الإسرائيلي. وحضور العلم أو غيابه لا يتعلّق بقطعة قماش ملوّنة بقدر ما يتعلّق بما تقدّمه تلك المنصّة، ذلك الجناح، أسفل العلم.

في مدينة كان المتوسّطيّة، في مهرجانها السينمائي، مررتُ صباح أمس بالمكان الذي شغله جناحُ فلسطين السنة الماضية، كان خالياً، ليس كقرية مهجّرة في البلاد، فهذا توصيف ينحصر بالنّكد الفلسطيني، كان خالياً وحسب، كملعبٍ -لنقُل- إثر انتهاء اللعبة. وكانت السماء أعلاه خالية كذلك من علمنا (بألوانه غير المتناسقة). ليس بعيداً عنه كان الجناح الإسرائيلي، الواسع، بالكراسي والطاولات المبعثرة في باحته كالمستوطنات، بحضور يستمع إلى متحدّث يقول، ولم أسمع سوى تلك الكلمات أثناء مروري: في أفلام الأنيمايشن، لدينا حرية أكبر في الخيال.

للإسرائيليين دائماً منصّاتهم التي يحكون فيها “بحرية أكبر في الخيال” عن نتاجهم الفني، عن ادّعاءاتهم الثقافية والسياسية والأخلاقية، منصّات تعلوها أعلامهم لتُظهر هذا الحضور، حضورٌ يعني -من بين ما يعنيه- غياب الآخر، وهذا هو نحن، حضور الإسرائيلي هو حتماً غياب للفلسطيني مهما كان السياق لذلك الحضور.

لسنا غائبين في مهرجان كان هذا العام لأنّ علماً فلسطينياً لم يكن ظاهراً من بين أعلام البلاد الأخرى (سلامٌ إلزامي هنا إلى الفريق الآيسلندي في اليوروڤيجين)، بل -وتحديداً- لأنّ علماً إسرائيلياً كان، بموازاة ذلك، حاضراً، وبصوت مسموع يتحدّث عن الحرية الأكبر في الخيال (يمكن للخيال أن يكون شريراً كذلك). ليس للفلسطينيين في “كان” مكانٌ يتجمّعون فيه، هم رحّل، مشتّتون، يتنقّلون بين أجنحة الدول الصديقة، وبالحديث عن هؤلاء، ملصق كبير -لا، فعلاً كبير- لفيلم إيليا سليمان «إن شئت كما في السّماء» نراه في الجناح التّركي. الفلسطينيون هذا العام رحّل، بين أجنحة البلاد، لأنّ وزارة الثقافة في السلطة الفلسطينية لم تؤمّن التمويل اللازم (أمّنت فقط التبريرات لذلك).

في نهاية المهرجان -على كلّ حال- في ٢٤ أيار، ما قبل حفل الختام بيوم، ستحضر فلسطين بحالتها الأكثر ترقّباً والأجمل تمثيلاً. سننتظر، من الآن، عرض “إن شئت كما في السّماء” لنتوقّف عن الترحال لساعة ونصف على الأقل. سنحكي حكايتَنا ونخرج من الصالة عائدين إلى شتاتنا…

رمان 2019-05-20

النكبة مستمرّة… بالثورات المضادة

لم نكن، كفلسطينيين، أقل رغبة في إسقاط الأنظمة من الشعوب التي حكمتها تلك الأنظمة، في سوريا ومصر تحديداً، ولسنا، الآن، معنيين أقل من السوريين والمصريين في نيل مطالبهم الأولى، لسبب فلسطيني بحت، يتعلّق بالنّكبة واستمراريتها، هو لحظة الأمل التي تألّقت في دواخلنا مع الاندلاعات الأولى في الشوارع السورية والمصرية، وهي من بين الأكثر تأثيراً على تاريخنا وحياتنا ومآلنا كفلسطينيين، لحظة الأمل بأنّ كل ما كانت عليه قضيّتنا، منذ اللحظات الأولى للنكبة، منذ سُميِّيت كذلك، وقد استمرّت بأشكالها إلى اليوم، بأنّ كلّ ذلك سيتغيّر في لحظة تاريخية يعيشها الفلسطينيون كما السوريين والمصريين. إسقاط النظامين العربيين كان يعني، لنا، تحريراً فلسطينياً منتظَراً ومنظوراً، تماماً كما قالها الراحل سلامة كيلة: “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النّظام.”

لذلك، وقد نهضت الشّعوب وأُخمدت، نهضت مجدّداً ومجدداً لتتنظّم مقابلها ثورةٌ مضادة في كلا البلدين، في سوريا كانت استدراكاً لحال النّظام الأمني القائم وفي مصر كانت انقلاباً عسكرياً. فلسطينياً، عنى ذلك انطفاءً لذلك التألّق، واستعادة دولة الاحتلال اطمئنانَها، وتلاشي فكرة التّحرير لدينا، كفعلٍ قابل للتحقّق يتعلّق، دائماً، بثورات الشعوب المحيطة على أنظمتها الحامية، شكلاً ومضموناً، جملةً وتفصيلاً، سراً وعلانية، لإسرائيل.

نكبتنا، في ذكراها الواحدة والسبعين اليوم، مستمرة لأنّ ثورات أهلنا الأقرب لم تُسقِط الأنظمة. وأكثر: نكبتنا مستمرّة لأنّ الشعوب ذاتها تحكمها اليوم أنظمةٌ أشدّ بؤساً وبأساً، أشدّ تعلّقاً بإسرائيل، أشد عداءً تجاه السوريين هنا والمصريين هناك، والفلسطينيين هنا وهناك. أنظمة ثورة مضادة اتّخذت من الفلسطينيين عدوّاً ثانياً تأمّل مرّة بإسقاطٍ أراده السوريون والمصريون ولم ينالوه، ويواصلون تأمّلهم طالما لم تغب بلادهم عن أذهانهم وأحاديثهم، طالما رغبوا دائماً بتحريرها والعودة إليها، طالما ربطوا ذلك بسوريا ومصر قويّتين وديمقراطيتين ووطنيتين.

نكبتنا مستمرّة لأنّ ثورات مضادة أخمدت الشعوب، ولو نسبياً ومؤقتاً. نكبتنا مستمرّة لأنّ العسكر انتصر، لأن السوريين والمصريين الراغبين بدولة يحكمها العدل لا الطغيان، صار من بقي حياً منهم، في المنافي أو السّجون، أو في بيوتهم محافظين على الحد الأدنى لتلافي تلك المصائر.

نكبتنا مستمرّة لأنّ نفيها لا يكون بغير التحرير والعودة، وتحقيق هذه وتلك لا يكون بغير أنظمة حكمٍ تقودها الشعوب في جارتينا/شقيقتينا الكبيرتين. وذكرى نكبتنا الفلسطينية اليوم هي تذكير بنكبات عربيّة أخرى، نفيُ إحداها ينفي الأخرى، واستمرارها استمرار للأخرى.

من أجل تحرير فلسطين كنّا نريد إسقاط النّظام.

ومن أجل تحرير فلسطين صرنا نريد إسقاط أنظمة الثورات المضادة.

رمان 2019-05-15

العودة… خيالٌ في الخيال

العودة بما تعنيه فلسطينياً، ليست إلا جماعية، مباغِتة، بالكاد ”يُعيد“ أحدنا معه ما يستطيع حمله، تماماً كما خرج جيل سابق، من فلسطين، ولا تكون إلا من نقاط تجمّع وانطلاق هي المخيمات، فتنزل الجموع الفلسطينية من حلب إلى حمص، ومن المدينتين إلى دمشق، في مخيّمات هذه المدن، متّجهين إلى الجولان، ولا يكون ذلك إلا في باصات جماعية، وسيّارات، ومشياً على الأقدام لمن استطاع. وكذلك هو الحال في مخيّمات لبنان، إذ ينزل النّاس من طرابلس إلى بيروت، ومن مخيّمات المدينتين إلى صيدا، متّجهين إلى الجليل.

فلسطينيون، وسوريون ولبنانيون، جموع تملأ حتى طرفيْها الأفق، شعوب آتية من كل المدن والقرى والمخيمات في سوريا ولبنان، ومن الأردن جنوباً، يسرعون راكضين متى اقتربوا من الحدود، المسنّون منهم يعرجون على عكاكيزهم، لا أحد يسقط، لا أحد يمشي على مهل، لا أحد لا ينظر أمامه.

هذه هي الصّور التي تتشاركها أذهان الفلسطينيين، بتغييرات خفيفة، فلكلٍّ نسخته منها، زاوية التقاطه لهذه الصّورة وتلك، تركيزه على وجوه دون غيرها، على قصص تفصيلية ولقطات مقرّبة، على حذاءٍ تُرك لوحده خلف الجموع، حَطّةٍ مستقرة على التراب، كيسٍ ممتلئ أعاق أحدهم عن سباق الآخرين فأفلته من يده دون أن ينظر إليه مكملاً طريقه، زمامير باصاتٍ النّاسُ على أسقفها، أغانٍ من مكبّرات صوت رديئة مثبّتة على سيارات بيك-أب، مقاطع من حوارات هنا ووجوه بعينها هناك، كلّها تتخلل هذه النسخة أو تلك في هذا الذّهن أو ذاك.

اليوم، في الذكرى السبعين للخروج الجمعي، وكان بالاتجاه المقابل، مشمّلين ومشرّقين، انقلب معنى العودة هذا، وانقلبت هذه الصّورة، لا أقول تغيّر المعنى وكذلك الصّورة بل انقلبا، فالشعوب صارت أفراداً، ونقطة الانطلاق صارت أوروبيّة، والطريق صار مطار بن غوريون، والعودة صارت زيارة.

هذا هو حال من نال منه الشتاتُ الراهن من فلسطينيي سوريا، في أوروبا وكل العالم، وهذا هو حال فلسطينيي لبنان، من استطاع منهم الخروج بأيّ اتّجاه، هذا هو حال نسبة كبرى من الفلسطينيين الذين إمّا وصلوا إلى غاياتهم، مبتعدين عن فلسطين إن قسنا المسافات بالكيلومترات، وإمّا ينتظرون فرصة ينالون فيها ذلك الابتعاد عن مكانهم الأوّل.

لا مكان لتلك الصورة في ذهني اليوم، لا مكان لأي احتمال يخرج فيه فلسطينيون جماعةً ومن المخيّمات إلى حدود فلسطين عائدين. أمام هؤلاء اللاجئين اليوم احتمال واحد للعودة، بمعناها المعجمي وليس الفلسطيني: أفراداً كأجانب.

وعودة كهذه لا تبقى عودة، حتى معجمياً، فهي، أكثر، ذهابٌ أو، بمعنى أقسى، زيارة. زيارة بڤيزا محدودة الأيام فلا يكون البقاء في فلسطين بَعدها ”قانونياً“، ڤيزا يطلبها مواطن أوروبي ويمنحها آخر إسرائيلي. والزيارة ليست كالعودة، والفردية ليست كالجماعية، وإقامة أحدهم في بيت كان يوماً لجدّه، أو في مكان كان يوماً لجدّه بيت عليه، ليست كالإقامة في بيوت أصدقاء يتناوبون على استضافة هذا المنبهر ببلده، الغريب عنها، المستمر بانبهاره إلى أن يعود إلى مكانه ”العادي“ ”المألوف“ حيث حياته ”العادية“ ”المألوفة“.

فمكان أحدنا هنا لا يكون فلسطين، بل هو المدينة أو البلدة التي أتى منها -أقول ”أتى“ ولا أقول ”يأتي“- تلك التي لا يكترث أحد من أبناء بلده، مستضيفيه، بتذكّر اسمها، هناك حيث إقامة أحدنا، نحن اللاجئين، دائمة كما الزيارة إلى البلد مؤقّتة، وتُرسّخ هذه ”المؤقّتة“ باستعداد العديد لاستضافة هذا الزائر، للتعبير عن رغبتهم في أن يلفّوا به البلد، لذكرٍ محدودٍ لأمكنة سيأخذونه إليها، لأمكنة لا يرونها هم جديرة بذكرها ليأخذوه إليها. هذا كلّه لأنّ القادم قادمٌ مؤقّت، لأنّه زائر، لأنّه سيعود يوماً ما إلى مكانه حيث يمضي باقي أيام السّنة.

هذه هي العودة المتخيّلة لدي، لكن حتى هذه مُتخيّلة، وتلك الجماعية الأسطوريّة لم تعد في وارد التخيّل، هي أكثر ما تكونه اليوم إشارةً في رواية أو فيلم، تكون في فقرات أو مشاهد في ذهن شخصية ما، لا تكون أحداثاً في الحكاية بل خيالات. هي ليست واقعاً حتى في الخيال، في الأدب والسينما، هي خيالٌ في الخيال، هي تصوّرات ذهنيّة لشخصية مؤلَّفة في تصوّرات ذهنيّة للمؤلِّف.

إلى هذا القدر نحن بعيدون عمّا كان احتمالاً سائداً في أذهان الفلسطينيين قبل زمن قصير، غطسنا طبقتيْن في الخيال، مستويين يحتاج المرور من أحدهما للآخر، رجوعاً، زمناً طويلاً.

العودة الجمعيّة لا تكون إلا مُحتواة بالخيال، والحديث عنها في الواقع -هو ما أفعله في هذه الأسطر- هو مجاز بحد ذاته، يصعب حتى كتابته واقعاً في الخيال، حدثاً في رواية أو فيلم، هو مجاز يأتي من أمنية أعرف مدى استحالتها، كأن أغمض عينيّ الآن وأفتحهما منتظراً أن تكون حبيبتي، وهي في بلاد أخرى، أمامي. أفعل هذا بشخصيّاتي لا بنفسي، بمصائر أستطيع التحكّم بها. أستطيع العودة إلى فصول سابقة في نصٍ ما، أغيّر بتفصيلات بسيطة تخلق احتمالاً تجعل إغلاق العينين والتمنّي ثم فتحهما فعلاً غير عبثي، فعلاً باحتمالٍ -لن يكون ضئيلاً في الرواية والفيلم- لحضور الحبيبة، صدفةً أستطيع تطويع كل ما حولها من أجلها. هناك فقط أستطيع الحديث عن العودة المتخيّلة. كي يأخذها أحدنا على محمل الجد، لا تكون العودة إلا خيالاً في الخيال.

أمّا هنا، في واقعي، في مكاني الأوروبي، الأبعد بالكيلومترات عن فلسطين، كل ما يمكن أن أحكيه عن العودة بالمعنى الفلسطيني ليس سوى مجاز لحياة متمنّاة، لاحتمالات عبثيّة، لحياة موازية أعيش اللاحق منها في ذهني، مجاز أصنع به حكايات يتخيّل أحدهم فيها العودةَ جماعيّة تنطلق من المخيّمات، تستقبلها جموع أخرى، على الطرف الآخر من العالم، في الجليل، بأيديهم سلال من الكرز والتّين وزجاجات ماء بارد وأباريق قهوة وشاي للراحلين الجدد، للقادمين الجدد.

نُشرت في العدد ١١٦ من مجلة الدراسات الفلسطينية ضمن ملف “العودة المتخيلة”

رمان 2019-05-01

قلقُ الذكريات المُستعارة

لأنّي ضد التصنيفات، وجدتُها فرصة حين عرفت أن للورقة التي سأقدّمها موضوعٌ هو “ملامح الرواية الفلسطينية المعاصرة”، فرصة كي أقول أنّ ليس هنالك ما يمكن تصنيفه بالرواية الفلسطينية المعاصرة، ببساطة لأنّ الكلمة الإشكالية -الأكثر إشكالية- في العبارة هي “فلسطينية”، فـ”الرواية” لها معالم واضحة تطوّرت واتّسعت لأشكال نصّية عديدة، و”المعاصرة” مفردة أقل إرباكاً من “رواية”، أمّا “فلسطيني” فهي كتصنيف، يصعب تحديدها، يصعب اختصارها بنماذج من الرواية التي يكتبها فلسطينيون معاصرون، وذلك يعود ببساطة لكون الفلسطينيين مجتمعات منفصلة، ومنها ما هو داخل مجتمعات أكبر فتتقاطع معها، ومجتمعاتنا هذه غير متجانسة، لأفرادها تجارب وحيوات لا صلة لها ببعضها، وكل ذلك تطوّر واتّخذ أشكاله منذ عام النكبة، وكل ذلك يحول دون تعميمٍ يكون دقيقاً نسبياً، مهما أُتيح له أن يكون واسعاً، يُطلِق صفة “وطنية” هي “فلسطيني” على مجموعة من الروايات.

سأجدني، إذاً، عاجزاً، عن تناول عموم الرواية الفلسطينية وملامحها لسببين: أولهما أنني غير مقتنع أن التجارب الروائية الفلسطينية المعاصرة متجانسة، فلا ملامح واضحة لها يمكن اختصارها في ورقة، ولا أرى ذلك عيباً فيها بل غنى يزيد بمواضيعه المتفاوتة (من رواية تعيش شخصياتها في حيفا إلى أخرى في مخيم اليرموك إلى أخرى في رام الله إلى أخرى في باريس…) يزيد بمواضيعه قيماً إضافية إلى عموم الأدب الفلسطيني اليوم. وثاني السببين أنّ تناولاً لموضوع كهذا يحتاج ناقداً وباحثاً وليس روائياً بالكاد يستطيع الحديث عن تجربته الخاصة.

هذه التجربة الخاصة التي كتبتُها خلال السنوات الأخيرة في روايتين هما «تذكرتان إلى صفورية» و«سيناريو»، هي تجارب غريبة عن أخرى لآخرين في أمكنة “فلسطينية” أخرى، بأسئلة وهموم “فلسطينية” أخرى.

لي في الروايتين المذكورتين سؤال أساسي، قلق أساسي، ارتباك أساسي، علاقة متأزّمة مع المكان غير الموجود، المكان الذي لم أشكّل فيه ذكريات، ومع المكان -الآخر- الذي لم أختر أن أشكّل فيه ذكريات، ومع المكان -الأخير- الذي لم أختره والذي أشكّل فيه ذكرياتٍ لأيام قادمة لا فكرة لي أين سيكون مكانها. أحكي بذلك (كذلك) عن الشخصية الرئيسية في «تذكرتان إلى صفورية»، يوسف، الذي عاش بين دبي ومخيم اليرموك ليجد نفسه أخيراً في مدينة فرنسية بعيدة، حيث بدأ بتشكيل ذكريات أرادها أن تكون في قريته التي هُجّر جدّه منها، صفّورية، المكان المستثنى من ذكريات يوسف. وبالتالي أي علاقة له مع مكانه الأصلي/الأوّل يمكن تبريرها بذكريات آخرين، ذكريات بصيغة الغائب لا المتكلّم. بتجارب آخرين، لا بما يتعلّق به هو، بل بجدّه الذي نقل من ذكرياته إلى خياله هو، فكانت علاقة يوسف بصفورية هي صور جدّه، ذكريات جدّه وأحاديثه التي صارت عنده حكايات منقولة.

في «سيناريو» يذهب كريم أبعد من يوسف في علاقته مع مكانه الأصلي، أو تذهب هذه العلاقة إلى ما هو أشد قلقاً وإرباكاً ليسائل نفسه إن كان، دون ذكريات، فعلاً ينتمي لما انتمى جدّه إليه يوماً، إلى الأمكنة التي تشكّلت فيها ذكريات جدّه. كريم من حيفا، وهو (كيوسف) لاجئ من فلسطينيي سوريا ويعيش في فرنسا. يلتقي بريما الآتية من حيفا إلى باريس، ريما التي كبرت وعاشت في المدينة التي يَفترض كريم أنّه منها، ريما التي أتت إلى باريس بذكرياتها الخاصة، لتُحدّث كريم عنها وعن أمكنة تلك الذكريات، كريم الذي لا يملك غير الحديث بذكريات جدّه المستعارة، ذكريات الغائب، أو الذكريات التي هو كان غائباً عنها. يتساءل في حضور ريما إن كان فعلاً ينتمي للمدينة التي تنتمي هي إليها، إن كان فعلاً ابن حيفا كما هي ريما ابنة حيفا، وذكرياته تتراوح بين القديم منها في المخيم في سوريا والحديث منها في باريس.

سؤال الذكريات وعلاقتها بالأمكنة وانتماء صاحب الذكريات لهذه الأمكنة، مسألة “شتاتيّة” بامتياز، هي ملمح أساسي (ومُغيّب) لما يمكن تسميته بالرواية الفلسطينية المعاصرة، إنّما ملمح غريب تماماً عن ملامح أخرى قد تكون لكاتب أمضى طفولته في أي قرية أو مخيم أو مدينة في فلسطين، في أي حارة في فلسطين، حيث لا يضطر للتساؤل إن كان فعلاً ابن هذا المكان الذي يعيش فيه ويشكّل ذكريات، أو حتى لكاتب كان المخيم (خارج فلسطين) دائماً فلسطينه، فعلاقة ابن المخيم الباقي في مخيمه أحدثت، لأسباب مكانية وزمانية واجتماعية، علاقة انتماء لهذا المخيم جعلت من الذكريات فيه ذكريات فلسطينية تامّة، فعلاقة الفلسطيني ابن المخيمات بمخيّمه فلسطينية كما هي علاقة ابن أي بقعة في فلسطين، بها. وهذا ما زاد من قلق كريم في «سيناريو» الذي لم يعرف، وهو لاجئ في باريس خرج من مخيم حمص، إن كان يريد العودة من مكانه الجديد إلى المخيم أم إلى حيفا، ففلسطين التي يعرفها، حيث شكّل ذكريات طفولة، هو المخيم الذي انقطع عنه دون عودة مرتقبة أو قريبة إليه كما يبدو.

كريم، وقبله يوسف، هما ضمن حالة جديدة في عموم المجتمعات الفلسطينية، لا ذكريات ولا انتماء يكون مباشراً وشخصياً للمكان الأول في فلسطين، انتماؤهما المفترض هو للمخيم في سوريا الذي اضطرّا لتركه واللجوء إلى أوروبا مع استحالة العودة إليه -قريباً على الأقل- ومع قطعٍ مفاجئ لذكرياتهما فيه. وجدا نفسيهما في أوروبا التي سيصنعان فيها لجوءهما الخاص، غير ذلك المتوارَث كالذكريات. سيعيدان تشكيل ذكريات لهما فيها لألفة محتملة، أو ممكنة، لهما فيها، دون أن يدرك أي منهما، وقد وجدا نفسيهما منقطعين عن مكانهما الأول في فلسطين، في مكان ثالث، دون أن يدرك أحد منهما أن يوماً قد يكون قريباً، ستكون فكرة الذهاب إلى فلسطين -ذهاب ولا أقول عودة- ستكون واقعية بجواز سفر أجنبي، فيدخل الفلسطيني إلى فلسطين، بجواز غريب عنه وبسماح من غريب عن بلده.

هناك، في المكان الذي ما عُرف إلا كذكريات الجدّ، كذكريات مُستعارة، سيدرك يوسف وكريم وغيرهما أن المكان ليس مكانهم، أنه غريب عنهم، أنهم غرباء عنه، قد يحنّ أحدهم إلى المخيم الذي عرفه، أو المدينة الأوروبية التي ألفها، قد يحاول إقحام نفسه على الأمكنة، كما فعل يوسف الذي قرّر أن يدخل إلى مطعم ويطلب وجبة عرف أنّها موجودة من خلال موقع المطعم على الإنترنت، أن يدخل ولا يتلفّت إلى جدران المطعم، كأي فلسطيني يعيش في الجوار، قد يحاول يوسف والآخرون الادعاء أنّهم أبناء لهذا المكان، كأبنائه، لكنّهم سيدركون، في حضور أبناء المكان تحديداً، أنّهم آخرون بالنسبة لهم، أنّ المكان مكان آخرين.

حاول كريم أن يتحدّث بلهجة أهل حيفا المدينة لا أهل حيفا المخيّم، إنّما، أمام ريما، وقد أتت من حيفا قبل أيّام من لقائها بكريم الذي خرج جده من حيفا قبل سبعين عاماً، تلاشت كل الكلمات التي أدخلها إلى لهجته، عاد واختبأ بلهجته الأصلية، لهجة أهالي المخيم، لهجة حيفاويي المخيم، هناك حيث لا ذكريات لحيفا المدينة، بل المخيم.

لن تُسعف الذكرياتُ المستعارة لا يوسف ولا كريم ولا كاتبَ هذه الأسطر في تبرير علاقته بتلك البلاد، بأمكنة تلك البلاد. قد لا يكون أمام أحدنا سوى البحث عن “الجيّد في ذلك”، الجيّد في أن يكون غريباً أينما حل، في أن يكون مستقلاً، منفصلاً، متحرراً، متخففاً…

هذا سؤال وقلق وارتباك آخر مازلتُ أبحث عنه في شخصيات روائية…

ورقة، حال رفضُ السلطات المغربية إعطاء كاتبها الڤيزا دون إلقائها خلال “الأيام الثقافية الفلسطينية” ضمن فعاليات وجدة عاصمة الثقافة العربية!

رمان 2018-12-26

فلسطينيو سوريا في أوروبا… على أطراف المجتمعات

اليوم، بعد سبعين عاماً على احتلال فلسطين وتهجير نصف شعبها، وبالتالي تقسيمه، من سنتها، ١٩٤٨، إلى مجتمعين أحدهما داخل البلد والآخر خارجه، صار الفلسطينيون أكثر تشتّتاً، زمانياً ومكانياً، وصار المجتمعان مجتمعات.

وخلال السبعين عاماً هذه، تعاظم عدد الفلسطينيين ليصير من ١,٩ مليون، عام النكبة، تهجّر منه ٧٥٠,٠٠٠، إلى ١٢,٤ مليون داخل فلسطين وخارجها، فخلقت هذه الأرقام مجتمعات متفاوتة، وساعدت السبعون عاماً على تكريس هذا التفاوت وبالتالي خلق مجتمعات فلسطينية في منافيها، هي فلسطينية بقدر ما هي ابنة المجتمعات المحليّة، وقد تكون أقل.

لكل من المجتمعات الفلسطينية هذه عناصر يمكن أن تمايزها عن الأخرى، ما يباعد بين كلّ منها، وبين ما يمكن تسميته بالمجتمع الفلسطيني بالعموم، فهذه بالأساس تسمية افتراضية، تلاشت منذ عام النكبة، وحلّ محلّها ”الشعب الفلسطيني“ للدلالة على عموم هذه المجتمعات، داخل البلد وخارجه، في المدن والقرى، في المخيمات والشتات. فكانت -الشعب الفلسطيني- عبارة سياسية أكثر منها اجتماعية، أو كانت الإشارة الوحيدة للفلسطينيين عامة، كأصحاب قضية واحدة تجعل منهم شعباً واحداً، وإن بمجتمعات متباينة متداخلة بمجتمعات أخرى يمكن أن تحمل لنفسها تسمية ”المجتمع الواحد“.

داخل فلسطين، هنالك الأرض المحتلة من البلد عام ٤٨، والأرض المحتلة عام ٦٧، في الأولى هنالك شمال ووسط وجنوب، مدن وقرى. وفي الأخيرة هنالك ضفة وغزة، مدن ومخيمات وقرى. في الخارج، على الوسع الجغرافي، تكون التمايزات غير محصورة، فهنالك المخيمات والشتات، في الأولى لكل تجمع ما يميزه: مخيمات لبنان وسوريا والأردن، وهنالك سكّان المدن في هذه البلدان، في الأخيرة يمتد التمايز إلى العالم أجمع، من تشيلي حيث صار للفلسطينيين أجيال، إلى أستراليا وكندا، وباقي قارات العالم، بما في ذلك أقرب الأمكنة خارج بلدان المخيّمات، كدول الخليج وشمال إفريقيا، لكن مرتكز الشتات، اليوم تحديداً، هو في أوروبا التي استقبلت آلاف الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، هم القادمون من المخيمات في سوريا.

وكل ذلك امتدّ لأجيال، على مدى سبعين عاماً، ما يرجّح مقولة أن لا وجود لمجتمع فلسطيني، بل لمجتمعات فلسطينية تكوّن بمجملها الشعب الفلسطيني، ونسبة عالية من هذه المجتمعات الفلسطينية هي بالتوازي مجتمعات محلّية في أماكن تواجدها، ففلسطينيي سوريا، مثلاً، هم مكوّن للشعب الفلسطيني، هم مجتمع فلسطيني له خصوصياته، هم كذلك من مكوّنات المجتمع السوري، والحال كذلك في كافة أماكن تواجد الفلسطينيين، أفراداً وجماعات.

يحيلنا ذلك إلى تشقّق جديد في تكوينات الشعب الفلسطيني، رافق الخروج السوري من سوريا، بما تضمّنه من خروج فلسطيني من سوريا، فالمخيّم الرئيسي في ذلك البلد، اليرموك، تهجّر كامل سكّانه وسُوّيَ بالأرض. في أوروبا اليوم آلاف العائلات والأفراد من فلسطينيي سوريا، من كافة المخيمات والمدن هناك، مهجّرون إلى كل العالم، بما في ذلك لبنان وتركيا، ولكن أساساً إلى غرب أوروبا، ألمانيا وهولندا وفرنسا وسويسرا والنمسا، والسويد في شمال أوروبا، ليصير الحضور الفلسطيني في أوروبا أكثر تعقيداً وكثافةً.

كما أنّه لا يمكن أن نقول أنّ الشعب الفلسطيني، بمجتمعاته كافة، يتشارك هموماً يومية واجتماعية واقتصادية متماثلة، فهو، في أوروبا، الأقل تشاركاً فيما بينه، فهذه قارة واسعة ولا يجب أن يحيلنا الحديث عن أوروبا، كمكان واحد، إلى مجتمع فلسطيني واحد، هو في فرنسا كما هو في السويد. وفي هذه القارة تحديداً، حيث الاتساع الجغرافي والتفاوت الثقافي والأنظمة السياسية، استجدّ الحضور الفلسطيني السوري فيها، أي فلسطينيي سوريا، إنّما هو حضورُ أفراد وعائلات، فيبقى الحضور أقل من أن يكون مكوّناً أساسياً لما يمكن تسميته بفلسطينيي أوروبا.

هؤلاء القادمون من مخيّمات سوريا، توزّعوا بغير إرادتهم على دول القارة ومدنها وقراها النائية، لنجد أنّ مخيّم حمص -مثلاً- موزّع على مناطق عدّة في هولندا وألمانيا، والحال كذلك فيما يخص باقي المخيمات في سوريا وباقي المناطق في أوروبا. والمجيء القسري لهؤلاء، وحالة اللجوء بمعانيها وارتداداتها لديهم، لن تسمح لهم بالالتئام مع المجتمعات المحلية، بمن فيها المجتمع الفلسطيني هناك، الحاضر في أوروبا منذ ما قبل الأزمة في سورية، أي القادمين غالباً بإرادتهم لأسباب معيشية اقتصادية عائلية، لدول ومناطق اختاروها مسبقاً، يستقبلهم فيها، غالباً، من يمكن أن يهيّئ لهم بيتاً وعملاً…

تواجُد الفلسطيني القادم من سوريا، في أوروبا، أضاف إلى التواجد الفلسطيني السابق عليه في هذه القارة تعقيدات وارتباكات لما يمكن أن يكون عليه التواجد الفلسطيني بالعموم، لما يمكن أن نقول عنه، هؤلاء هم فلسطينيو أوروبا وهذه هي همومهم. فهم في أمكنة لم يختاروها، خرجوا مهجّرين من سوريا، مفتّتين في أوروبا، على مستوى العائلة الصغيرة، إلى هذه القارة الكبيرة.

حالة التراوما الملحوظة لدى هؤلاء -فلسطينيي سوريا- في أوروبا، تحول دون اندماجهم بالمجتمعات الفلسطينية السابقة هناك، وبطبيعة الحال بالمجتمعات المحلية في تلك البلدان، فتقاربَ أصحاب الهمّ الطارئ والراهن إلى بعضهم البعض، فلسطينيو سوريا والسوريون، ولدى هؤلاء وأولئك الأسباب ذاتها التي أودت بهم إلى أوروبا، هم بذلك أبناء هموم راهنة أتوا من مناطق متقاربة إلى أخرى، بعيدة جداً في أوروبا، متقاربين فيها كذلك، وللغربة والوحشة تأثيراتها.

هذا ما يجعل فلسطينيي سوريا في أوروبا جزءاً من المجتمع السوري في هذه البلد، أكثر من كونهم جزءاً من المجتمع الفلسطيني، يمكن ببساطة ملاحظة ذلك في الأنشطة والاعتصامات والتظاهرات التي تشهدها أوروبا فيما يخص كل من المسألتين الفلسطينية والسورية، بالملاحظة سنجد حضوراً أكبر لدى فلسطينيي سوريا في تلك الأنشطة الخاصة بسوريا، بأحداث سورية راهنة، مع انقطاع شبه تام لدى الفلسطينيين القادمين إلى أوروبا من مناطق أخرى وبأزمنة أخرى سابقة للأزمة السورية. والفلسطينيون غير القادمين من سوريا غير حاضرين في تلك الأنشطة، المعنية بالمسألة السورية، ما يوسّع الهوّة بين فلسطينيي سوريا من جهة وباقي الفلسطينيين في جهة أخرى، في أوروبا، ويضيّقها بينهم وبين السوريين في أوروبا، القادمين منهم إثر اندلاع الثورة تحديداً، والنشطين في كل ما يخص الأحداث في سوريا والتفاعل معها على الساحات الأوروبية. كل ذلك يساهم، مع غيره، في جعل الأفراد والعائلات الفلسطينية القادمة من سوريا، جزءاً من المجتمع السوري في أوروبا (لنسمّه كذلك تجاوزاً) والمتكوّن حديثاً، أكثر من كونهم جزءاً من المجتمع الفلسطيني هناك، لكن لهذا أسئلته كذلك.

الشعور بالانتماء إلى مجتمع فلسطيني بعينه، عند فلسطينيي سوريا الواصلين حديثاً، في السنوات السبع الأخيرة، إلى أوروبا، هو هنا، في هذه القارة، امتداد لشعور كان راسخاً في المخيم، كمجتمع فلسطيني له جانبه السوري، كمجموعة سكّانية هي مكوّن للشعب الفلسطيني كما هي مكوّن للمجتمع السوري، بعلاقات وأفكار ومشاعر طبيعية على كلا الجانبين.

في أوروبا اختلف الأمر قليلاً، فالشعور بالانتماء إلى الشعب الفلسطيني يأتي أولاً كامتداد لشعور سابق يبدو وطنياً رومانسياً، مع غربة آنية يملؤها التماهي مع باقي السوريين المهجّرين من بلادهم، ويتسبب بها عزل باقي الفلسطينيين لأنفسهم عن القادمين الجدد من سوريا، يبدأ بعدم الاكتراث بالمشاركة في أنشطة واعتصامات متعلقة مباشرة بتهجير هؤلاء من مخيماتهم، وينتهي بالتأييد المباشر للمتسبب بتهجيرهم وتدمير بيوتهم.

ليست المسألة الفلسطينية هي المحصورة بالأرض المحتلة عام ١٩٦٧، وإن كانت الأحداث تشتعل بين سنة وأخرى فيها أكثر مما هي في أمكنة أخرى من فلسطين كالأرض المحتلة عام ١٩٤٨. المسألة الفلسطينية هي حيث تواجد فلسطينيون، أو حيث بنى الفلسطينيون أمكنتهم، هي المخيّمات خارج البلد كما هي المدن والقرى داخل البلد، ما يعني أنّ المسألة الفلسطينية هي مسألة الإنسان الفلسطيني وليس مسألة فلسطين الخارطة. يحيلنا ذلك إلى القول بأن لا مسألة فلسطينية متآلفة حاضرة في أوروبا. هنالك مسائل فرعية تشكّل معاً المسألة الفلسطينية بالعموم، أمّا الخلل هنا فهو في أن تشكّل معاً ذلك، فهذه الـ ”معاً“ غير حاضرة، هي افتراضية أكثر من كونها واقعية يمكن مشاهدتها على الساحات الأوروبية، فليس هنالك هم فلسطيني أو هموم فلسطينية في أوروبا، تخصّ فلسطينيي أوروبا، ببساطة لأنّ ليس هنالك ما يمكن تسميته بـ ”فلسطينيي أوروبا“، هنالك، بالتحديد، مجموعات متفرّقة تشكّل بجمعها معاً، قسراً ونظرياً، ما يمكن تجاوزاً تسميته بـ ”فلسطينيي أوروبا“.

اليوم، وهؤلاء جميعاً يعيشون الذكرى السبعين لبدء نكبتهم، لاحتلال بلدهم وتهجير أجدادهم منها، ليجدوا أنفسهم في أمكنتهم المتباعدة في مجتمعات غير متماثلة، لا تجمعهم هموم المجتمع الواحد، إنّما هموم الشعب الواحد، في كافة أماكن تواجده.

تباعدَ أفراد هذا الشعب وتجمّعاته زمانياً ومكانياً إلى أن صار الحال ما هو عليه، ما حاولت هذه الأسطر نقله ”بتشاؤله“، (بمفردة إميل حبيبي). ولا يبدو أنّ فلسطينيي أوروبا -لنسمّهم ذلك تجاوزاً- يتّجهون لتآلف فيما بينهم، كفلسطينيين، ولا يبدو أنّ مجتمعاً فلسطينياً أوروبياً يتشكّل، محتوياً فلسطينيي سوريا.

بعد سبعين عاماً، مازال الفلسطينيون ممن وصلوا خلال كل هذه السنوات إلى هذه القارة وبقوا فيها، أفراداً أو جماعات صغيرة. ما يمكن أن يجمع بينهم وبين بعضهم هو ما يمكن أن يجمع بين أي منهم وبين أي متضامن مع القضية الفلسطينية، وهي أسباب سياسية غير اجتماعية، هي بُنى فوقية وليس تحتية، وفي ذلك يتأرجح الفلسطينيون في أي مدينة أوروبية بين كونهم أبناء شعب واحد وبين كونهم أفراداً في مجتمع أجنبي يتشاركون وإياه هموماً لا علاقة لباقي الفلسطينيين بها، وبين استمرار لتآلف مع اللاجئين السوريين، رفاقهم في اللجوء الجديد.

نُشرت في فصلية “سياسات” الصادرة عن معهد السياسات العامة في رام الله، بعنوان “الفلسطينيون في أوروبا… شتات سبعين عاماً”.

رمان 2018-12-05

ستانلي يحدّثنا في «كوبريك من قبل كوبريك»

هنالك دائماً جانب نقدي لدى سينمائيين لا يكتفون بالعمل الفنّي، بل يتجاوزونه إلى القراءات النقدية أو الفكرية لأعمالهم ولعموم السينما، فيكون النّقد مرجعياً لديهم كما هي أفلامهم مرجعيات لدى آخرين. هؤلاء المخرجين هم مثقّفون كما هم فنانون، وهم، كذلك، قلّة. اقرأ المزيد

«آخر الشهود»… آخر الكلمات

لطالما قال الفلسطينيون إنّ مأساتنا/نكبتنا هي الأكبر في التاريخ المعاصر (على الأقل)، ليلحقهم السوريون و”ينافسونهم“ على ذلك قائلين إنّ مأساتنا الرّاهنة تخطّت كل ما سبقها. لم أضع ”مأساتنا“ في الادّعاءين أعلاه بين علامتَي تنصيص لأنني (لحسن حظّي أو لسوئه) أجدني ضمن هؤلاء وأولئك، فـ ”نا“ المتكلّم تعود، لسوء حظّي وحسب، عليّ كذلك.

على كلّ حال، لم تسحرني يوماً تلك المنافسة على مَن تألّم أكثر، أو فجع أكثر، ولو عاد الأمر لي لاخترتُ أن أكون من بين الخاسرين، أوائل الخاسرين، ألّا أجدني يوماً واحداً من ”آخر الشّهود“ لمأساتيْنا.

اطّلاعي المتواضع -فعلاً- على مآسي شعوب أخرى منحني -نعم، بكل وقاحة- ارتياحاً بأنّنا، كفلسطينيين وسوريين، شركاء مع آخرين كثر في مآسي هذا العالم، آخرين كثر حكوا كثيراً عن مآسيهم. ونحن، ما لم يحكِ أحدنا، أو كلٌ منّا، عن مأساته الفردية ضمن سياقها الجمعيّ، لبقيت تتآكل في ذاكرتنا، نحن الضحايا.

”لماذا رويتُ لكِ هذا؟ الآن أشعر برعب أكبر من ذلك الوقت. ولهذا أنا لا أستعيد الذكريات…“ هذا ما قالته إحدى الشّهود لسفيتلانا أليكسييفتش في «آخر الشهود»، متفادية الحديث عمّا حصل.

جمّعت الكاتبة البيلاروسية (نوبل للأدب ٢٠١٥) شهادات عديدة، وهي ذكريات لمن كانوا أطفالاً في الأيام الأولى للحرب العالمية الثانية في العاصمة مينسك، شهادات تكرّرت خلالها الرغبة في التوقّف عن الحديث أو سرد الذكريات.

لا تنتهي المأساة متى انتهت ممارستُها، أو ممارسة أسبابها، بل تمتد في أذهان ضحاياها الصّامتين عنها، المخبّئينها في دواخلهم، واضعين أملهم، أو ثقل أملهم كلّه، في النّسيان، فتبقى المأساة حالة فردية معزولة عن سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي، تبقى قصصاً وصوراً في أذهان أصحابها تموت بموتهم.

ما فعلته أليكسييفتش في عموم منجزها الأدبي/الصحافي هو استخراج هذه القصص من أفواه أصحابها، وتوثيق مأساة حدثت بمكان وزمان محدّدين، لتتخطى المأساةُ كونها حالة إنسانية إلى كونها فعلاً سياسياً لمرتكبه هويّة واضحة، وليدرك أمثالنُا أنّ مأساتهم تجربة إنسانية ”عادية“ ومشتركة وليست (لحسن الحظ أو لسوئه!) فريدة.

الشهادات في هذا الكتاب هي ذكريات عن طفولة هؤلاء يوم سمعوا لأوّل مرّة أن الحرب قد اندلعت، أو -كأطفال- سمعوا بالكلمة لأول مرة، لحظتها تنقلب حياتهم كأن تُلغى حفلة أو رحلة ليحلّ محلّها لجوء إلى قرية أو قبو. تنقلب في ساعات قليلة، تقول إحداهن: ”في صباح يوم ٢٦ حزيران/يونيو سلّمت أمّي الأجور إلى العاملين، حيث كانت تعمل في شعبة المحاسبة في المصنع. وفي المساء أصبحنا لاجئين.“ كأنّها تعيد صياغة التجربة الإنسانية ذاتها التي كتبها غسان كنفاني في «أرض البرتقال الحزين»: ”وعندما وصلنا صيدا، في العصر، صرنا لاجئين.“

تمتد الذكريات/الشهادات إلى اللحظات الأقسى في سنوات الحرب كلّها، ودائماً يكون الحديث على ألسنة أطفال، وإن أتى بعد سنوات طويلة من حدوثها، فقد أنجزت أليكسييفتش الكتاب بين ١٩٧٨ و٢٠٠٤، وقد كان الشّهود في أوائل الأربعينيات أطفالاً، فكان ما حكوه أشدّ تلقائية. هي المشاهدات الأولى، هي اللحظة التي تعرّف فيها الطفل على معاني كلمات مثل فقر وحصار واختفاء وقتل وتعذيب ولجوء…

إن فكرة أن يحكي الفلسطينيون عن مأساتهم، أن يحكوا عن الخوف، عن اللجوء، عن المجازر التي عاشوها عام النكبة، حضرت في العديد من الأعمال (أدب وتوثيق وسينما…)، لكنّ شعوراً قوياً لديّ يبقى طاغياً هو أنّنا لم نحكِ كفايةً، أنّنا لم نُخبر بحكايتنا، لم نعلن مأساتنا كفايةً، ذلك و”آخر شهود“ نكبتنا يرحلون تباعاً، ليبقى الكثير من القصص الفردية خارجةً عن سياقها الجمعي ونكون، كفلسطينيين، قاصرين عن توثيق أكبر عدد ممكن من هذه القصص وجعلها تجربة إنسانية يشترك معنا بها آخرون.

اليوم، أحاديثنا عن النّكبة صارت منقولة، ما سجّلناه قد وثّقناه، وما بقي مكتوماً ولمُ يُحكَ خوفاً من استعادة النكبة الممتدة في أذهان شهودها، مات مع أصحابها. وهذا ما لا يجب أن يحصل مع السّوريين.

تُنهي أليكسييفتش كتابها الممتع بقدر ما هو مؤلم، بشهادة أخذت منها عنوان كتابها: ”توفّيت أولاً أمّنا الرائعة، ومن ثمّ توفّي أبونا. وأحسسنا فوراً، أحسسنا بأنّنا آخر من يقف عند ذلك الحد، عند ذلك الطّرف. نحن آخر الشّهود. إن زماننا يُختتم. ويجب علينا أن نتحدّث… وكلماتنا ستكون آخر الكلمات.“

رمان 2018-11-12

ستبقى زاويتك في مكانها يا سلامة

ليس من السهل الكتابة، هنا، حيث كان سلامة حاضراً دائماً، عن غيابه. بدأت المجلّة به، في انطلاقتها، واستمرت مقالاتُه في حضورها بشكل منتظم، طوال أكثر من سنتين، لتتقطّع أخيراً بسبب المرض، وتنقطع مساء أمس، مرة وإلى الأبد.

ليس من السهل أن يكون سلامة ذاتاً في المجلّة ثم يتحوّل إلى موضوع فيها، أن يكون بانياً أساسياً لخطّها السياسي والفكري، ويتحوّل، في ساعة واحدة، إلى مرجع نهائي له مواقف ونصوص يمكن الاتكاء عليها لتفسير وإدراك ما يحصل بعدها، دون موقف راهن ومباشر ومكتوب منه، أو محادثة سكايب.

الصّورة التي استطاعت هذه المجلة تكوينها، بمواقفها السياسية والأخلاقية، تعود بالدرجة الأولى إلى سلامة، إلى مقالاته وأحاديثه، وقد أخبرتُه بأنّ رمّان استطاعت أن تكون مجلّة يساريّة بفضله أولاً، لحضوره بأفكاره وتحليلاته وآرائه السياسية والثقافية والفكرية.

لن أرثي هنا سلامة، فهو باق بنصوصه، بمقالاته وكتبه وحواراته. ليس الرثاء ما يتمناه سلامة، بل مواصلة المشوار، على النهج الذي شكّله هو للمجلّة.

لن نرثي سلامة بل سنَعدُ بأن نبقى على الطريق، سأعده دون أدنى فكرة لديّ إن كان سيصله ذلك أم لا، إن كان سيطّلع على هذه الأسطر أم لا، سنعده لأنفسنا أوّلاً وله ثانياً.

إضافة إلى كاتب هذه الأسطر، سلامة هو الوحيد الذي ساهم في إطلاق المجلة بمقالة له تحدّد موقف المجلة تجاه المسألة السورية، واستمرّ معها إلى أيامه الأخيرة، إلى أيام قليلة من اليوم الذي أكتب فيه هذه الأسطر وأنشرها، حين أخبرني بأنّه ينهي مقالته عن سمير أمين وسيرسلها قريباً، وأنّ الفحوصات والحالة الصحية هي التي أخّرته.

لطالما تحادثنا في الملفات التي نفتحها للمجلة، لطالما بحثنا في السلاسل التي كتبها، كإحاطة متكاملة لموضوع نحدّده، كتب في زاويته ”في الماركسية“ سلاسل عن ”تبسيط الماركسية“ و ”نقد اليسار“ و ”ثورة أكتوبر“ وأخيراً ”الدولة الواحدة“، مع مقالات متفرّقة تناولت المسألتين السورية والفلسطينية.

ستبقى زاويته في مكانها، إنّما مكتملة لا يُضاف إليها، سنضيف، أصدقاء سلامة ورفاقه، ملفاً إلى الملفات التي ألّفها سلامة، ملفاً على اسمه، يكون هو الموضوع لا الذات، يكون الطريق بعدما شقّها، وسنكون في المجلّة أوفياء له، لما كتبه فيها ولما استطعنا، بسنتين ونصف، أن نكونه: المجلة اليسارية الفلسطينية السورية التي تشبه، أكثر ما تشبه، سلامة وفكره، أو ما صار ممكناً قوله الآن: تراثه.

رمان 2018-10-03

”المخطوطات لا تحترق“

هذا ما قاله الشيطان، فولند، إلى المعلّم، وهذا ما حصل فعلاً، إذ أنّ الأوّل طلب من مساعده، القط بيغيموت، أن يحضر له المخطوط الذي أحرقه المعلّم إثر كتابته، فوثب القط عن الكرسي الذي كان/صار سحراً ”رزمة سميكة من المخطوطات“.

هذا في حصل في رواية الرّوسي ميخائيل بولغاكوف «المعلّم ومرغريتا»، هذا ما حصل في خيال المؤلّف الذي كان قد أحرق هو بنفسه مخطوطات سابقة له، منها نسخة أولى من هذه الرّواية التي ستصير واحدة من أهم الكلاسيكيات الأدبية في القرن العشرين.

أما سبب الإحراق هنا فهو الخوف مما يمكن أو يؤدي إليه المخطوط من اعتقال، أو ”اختفاء“ كما هو الحال في الرواية وكما هي الصورة الأصلية التي انعكست عنها حكاية الرواية، والحديث هنا عن الاتحاد السوڤييتي الستالينيّ في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أحرق كل من المعلّم في الرواية وبولغاكوف في الواقع مخطوطه خوفاً من السلطة وأتباعها من المثقّفين والنّقاد، في موسكو.

لكن في الثلاثينيات كذلك، كان هنالك نوع آخر من الإحراق، في مكان آخر تماماً، حيث تمّ إحراق ما تمّ ”تبجيله“ في المكان الأوّل، وذلك في برلين النازيّة، إذ حمل العديد من الطلّاب الألمان آلاف الكتب ”المناهِضة للألمان“ لتجميعها وإحراقها في الساحات العامة، كان ذلك في ١٠ أيار ١٩٣٣، في ساحة الأوبرا، بحضور جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي آنذاك، في عملية منظّمة. ومن بين الكتّاب الأبرز ممن حُرقت أعمالهم كان كارل ماركس وفريدريك إنجلز وروزا لوكسمبورغ، وذلك موثّق في متحف ”Topography of Terror“ (طبوغرافيا الرعب) في برلين اليوم.

ولأنّ الواقع ضمن أنظمة توتاليتارية، كالستالينية والنازية، هو واقع ديستوبيّ، كارثيّ ومرعب، يمكن لفيلم الفرنسي فرانسوا تروفو «Fahrenheit 451» (١٩٦٦) أن يقدّم صورةً لذلك، فالشخصية الرئيسية فيه تعمل كرجل إطفاء إنّما يحبّ القراءة، وذلك في عالم ”خيالي“ حيث تكون مهمّة رجال الإطفاء هي إحراق الكتب، الأدب تحديداً لأنّها ”تحرّض“ على الخيال والتفكير، ما يجعل مجموعة من ”المتمردين“ ينقذون الكتب بأسلوبهم: كلٌّ منهم يحفظ كتاباً عن ظهر قلب، فيُسمّى باسمه، وما إن يحفظ أحدهم كتاباً، يتلفه فلا يُعتقل بسببه. الفيلم مأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للأميركي راي برادبوري، صدرت عام ١٩٥٣.

وهذا ما نقرأه في «المعلّم ومارغريتا»، إذ يقول المعلّم لحبيبته قبل أن يطيرا كأرواح، بعد موتهما، بأنّ لا حاجة له بأن يحمل المخطوط معه، فقد حفظه في ذاكرته، وفي تعليقات نقديّة على الرّواية نقرأ أن حفظ النّصوص (المخطوطات) قبل إتلافها كان شائعاً لدى كتّاب سوڤييت.

ما أعطى عبارة بولغاكوف ”المخطوطات لا تحترق“ مكانة بارزة في سياق الرّواية ككل -فكانت ”موتيفاً“- هو واقعيتها في حياة المؤلّف نفسه، ومصيريّتها في أن يخرج هذا الكتاب لقرائه، إن كانت كرواية بولغاكوف أم حكاية/مخطوط المعلّم (داخل الرّواية) الذي كتب بولغاكوف الرّواية عنه، وكذلك لسخرية الفكرة التي أتت نقيضة لمدى سهولة أن يُحرق مخطوط هنا أو كتاب هناك، في الواقع، وذلك ضمن مجتمعات تحكمها أنظمة توتاليتارية يكون الشّيطان -فولند، في الرّواية- ”أرحم“ بالمخطوطات من تلك الأنظمة والملحَقين بها من الكتّاب والنقّاد.

كتب بولغاكوف سرّاً روايته هذه في السنوات الإحدى عشرة الأخيرة من حياته (١٩٢٨-١٩٤٠)، بالكاد أنهى نسختها الأخيرة، يمليها وهو مريض على زوجته فتكتبها. مات بالمرض وخبّأتها لتُنشر في بعد ما يقارب ثلاثين عاماً، في ١٩٦٧، في باريس أولاً، ثم بالنسخة الكاملة في فرانكفورت بعد عامين. ووصلت لقرّاء العربية بترجمة بديعة من يوسف حلّاق، من دمشق عام ١٩٨٦، لتتوفّر اليوم بنسخ جديدة لدى أكثر من دار نشر (دار التنوير، دار المدى، منشورات الجمل) ولأكثر من مترجم.

ليس الحرق إلا شكل من أشكال المنع والحظر الذي يتّخذ اليوم، بعد نصف قرن على خروج رواية بولغاكوف (من تحت الرّماد) شكلاً أكثر ”تحضّراً“ إذ لا نار، إنّما النّتيجة تبقى ذاتها، من ذلك ما يمكن ملاحظته اليوم حولنا، لكن كذلك ما يمكن أن يسبق زمن بولغاكوف بسنين، ودون الابتعاد كثيراً عنه.

نيقولاي غوغول، الكاتب الروسي الذي تأثر به بولغاكوف وأشار أكثر من مرّة إليه في روايته، قام بنفسه، كذلك، بحرق المتبقي من مخطوط روايته «الأنفس الميتة»، تلقائياً، بتحريض من رجل دين، حفظاً لروحه من العذاب! ولم يكن لغوغول، لسوء حظّه، شيطانٌ يستعيد له مخطوطَه المحترق، بالسّحر.

رمان 2018-09-21

عامان على رمّان… نريد مكتبنا في حيفا

تكمل رمّان اليوم عامها الثاني، سريعاً، وقد أوجدت لنفسها مكانة خاصة في الصحافة الثقافية العربية، متمسّكةً بنوعيّة ما تقدّمه، مع تفاوت نسبي بين مادة وأخرى، ومتمسّكةً بتقديم جمالي للمادة المكتوبة، تحرص عليه، وباستقلاليتها وحرية كتّابها وجرأة محتواها.

في العام الأوّل كانت رمّان تتأسّس وتوسّع مساحةً لنفسها بين المواقع الإلكترونية والصحف العربية العديدة. في العام الثاني واصلت المجلّة مرحلة التأسيس والتطوّر، واستطاعت -رغم ميزانيتها المتواضعة- أن تنال الثّقة من قرّائها لتقدّم محتوى بمسؤولية أكبر -يدل على ذلك عدد القراءات وقبله اهتمام الكتّاب/القرّاء بالنّشر في المجلة- واستطاعت بذلك نيل ثقة العديد من المؤسسات والمهرجانات فكانت إمّا شريكاً إعلامياً وحيداً لها كما هو الحال مع ”جناح فلسطين“ في مهرجان كان السينمائي، وكما هو الحال مع حدث فنّي هام سيُنظّم قريباً، أو شريكاً إعلامياً مجاوراً لمؤسسات كبرى من صحف وتلفزيونات كما هو الحال مع «دار النمر» في بيروت و«مهرجان رام الله للرقص المعاصر» و«معرض الكتاب في فلسطين» وغيرها

وكان يمكن للمجلة أن تكون شريكاً إعلامياً في أحداث ثقافية أخرى إنّما طبيعة تلك الأحداث التي تتطلّب حصراً حضوراً في المكان، حدّ من إمكانية تغطية موسّعة للمجلّة وإن لم يمنع ذلك نشرَ مقالات ومواد منوّعة تخصّه.

ومن هنا سآتي إلى ”الخلل البنيَوي“ في العمل الصحافي الذي لن تستطيع رمّان التخلّص منه بصيغتها الحالية: موقعاً إلكترونياً يتناول عن بعدٍ الأحداث الثقافية الفلسطينية.

المجلّة، منذ تأسيسها، قدّمتُها في المقالة الافتتاحية كمجلّة ”أشبه بحال الشّتات الفلسطيني“ فتكون ”كونيّة بقدر ما هي محليّة“ وليس ذلك إلا تأثّراً ”بشكل مباشر ومتراكم بالمأساة الأولى، النّكبة“، فكان لا بد أن نكون، كصحافة فلسطينية، شريكاً ”إلكترونياً“ مع هذه المؤسسة الفلسطينية في بيروت وذلك المهرجان في حيفا والمعرض في رام الله…

أمّا الحال التي تنتظرها المجلّة لتتحقّق، فهي، ببساطة، أن ينهار الإنترنت، ثم تنهار إسرائيل -أو، أفضل: إسرائيل ثم الإنترنت- و”تعود“ المجلّة ومحرّرها إلى فلسطين، فنعود إلى الصحافة الورقية التي تصل أبواب البيوت، وإلى مكتب للمجلّة له عنوانه، لا مقاهٍ وبيوت لا قاع لها في مدن أوروبية.

ليكن هذا العنوان في حيفا، كمكتب رئيسي للمجلّة، مع مطبعة في النّاصرة (أو العكس، لن نختلف)، وكتّاب ثقافيين في رام الله والقدس وغزة، ومراكز توزيع للمجلّة في بيروت ودمشق والقاهرة. فتكون المجلّة محليّة حقيقةً، فلسطينية بالمعنى الذي تكون فيه أي صحيفة محلّية في بلد لا يخضع لاحتلال، فلا تكون صحافة منفى، ولا يكون تعاونها مع الأحداث الثقافية في البلد تعاوناً إلكترونياً، بتواصل إلكتروني يكون بين المحرّر وبين منظّمي الحدث، وكتّاب وصحافيين مجاورين لمكانه.

إلى حينه، حيث تقوم رمّان بدورها الطبيعي كمجلة ثقافية فلسطينية، تحضر بمحرّريها إلى المهرجانات والمعارض لتقدّم تغطيةً ونقداً ومراجعةً ورأياً، إلى أن تتحرّر فلسطين ويصير لرمّان مكتبٌ في حيفا أو الناصرة، ستبقى على صيغتها الإلكترونية، محاولةً أن تكون رديفاً جاداً لكل الحراك الثقافي الفلسطيني داخل البلد وخارجه.

رمان 2018-08-24

التبصّر: التّارو .vs الرّواية

أمامي، على الطاولة، وفوق كتب أخرى، منها ما أنهيت قراءته وتركته أمامي كي أعود إليه لفكرة كتابيّة ما، ومنها ما أقرأه بشكل متقطّع إذ لا تحتاج طبيعتُه القراءة المتواصلة. فوقها كتاب وصلني من صديقتي، جمّع محرّر الكتاب ما ذكره مؤلّفون كبار عن عادات الكتابة لديهم. سأعود للكتاب )لذلك هو هنا أمامي( إنّما ما يعنيني منه الآن هو تثبيت فكرة أنّ الكتابة مهنة كغيرها، تحتاج الانتظام، المداومة، التّمرين، وغيرها مما يمكن أن يشير إلى حرفة تُمارس يومياً. فمعظم المؤلّفين يكتبون كنوع من العمل الحرفيّ، ضمن ساعات عمل محدّدة من اليوم، بانتظامٍ يحرصون عليه.

أحالني إلى فكرة الكتابة كحرفة، أمران: أحدهما يخصّ ”انحرافات“ بدأتْ تتسلّل إليّ تخص التنبّؤ أو التبصّر لا كميزة أدبية روائية فهذه خرافة يخرطها الكتّاب على العالم (سأعود لذلك، فهذا هو الأمر الآخر)، إنّما تخصّ حياتي الواقعية، فمنذ أتتني صديقتي ببطاقات التّارو، محاولةً أقناعي (دونَ أدنى مقاومة عقلانية منّي) بأنّ شيئاً ما فيها حقيقي وواقعي، و”قرأتْ“ لي عنّي وعن أسئلة في ذهني طلبت مني التفكير بها قبل سحبي للأوراق التي ستقرأها، ثم بطاقةً بطاقة تنتقل إلى الحديث عما أفكّر به، تشرح البطاقات وتربط بينها بشكل لا يجعلني إلا أردّد  مبهوراً ”مزبوط“، رابطاً باقتناع تام بين ما تقوله وبين ما أفكّر به.

الأمر الآخر هو فقرة من رواية الفرنسي باتريك موديانو «دورا بروديه» يحكي فيها عن فكرة الاستبصار لدى الروائيين، يقول إنّه يعتقد بوجود المصادفات وأحياناً بهِبة التّبصّر لدى الروائيين، ويستدرك أن كلمة ”هبة“ ليست الأنسب كونها تتضمّن نوعاً من التفوّق، إنّما تأتي كجزء من المهنة: محاولات التخيّل الضرورية لهذه المهنة والحاجة للتركيز على تفاصيل محدّدة، وذلك بشكل هوسيّ، فكل هذا التوتّر والجمباز، كله يمكن أن يحرّض على الحدس فيما يخص الأحداث في الماضي أو المستقبل، وهو ما يعرّف به معجم ”لاروس“ كلمة ”استبصار“. (Dora Bruder, folio, p.52)

فالتبصّر حسب موديانو هو حدس يتم الاشتغال عليه، والأساس في ذلك هي المصادفات التي يمكن أن تجعل كتاباً ما، في لحظة منه، تنبّؤياً، وهذا هو حال رواية «1984» لجورج أورويل الذي لم يكن يبصّر فيه، بل ما جعله ”يتنبأ“ هي عملية فكرية ذهنية اجتهد لها، فكان أن جعلت مصادفاتٌ ما كتابَه يبدو كالمتنبّئ بزمننا الحديث، (قد يُحسَد أورويل على عملٍ بدوام جزئي في مكتبة للكتب المستعملة في لندن، أكثر ممّا يمكن أن يُحسد على ”هبة“ استبصارية ما).

ليست هنالك أي علاقة للتبصّر بالأدب، وليس الأول وظيفة الأخير، ولا علاقة لأدب الخيال العلمي بحديثنا هذا، فذلك خيال وعلميّ. والتبصّر في الأدب، ما لم يكن اجتهاداً، هو أقرب لرمية نرد في الكتابة عن غيبيّات، هو ”حدس“ كما قال الروائي الفرنسي، إما أن يصيب أو يخيب.

لذلك علق ما قاله موديانو عن التمرين وبعض المصادفات في ذهني (وتركت الكتاب فترةً أمامي لأعود إليه)، فكلمة ”هِبة“ فعلاً غير مناسبة في الحديث عن الأدب، هي اختصاص قارئي/ات بطاقات التّارو. والكتّاب، في الكتاب المُشار إليه أعلاه، كانوا مضطرّين لأن يعملوا لساعات طويلة، بأصابعهم وخيالهم، وبشكل يومي غالباً، كي يخرجوا بنصّ إبداعي (عظيم في حالتهم)، وما كانوا بحاجة للعمل طويلاً لو أن هبةً ما كانت لديهم، هبة التّبصر تحديداً.

إن أراد أحدنا البحث عن التبصّر، فهو هناك، وهو الاستبصار الوحيد الذي آخذه (الآن) على محمل الجد، هو بطاقات التارو التي تقرأها صديقتي (قد يتعلّق الأمر بها أكثر مما يتعلّق بالبطاقات!)، وهو -وليس الأدب- الأقرب لما يقوله «لسان العرب» إذ أنّ ”التبصّر: التأمّل والتعرّف. والتّبصير: التعريف والإيضاح… واستبصر: تبيّن ما يأتيه من خير وشر… وبَصّره الأمر تَبصيراً وتَبصِرةً: فهّمه إياه. وقال الأخفش في قوله: ”بصُرتُ بما لم يَبصُروا به“: أي علمتُ ما لم يعلموا به من البصيرة.“ وليس هذا ولا ذاك في الرّواية، بل في البطاقات الصّفراء.

إن أخذنا الأدب كمهنة، كتمرين، كجمباز، كالتزام شبه يومي، كساعات يعوّد أحدنا نفسه عليها، فيكثر النّقر على كيبورده، كتابةً وحذفاً، فإنّ تعريف «لسان العرب» هذا لا يمكن أن يتقاطع معه. والتبصّر إن قدّم نفسه ببطاقات التارو (من قارئة تعرف ما تفعل) فلنُنصت له، وإن قدّم نفسه بنصٍ أدبي فهو خرطٌ ونصب.

رمان 2018-08-14

السينما في الثورة… سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج

نُشرت في العدد الأخير من مجلة بدايات المخصّص لمئويّة الثورة الروسية

”من بين كل الفنون، الأكثر أهمية لنا هو السينما“. هذا ما قاله قائد الثورة البلشفية في روسيا، فلاديمير لينين، وهذا تماماً ما تعكسه الأفلام السوڤييتيّة الأولى، كوسيلة ”هامة“ و”لنا“، وضمير المتكلّم هنا يعود على الاتحاد السوڤييتي الوليد، وقالها في مقابلة بالتزامن مع أفلامٍ سنتناول أمثلة منها هنا، إذ كانت السينما السوڤييتية تتبلوَر بما يخدم مصالح الدولة، أو المصالح الطبقية التي تأسست عليها الدولة السوڤييتية، قبل أن تتحول سريعاً إلى بيروقراطية. ومن أهم الأفلام ”الهامة“ كان آنذاك، أفلام المخرج سيرغي أيزنشتاين، والحديث هنا عن عشرينيات القرن الماضي.

لكن قبل الوصول إلى أيزنشتاين، وإلى اثنين من أفلامه، سنمرّ أولاً على أخرى يمكن أن تعطي فكرة عن الطبيعة التقنية/الفنية لهذه السينما، إضافة إلى كونها ”هامة“ بالمعنى الدعائي لها، وكلمة “الدعائي“ لا تقصد الذّم بهذه الأفلام ولا المديح، إنّما التوصيف، ففيلم كـ «المدرعة بوتمكين» لأيزنشتاين، هو دعائي تماماً إنّما، في الوقت ذاته، يُعدّ من بين أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية ومن بين أوّلها موضوعاً للدراسة. ليست المسألة إذن حمل الشعارات من عدمه، أي ”الدعاية“ لصالح أفكار معينة من عدمها، بل في الكيفية التي تُنقل بها هذه الأفكار، والكلام بمعناه للروائي (الشيوعي كذلك) الفلسطيني إميل حبيبي.

موضوعات الأفلام بأربعة أمثلة

من بين هذه الأفلام فيلم «سقوط سلالة رامونوڤ» (١٩٢٧) للمخرجة إسفير شوب، وهو فيلم مبني تماماً على لقطات أرشيفية، واقعية، جمّعتها المخرجة وقطّعتها وولّفتها مضيفة إليها كلاماً متخلّلاً المَشاهد، لتصنع من خلالها حكاية هي، كما يشير العنوان، حكاية سقوط القيصر الروسي الأخير، مظهرةً المأساة التي كان فقراء روسيا، الغالبية الساحقة من الشعب، يعيشونها، فكان محتوى الفيلم مقدّمة للثورة، أو ربطاً سببيّاً بينها وبين ما يحويه الفيلم من حكاية وصور. وهذا الفيلم كان طليعياً، وكان مبنياً، تماماً، على التوليف/المونتاج.

فيلم آخر نذكره هو «نهاية سانت بطرسبرغ» (١٩٢٧) للمخرج فسيفولود بودوفكين، وفيه حكاية فلّاح روسي يترك أرضه ويذهب للعمل في المدينة، في مصنع. يومها يُضرب العمّال، فيَشي العامل الجديد بصديقه الذي استضافه في بيته، بأنّه أحد قادة الإضراب. في الفيلم، كذلك، شغلٌ أساسي على المونتاج، وإن كان بممثلين وأداء، وهو كذلك يظهر العلاقة بين الرأسمالية والحرب التي تحتاجها كي تبقى.

فيلم آخر هو «موسكو في أكتوبر» (١٩٢٧) للمخرج بوريس بارنيت، ويحكي باختصار عن سيطرة السوڤييتات (البلاشفة) على السلطة باقتحام قصر الشتاء في سانت بطرسبرغ عام ١٩١٧، وهو وثائقي بنفسٍ روائي، أو هو توليف روائي لأحداث ومَشاهد واقعية.

والأمثلة عديدة هنا، وذلك لاهتمام السلطات السوڤييتية بالسينما كفن ”هام“ يخدم مصالحها، أو كأداة دعائية أخرى، لكن الشكل بدأ يتغيّر مع الزّمن، إذ زادت الأفلام الروائية على حساب الوثائقية، مثال واحد نذكره هنا هو «لينين في أكتوبر» (١٩٣٧) للمخرج ميكايل روم، وهو فيلم روائي بامتياز، يجسّد فيه ممثلٌ شخصية لينين العائد إلى سانت بطرسبرغ من فنلدنا ليبدأ بالتنظيم للثورة المسلّحة مع رفاقه. والفيلم الذي صدر بعد عشر سنين من الأفلام السابقة المذكورة، تأثّر بسطوة ستالين الذي ظهر في العديد من المشاهد التي، أخيراً بعد موت الديكتاتور، حذفها المخرج وقد أدرجها دون رغبة منه.

هذه أمثلة يمكن إيجاد العديد مثلها، أو تكرارات لها في الإنتاجات السينمائية السوڤييتية الباكرة التي تشترك مع الأفلام المذكورة هنا في الشكل والمضمون، من الكيفية التي يُصنع بها الفيلم، باعتمادٍ أساسي على المونتاج، إلى الموضوع الذي ينقله الفيلم، وهو متعلّق بالثورة البلشفية، ما قبلها إذ كان مسبّباً لها، وما بعدها إذ كان نتيجة لها، وبما لا يخالف رغبة السلطات السوڤييتية بطبيعة الحال. إنّما الأبرز من بينها جميعها كانت أعمال المنظّر السينمائي والمخرج سيرغي أيزنشتاين، صاحب أفلام نتناول منها هنا «المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر».

October

سيرغي أيزنشتاين

قبل الحديث عن أفلامه، سنأتي على أيزنشتاين نفسه، كمخرج ومنظّر، وكما مررنا قبل أشهر بالذكرى المئة لثورة أكتوبر ١٩١٧، نمرّ هذا الشهر، في ٢٢ منه، بذكرى مرور ١٢٠ عاماً على ولادة أحد أعظم السينمائيين عبر كل الأزمنة وأكثرهم ”استقراراً“ لدى ”السينيفيليّين“، وذلك بفضل أفلامه كما بفضل نظرياته السينمائية، في المونتاج تحديداً، وهو كتب كذلك عن الصّوت والألوان وحتى أبعاد الشاشة البيضاء.

رحل أيزنشتاين باكراً، بعمر الخمسين في ١١ فبراير ١٩٤٨ (سنمرّ كذلك قريباً بالذكرى السبعين لرحيله)، فاستطاع بعمر قصير لا أن يكون سينمائياً عظيماً وحسب، بل أن يكون مؤسساً لسينما عظيمة، نظريةً وأفلاماً، وأكثر ما يمكن أن يُعرف به، نظرياً، هي طرائق المونتاج لديه، إذ يقول بأنّ المونتاج هو الفيلم بأكمله، والطرائق هي:

المونتاج المتريّ (القياسي) الذي يقوم على طول المشاهد. المونتاج الإيقاعي الذي يقوم على محتوى الصورة وحركات الصّور. المونتاج النغمي الذي يقوم على المضمون العاطفي للصور. المونتاج المافوق-نغمي، وهو المرحلة المتقدّمة من المونتاج النغمي. المونتاج الفكري والمعني بالأثر الفكري الذي يمكن أن يُترك على المُشاهد، وهو الأهم من بين الطرائق لدى أيزنشتاين.

كتب عن رؤيته الفنّية وقد كان يتحدّث عن فيلمه الطويل الأوّل «إضراب» (١٩٢٥): ”بخصوص الأساسات الفنّية لديّ، فنحن لا ننطلق من الحدس الإبداعي، إنّما من البنية العقلية للعناصر العاطفيّة، فعلى كل عاطفة أن تكون مسبقاً مادة مبنية على تحليل عميق وعلى حسابات، وهذا الشيء الأهم.“ فأيزنشتاين الذي جاء إلى السينما من الهندسة ماراً بالجيش الأحمر وبعده بالمسرح، كانت العلوم والرياضيات والعمليات العقليّة أساس إبداعه السينمائي الخاص، وكانت حامل تعريفاته وتطبيقاته لما هو الإبداع في الفنون، فيكون العمل الفنّي لديه مادة تحليلية عقلية، واجتماعية سياسية في الوقت ذاته، تعكس انتماءه للشيوعية ولانعكاس فهمه للماركسية في سينماه، فكانت أفلامه محكمة وتجريبية ونقيّة وإنسانيّة وكذلك ثوريّة وبالتالي طليعيّة، وكانت مقرونة بالنّظريّة، وذلك لا على المستوى السوڤييتي، بل العالمي في زمنه، والتاريخي إلى زمننا الحالي بعد ٧٠ عاماً على رحيله.

أيزنشتاين ابن ثورة ١٩١٧، كتب مرّة أن ”السينما هي في جانب منها صناعة، وفي جانبها الآخر فن، وعلى الأبعاد التجارية والاقتصادية لهذا الفن أن تكون خاضعة تماماً للمهام الاجتماعية والاقتصادية الموضوعة من قبل ثورة ١٩١٧… إن غاية السينما السوڤييتية قبل أي شيء هو تعليم الجماهير، منحهم الثقافة العامة والمعرفة السياسيّة، فهي تقود حملة دعاية ضخمة لصالح الدولة السوڤييتية وإيديولوجيتها… بالنسبة لنا، الفن ليس مجرّد كلمة، إذ لا نرى فيه سوى آلات تُستخدم في ساحة القتال ضمن صراع الطبقات وفي النضال من أجل بناء الاشتراكية، كما هو الحال، مثلاً، في صناعة المعادن.“

وهذا اقتباس مجتزأ من مشاركة له في عمل جماعي عن الفن في الاتحاد السوڤييتي، نلمس فيه رؤيته لدور السينما في المجتمع، في حديث باكر من القرن الماضي، في عشرينياته حين كانت الدولة السوڤييتية في طور التأسيس، وكان ذلك مزامناً لفيلمه «أكتوبر» الذي مجّد فيه الثورة البلشفية، ولفيلم «الخط العام» الذي تلاعبت به السلطات السوڤييتية. وكانت أفلامه أمينة لأفكاره، وهي ما عكسها هذا الاقتباس، فكانت، مثلاً، البطولة جماعيّة، بطولة الجماهير، وكانت أفلامٌ إرشاديّة، تحريضيّة، تنقل صراعاً طبقياً في السياق الروسيّ آنذاك، فكانت تحمل شعارات، كما ذكرنا سابقاً، ولا يضيرها ذلك، وإن كان لا بد من تساؤل فسيخصّ الكيفية التي يتم بها حمل هذه الشعارات، وهو سؤال يحيلنا إلى الأسلوب الفنّي لأيزنشتاين، أسلوب جعله أحد عظماء السينما العالمية، وهو أسلوب جعله يُهاجَم في الاتحاد السوڤييتي ذاته لاحقاً متّهَماً بـ ”الشكلانية“، بل حتي بـ ”الانحطاط“ ومعاداة الثورة. وإثر الجزء الثاني من فيلمه «إيڤان الرهيب» (١٩٥٨) سينهال عليه النقد الرّسمي السوڤييتي، ليدرك الرّجلُ لاحقاً أنّ المطلوب لا خدمة الثورة بل خدمة ستالين، وإن استلزم ذلك مغالطات تاريخية في الأفلام.

«المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر»

يُعد فيلم «المدرعة بوتمكين» (١٩٢٥) أحد أفضل الأفلام في التاريخ، وأكثرها تأثيراً، وهو مثال ممتاز لدراسة المونتاج وأهميته في السينما السوڤييتية الباكرة، خاصة وأنّ أيزنشتاين هو أحد أبرز صانعي سينما المونتاج في العالم. يروي الفيلم قصّة مأخوذة بشكل واقعي عن أحداث حقيقية، وهي تمرّد بحّارة المدرّعة بوتمكين وعصيانهم أوامر الضبّاط الذين سينفّذون مجزرة بالأهالي، في مشهد ملحميّ (ومن بين الأكثر استعادةً سينمائياً) على الدرج الطويل الذي بدا بتصويره كأنّه لا ينتهي. فالفيلم كلّه عبارة عن مقدّمة تُظهر علاقة البحّارة الفقراء بالضبّاط الأغنياء، ثمّ التمرّد عليهم والتحامهم مع تحرّك النّاس في البر. البطولة في الفيلم جماعية، فليس هنالك بطل فرد يعود إليه الفضل في كل ما يحصل، وهذه (بعد المونتاج) إحدى ميزات السينما السوڤييتية حيث تكون البطولة للجماعة. نرى ذلك في مشاهد المعارك على ظهر المدرّعة كما نراه على السلّم حيث يكون جمعُ النّاس مقابل جمع العساكر.

أما الفيلم الآخر فهو «أكتوبر» (١٩٢٧)، وله عنوان إنكليزي هو «أكتوبر: عشرة أيام هزّت العالم» (عنوان كتاب الصحافي الأميركي جون ريد)، والفيلم يصوّر الأيام الأخيرة من الثورة البلشفية، منتهياً بوصول لينين إلى سانت بطرسبرغ وخطابه، بمَشاهد حقيقية، أمام حشود من الثوّار. فكان الفيلم الوثيقة السينمائية الأبرز للثورة، تحديداً بمشاهد ملحميّة لاقتحام قصر الشتاء، وكان الفيلم لحظة تخليد فنّية، ليست ”هامة“ وحسب للشيوعيين والعالم، إنّما منجزة بفنّية عالية ساهمت في تكوين مدرسة المونتاج السوڤييتية.

المونتاج كشكلانية

كما أنّ ”الشكلانية الروسية“ في الأدب كانت محطّ النّقد الرّسمي السوڤييتي، فتطوّرت ضمن ظروف خاصة وصارت بحد ذاتها مذهباً أدبياً/نقدياً له إبداعاته، كان المونتاج في السينما الروسية كذلك، بظروفه الخاصة، وذلك للمساحة الآمنة التي يمكن أن توفّرها اللقطات الأرشيفية أولاً، وللمساحة الضيقة (جداً) التي يمكن أن يسرح ضمنها صانع الفيلم إن اختار أن يكون فيلمه روائياً، بحكاية مكتوبة وأداء وتجسيدات وما لا يمكن أن يعجب البيروقراطية السوڤييتية، نقداً ودولةً.

أتت المدرسة السوڤييتية في السينما مدرسةَ مونتاج. التضييقات عليها هو، غالباً، ما أدى إلى ذلك، إنّما، كما هو الحال في الأدب وقد برزت الشكلانية مزامنةً لصدور هذه الأفلام، أبدع المخرجون السوڤييت ضمن المتاح في سينماهم، وصارت الأخيرة تُدرّس كأحد التيارات السينمائية البارزة في التاريخ، وصار أبرز أسمائها -أيزنشتاين- أحد معلّمي السينما الأوائل، ولهذا، في الأدب كما في السينما، ترافق الإنتاج الإبداعي بالإنتاج النقدي والتنظيري.

هذه الأفلام الصامتة المتناوَلة هنا، بأسلوب صناعتها وبحكايتها وبمَشاهدها وبالالتزام السياسي فيها، هي وثيقة فنّية لمرحلة تاريخية كانت الأكثر تأثيراً من غيرها في ما لحقها من سنوات، والحديث هنا عن ثورة أكتوبر عام ١٩١٧ التي أكملت في أكتوبر ٢٠١٧ قرنها الأول، والحديث كذلك عن سينما المونتاج في العالم حيث الريادة والتنظير والصناعة فيه كانت أولاً للسوڤييت. فكانت السينما كما قال لينين ”الفن الأكثر أهمية“ للسوڤييت، وكانت هذه السينما، السوڤييتية الباكرة، من بين الأكثر أهمية للعالم في تاريخه السينمائي.

رمان 2018-07-05

التّراث/الهويّة/الأغنية

يرتبط التراث بالهويّة الرّاهنة لأي شعب بالقدر الذي تتعرّض فيه هذه الهويّة لمحاولات فصل بين راهنها وماضيها. هنا، لا يكون التراث مجرّد صورة سابقة للهويّة الراهنة، تبتعد عنها زمانياً وحسب، بل يصير حاضراً، يصير مُستعاداً ليُقرن بشكل حي بهذه الهويّة، حامياً لها مما تتعرّض له من محاولات فصلها عنه، فيستعيد الشعب القابع تحت الاحتلال تراثه كحامٍ له ولهويّته الرّاهنة، لأصلانيّته وأحقّيته في أرضه، فلا يكون تراثه مجرّد ماضٍ.

التّراث، فلسطينياً، حارس لهذه الهويّة في صراعها اليوميّ مع احتلال يحاول جاهداً محوها وإخراجها عن سياقها التاريخي والجغرافي، بفصلها عن علاقتها بماضيها، أي فصل الهوية المعاصرة للفلسطيني عن التراث المقترن بالأرض الفلسطينية.

وفلسطينياً كذلك، يحضر التراث، أكثر ما يحضر، في الأغنيات، فالأدب والسينما وغيرها هي فنون لاحقة لمرحلة تشكّل الهويّة الفلسطينيّة.

يبقى لدينا الغناء والموسيقى، كفنون جماعيّة شعبيّة كما هي فرديّة. لكنّ التراث إجمالاً نتاج شعوب وليس أفراد، أي أنّ الأغاني التراثيّة الفلسطينية هي نتاج عموم الشعب أو مجموعات منه، قد تكون بدأت بواحد واستُكملت بآخر وزيد عليها من آخر، إلا أنّها، بعد تراكم إعادات الإنتاج لها، نتاج عموم الشعب.

وما يجعلها نتاجاً جمعيّاً هي المناسبات التي اقتُرنت الأغاني بها، أو التي كانت سبباً أو مناسبة في أن تُغنّى ويُعاد غناؤها، كالأفراح والأحزان، الزّواج والولادة والحصاد والمطر، الموت والحرب، وغيرها. وهذه كلّها مناسبات جماعيّة، تُردّد أغنياتها جماعةً، ولا يحتاج أحدهم ليكون موسيقياً كي ينفخ في اليرغول أو النّاي أو القربة أو يضرب على الدربكّة أو الطّبل، مرافقاً لهذه الأغنيات. في كل عائلة وحارة هنالك من يجيد النّفخ وهنالك من يجيد الضرب، كما أنّ هنالك من يجيد الرّقص، الدّبكة تحديداً، وهؤلاء كثر، كونها مقرونة بالأغنيات كما يُقرن بها لحنها وكلماتها، وكذلك مناسباتها.

اليوم، في حاضر الهويّة الفلسطينيّة، تُردّد بعض هذه الأغنيات، في الأعراس تحديداً، إنّما بتقشّف يتفاوت حسب المجتمع الفلسطيني الذي يتم إحياء العرس فيه، في فلسطين أو خارجها، في المخيّمات أو في الجوار، في أوروبا أو في أميركا. لكن اليوم كذلك، يتم إعادة إحياء لهذا التّراث بفعل فردي، لا جماعي كما كانت دائماً.

وإعادة الإحياء هذا ينحصر في تحديث التراث، أو نقله بشكل جديد، أو إدخال آلات موسيقيّة غريبة عليه، أو نوتات موسيقيّة، أو بتغيير الكلمات والطريقة التي تُغنّى بها، وغيرها مما يمكن أن يُسمّى تحديث التراث، أو تجديده، ما يصل إلى إدخال للجاز.

والفلسطينيّون، للظرف التاريخي الذي تعيش فيه أجيال من هذا الشّعب، يستحضرون التراث في فنّهم الرّاهن أكثر من غيرهم، وليس هذا الاستحضار سوى تأكيد (أساساً) على هويّة هذا الشعب الثقافية، وأنّ لهذه الهويّة ماضٍ، وأنّ هذا الماضي كان على هذه الأرض، وأنّها جزء طبيعي من بلاد الشّام، ثقافياً واجتماعياً، فكان التراث حاضراً حتى في أكثر النّتاجات الفلسطينية الحاليّة تجريبيّة وحداثة.

الأمثلة على ذلك عديدة، قد تكون أبرزها فرقة «الفنون الشّعبية الفلسطينية» التي تحافظ على سمة الجماعيّة في أداء أغنياتها والتي عادة ما ترفقها برقص جماعي كذلك، وهنالك العديد من الفرق الأخرى التي تعيد إحياء التراث جماعياً. لكن فردياً هنالك ريم كيلاني التي أضافت للتراث الغنائي أبعاداً جديدة في أدائها، مدخلةً الجاز إليها، هنالك أمل مرقس والراحلة ريم بنّا، تغنّيان تراثاً فلسطينياً مُحدّثاً كذلك، للتحديث لدى مرقس طابع شرقي، ولدى بنّا غربي. هنالك سناء موسى، وهي أقرب من غيرها إلى النُسخ المُغنّاة قديماً، ولإنتاجها الغنائي، كما هي الحال مع كيلاني، بعدٌ بحثيّ. هنالك فرقة «دام» التي أدخلت الأغاني التراثية إلى الرّاب، وهنالك «روح٤٧» التي استحدثت أسلوباً خاصاً جداً بها كان التراث أحد مكوّناته، وغيرهم كثر، ويصعب إيجاد مغنٍ فلسطيني لم يغنّ التّراث، بخلاف آخرين في بلاد أخرى حيث يكون غناء التّراث اختصاصاً، وليس مُعمّماً على المغنّين باختلاف نوع الغناء وجنسه لأسباب غير فنّية.

لكن لكلٍ من هؤلاء أسلوبه فيما يمكن أن يراه تحديثاً للتراث، هنالك من أدخل آلات عديدة لم تُستخدم في التراث الغنائي قديماً، مؤدياً إياها مع فرقٍ موسيقيّة، هنالك من أعاد غناءه بأسلوب خاص مدخلاً تغييراته التي تميّزه عن غيره، أمّا التراث ذاته، كما غُنّي قبل موجات التحديثات الفرديّة، فلا أحد من هؤلاء، ولا غيرهم، بعلْمنا، غنّاه كما هو، كما غنّاه شعبنا، أو نساؤنا تحديداً، على مدى عقود طويلة، كما ماتزال تحفظه جدّاتنا اليوم، ما ورثنه عن أمّهاتهن وجدّاتهن.

يمكن إيجاد تسجيلات للتراث المُغنّى في الانترنت، وهي قليلة وقديمة وبجودة منخفضة لنساء مسنّات مجهولات تغنّين، جماعةً، واحدة من أغنياتنا التّراثيّة، دون اجتهادات شخصيّة في تحديثه، تراثنا بصورته الأصليّة. يمكن الاستماع إلى هذه التسجيلات لكنّها تبقى متفرّقة وضائعة ومجهولة المصدر، تحتاج إلى الحفظ والتوثيق والدّراسة وإعادة الغناء بشكل احترافي وعلميّ يعيد إحياءها كتراث جماعي لهذا الشعب، كما هي.

يعرف الكثير من الفلسطينيين العديد من أغنيات التراث بشكلها المُحدّث، كإنتاجات جديدة، ويحفظ البعض الكلمات الواردة فيها ويغنّيها كما هي في هذه النّسخ، لكن لا أعتقد أنّه يسهل إيجاد من يغنّيها بشكلها الأصلي، أو بواحد من أشكالها الأصليّة، الجماعيّة، كتراث قديم لا كإنتاج فنّي جديد. يعرف أحدنا النّسخة التحديثيّة لأغاني التراث ولا يعرف أغاني التراث ذاتها.

تحديث التّراث ضرورة (ثقافية وجمالية)، دمجه مع الغريب عنه من أساليب غناء وأنواع موسيقيّة وآلات كذلك ضرورة. لكن أين هي النّسخة المتوارَثة؟ هل من جهة قدّمت التراث كما غنّته جدّاتنا؟ لا أعتقد. وليس هذا النّقص في الثقافة الفلسطينية، أو في النّتاج الثقافي الفلسطيني، في صالح دفاعنا عن تراثنا في مواجهة الرّواية الصهيونية التي لا توفّر فرصة للفصل بين حاضر الشعب الفلسطيني وماضيه، أو بين هويّته وتراثه.

هذا المقال هو جزء من ملف “الأغنية الفلسطينيّة، سردية الناس والمكان” إهداء لذكرى الفنانة الفلسطينيّة ريم بنّا. وهو من إعداد رشا حلوة.

رمان 2018-06-12

”جناحُ فلسطين“… خارج السّياق

– هي لا تفكّر بغير المزاح!
– إلى من تتحدّث؟
– إلى المشاهدين.

تنظر آنا كارينا إلى الكاميرا، إلى المشاهدين الذين تحدّث إليهم جان پول بلموندو، يتشكّل إطارٌ في فيلم جان لوك غودار، إطارٌ خارج سياق باقي إطارات الفيلم، تأخذه ”مؤسسة الفيلم الفلسطيني“ لتصنع به هذا الملصق.

فكرته مأخوذة عن الملصق الرسمي لمهرجان ”كان“ السينمائي لهذا العام، والمصنوع من صورةٍ من الفيلم ذاته، «بييرو المجنون»، يقبّل فيها كلٌّ من آنا وجان پول بعضهما، في لقطة آمنة داخل السياق الذي تجري فيه باقي مَشاهد الفيلم.

هنا، في الملصق الفلسطيني، خاطبت الشّخصياتُ الجمهور، وهي ليست تقنيّة جديدة آنذاك، فقبل غودار بسنين اشتغل عليها ونظّر لها الألماني بيرتولد بريخت في المسرح، وقبله بسنين كذلك كتبها دوستويفسكي في الأدب، إنّما لم يحُل الزّمن دون بقاء هذه التّقنية ثوريّة وخارجة عن المألوف والإطارات والسياقات والمتوقّع.

وهذا الخروج عن السياقات المفترَضة مسبقاً، هو ما يمكن أن يكون ”صورةَ“ الحضور الفلسطيني في هذا المهرجان، بعدما كان في أفلام مشاركة (لسليمان وخليفي وأبو أسعد وحاج…)، تجسّدَ هذا الحضور اليوم في جناحٍ ثابت يُنصب لأوّل مرّة، ويشير لمكانه علمٌ فلسطيني.

شخصيّةُ غودار (آنا كارينا) التي تخرج عن ”السياق الرسمي“ للفيلم وحكايته، فتنظر إلى الطّرف الآخر من العالم، إلينا، تقوم بفعل تمرّدٍ على القوانين المسبقة التي ”لا يجوز“ تجاوزها سينمائياً، بل نعرف أنّ مجرّد النّظر إلى الكاميرا، دون حتى التّصريح بأنّ الشخصيّة في الفيلم تُشاهد المشاهدين وتحادثهم، أي أنّها تأخذ أمكنتهم كتحريض ليأخذوا مكانها، أي تحريض على الفعل وليس الاكتفاء برد الفعل (يعيدنا ذلك لمسرح بريخت)، مجرد النظر إلى الكاميرا، بصمت، كان فعلاً ”ثورياً“ سابقاً لفيلم غودار هذا الذي أُنتج عام ١٩٦٥ (سأخرج عن إطار المقالة هذه وأذكّر بأنّه العام الذي انطلقت فيه الثورة الفلسطينية المعاصرة، العام الذي خرج فيه الفلسطينيون عن الإطار الذي رسمه لهم العالمُ آنذاك)، نعود إلى الفعل ”الثّوري“ السابق لفيلم غودار، وكان في «الصيف مع مونيكا» للسويدي إنغمار بيرغمان، حيث اللقطة الأخيرة والطويلة والصامتة التي تقلبُ فيها مونيكا الأدوار بينها وبين مشاهديها، فتشاهدُنا نُشاهدُها.

وكما أنّ الحضور الفلسطيني يأتي ”كخارجيّ“ في المهرجان، في مفهوم المهرجان الذي صار مع غيره من المهرجانات أقرب لما قاله غودار عنها بأنّها ”مؤتمر لأطبّاء الأسنان“، اختار الفلسطينيون (أبناء الفدائيين) لجناحهم إطاراً خارجياً عن ذاك الذي اختاره أطباء الأسنان لأنفسهم، مُعارضاً له، متقصّداً تفكيك أدوات تراكم رأس المال المبني على حقوق الملكية الفكرية، مستخدماً المشهد ذاته إنّما بلقطة مغايرة، لقطة نقديّة تتفاعل مع الفكر مقابل اللقطة الحسيّة اللحظية في ملصق المهرجان.

يحتفي المهرجان بغودار باختيار لقطة من فيلم له، غودار السّاخط دائماً عليه، منذ ما قبل صراخه الشّهير في دورة المهرجان قبل نصف قرن، في الدورة المزامنة لثورة عام ١٩٦٨. ويحتفي به الفلسطينيون الحاضرون في أفلام له منها «هنا وهنالك» و«موسيقانا» و«إشتراكية»، قائلاً في أحد مَشاهدها بأنّ اليهود عام ١٩٤٨، بوصولهم إلى ”الأرض الموعودة“، دخلوا إلى الخيال، إلى العالم الرّوائي، والفلسطينيون، بخروجهم من الأرض، دخلوا إلى العالم الوثائقي.

اليوم، بأفلامهم وبصناعتهم السينمائية، بتقديم هذه الصّناعة، والجناحُ الفلسطيني هو المثالُ الحاضر هنا، يقدّم الفلسطينيون حكايتَهم، روايتَهم، ينتشلون أنفسهم من العالم الوثائقي كموضوعٍ ليُدخِلوا بأنفسهم تاريخَهم إلى العالم الروائي، يحكون بلسانهم هم، وكاميراتهم، للعالم حكايتَهم.

رمان 2018-05-07

اليرموك… لا ربّ ولا أهل ولا مكان

في مقالتي الأولى غير الافتتاحية لهذه المجلة، كتبتُ «عن ”التّجمع“ وعنّا»، أن ”لا يجب أن تعني حملة الاحتلال الأخيرة على ”التجمع“ الحزبَ وأهلنا في الداخل بقدر أقل مما تعني باقي الفلسطينيين.“

تذكّرتُ المقالة التي كتبتها عن حزبٍ أختلف معه وأتّفق في مسائل عدّة، مصرّاً على أنّ أي ملاحقة لأي فلسطيني من قبل الاحتلال هناك، لممارسته فلسطينيته بشكل من الأشكال، هي ملاحقة لكل فلسطيني، خارج البلد كما في داخله، تذكّرتُ ذلك وأنا أفكّر لا في حزب ولا في ملاحقة، بل في مخيّم وفي تدمير.

وتردّدتُ كثيراً قبل كتابة هذه الأسطر، فلا أريد أن أنادي الشقّ الآخر من الفلسطينيين، هناك داخل البلد، سائلاً إيّاهم عن إمكانية التّضامن مع مخيّم يُدمّر. مجرّد كتابة هذه الأسطر يعني أنّ هنالك نوعاً من المناداة، والأسوأ أن هنالك نوعاً من المقابلة: أنّي كتبتُ وتضامنت معكم، افعلوا شيئاً وتضامنوا معي!

لا. ليس هذا ما أريده، لا لي ولا لكم.

لا أريد لهذه الأفكار أن تنضج، أن تتطوّر، أن تجد نفسها في مجال يجعلها واقعية وملحّة وصادقة. أريدها أن تبقى مخاوف تتردّد بين فينة وأخرى، دون أن تؤكّد حضوراً ما في لحظة ما من الزمن الراهن لهذا المخيّم، وهو زمن تدمير لحق اجتياحاً وحصاراً وتجويعاً وتهجيراً.

هل نحتاج لترديد كل هذه المفردات كلّما حدّثناكم عن المخيّم!

ليست هذه مناداة ولا استجداء، ولا طلباً لردّ ”الجميل“، هي مطالبة لأهلنا في كل مكان بتحمّل مسؤولياتهم تجاه المخيّم الذي لا غاية للفاشية الأسدية هذه الأيام سوى محوه: مكاناً وذاكرة وهويّة.

ولا أطالب هنا قيادات لا السلطة الفلسطينية ولا منظمة التحرير ولا الأحزاب بألوانها ومواقعها، فلا آخذهم على محمل الجد، ولا الأفراد والمؤسسات ممن يجدون تبريراً للفاشية هناك أو حتى يتلذّذون بها، فهؤلاء وحوش مكبوتة، بل أصدقاءنا من أهلنا، من يعرف أنّ هنالك حالة محوٍ مستمرة للمخيم من قبل مجرم حرب يمارس عليه ما مارسه على باقي المناطق في سوريا.

أعطونا مبرّراً واحداً لهذا البرود تجاه المخيّم. أستطيع أن أفهم سعادة الشبّيحة من الفلسطينيين بتدمير المخيّم لكنّي لن أستطيع فهم صمتكم.

لسنا بالمناسبة أقلّ فلسطينية من أحد، وليس اليرموك وباقي المخيّمات الفلسطينية خارج البلد أقل فلسطينية، كمكان، من أي منطقة داخل فلسطين، فالأمكنة يحدّد هويّتها أهلُها وتفاعلهم معها، ثورتنا الفلسطينية خرجت من هذه المخيّمات، جورج حبش وخليل الوزير وغيرهم خرجوا من هذه المخيّمات التي لا يكفّ النّظام السوري عن تدميرها، تاريخياً، منذ تل الزعتر إلى نهر البارد والآن اليرموك وخان الشيح. ذاكرتكم الفلسطينية هي هنا، في هذه المخيّمات.

لا تخرجوا بمظاهرات، فلم يكن أهل اليرموك يخرجون كلّما ضرب جندي رصاصة على فتاة في فلسطين كي يخرج أحدٌ كلّما رمى جندي برميلاً على عائلة في المخيّم. إن لم تجدوا فلسطين ناقصة دون المخيّم فلا تخرجوا، إن لم تجدوا أنفسكم ناقصين دون أهلكم في المخيّم فلا تخرجوا.

الحياة كذلك أحياناً، لا ربّ ولا أهل ولا مكان.

رمان 2018-04-28

دار النشر الحيفاويّة تلك، المحتمية بإسرائيل

من سيكون المقصود بذلك غير ”دار راية للنشر“! ليس لأن لا دار غيرها في حيفا بل لأنّها الوحيدة التي يمكن أن تخطر على البال متى قيل ”المحتمية بإسرائيل“.

ليس هذا جديداً على الدّار في تجربتها معي على الأقل، فقد صدر لي كتاب عنها قبل ٣ سنوات وكانت عمليّة نصبٍ تامّة كتبتُ عنها آنذاك، وكان ”الاحتماء بإسرائيل“ مبرّر تلك العمليّة إذ لن أتمكّن (كلاجئ فلسطيني) من نيل حقوقي من الدار أو صاحبها بشير شلش. ولآخرين تجارب مماثلة معه كما عرفت إثر نشر المقالة.

ولأنّ السّطو على أملاك الغير ميزة إسرائيلية، بل قانون سمّوه ”أملاك الغائبين“ يأتي سطو هذه الدار في سياقه الطّبيعي إذ تحتمي بواقع أن هنالك احتلال لفلسطين، وهنالك ”عادة“ سطوٍ على أملاك اللاجئين منهم، وأنّ لـ ”راية“ حصّتها من هذا السّطو، تمارس ما يحلو لها باطمئنان، فلا طريقة لمحاسبتها إلا ضمن مؤسسات دولة الاحتلال قوانينها، وهذا ما لن يقبله لنفسه من يرى في مدينة كحيفا النقيضَ من هذه الدار وصاحبها المستفيد من حقيقة أن المدينة محتلّة.

في شهر تمّوز الفائت راسل بشير شلش الزميلَ أوس يعقوب لسؤاله عن مادة كان قد أعدّها بالتنسيق معي كمحرّر لهذه المجلّة، ونشرناها في ذكرى ميلاد غسان كنفاني على جزأين بتاريخ 2017/04/08. المادة هي يوميات كنفاني المنشورة خلال العقود الماضية في أكثر من مكان، اشتغل عليها أوس وحرّرتُها للنشر في رمّان.

بعد ذلك بأشهر، يُنشر خبر عن كتاب تصدره الدار يحوي يوميات كنفاني، فتواصلَ أوس مع شلش يسأله عن الموضوع، ليعرف أنه نشر اليوميّات ذاتها وأنّه، أي أوس، مذكور في إشارةٍ آخر الكتاب بصفته المصدر لهذه اليوميات التي جمّعها، وبصفته معدّ الملف. سأله أوس مراراً في المراسلات -وقد أطلعني عليها إثر إدراكه لما ارتُكب بحقّ المجلة- عن عدم ذكر اسم المجلّة كمصدر نقلت عنه الدّارُ اليوميات، ولم يكن شلش يردّ بغير تكرار أنّه ذكر اسم أوس (الذي أكّد له أنّ معدّ الملف لذكرى ميلاد كنفاني كان المحرر -أنا- وليس هو).

ما كان لشلش أن يسطو على محتوى مجلة رمان الثقافية ويعيد طباعته ونشره للتكسّب لو كان يعرف أنّ المجلّة -أنّ محرّرها مثلاً- يمكن أن يحاسبه وهو محتَمٍ بدولة الاحتلال. لكن المسألة مختلفة قليلاً هنا، إذ يمكن محاسبته، فالمجلّة تابعة لمؤسسة اسمها ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين“ وهي مرخّصة في فرنسا وحقوق محتواها محفوظة، ما يعني أنّ المؤسسة تستطيع إجرائياً مقاضاة الدار. لكن حقيقة أنّ تعاملاً مع قوانين دولة الاحتلال (ذاتها التي تحتمي الدار بها) سيكون ضرورياً لذلك، تحتّم علينا إسقاط الاحتمال من أساسه، ما يجعلني أكتفي بهذه المقالة كوَسمٍ (آخر) لدار النّشر ”الحيفاويّة“.

المراسلات بين شلش وأوس موجودة كدليل على مضمون هذه المقالة، وكذلك نسخة PDF من الكتاب الذي سرقت الدار محتواه من مجلّتنا، بل نسخت ولصقت المحتوى -ببساطة- كما هو، ما الذي يجعل -مثلاً- هذا التاريخ (8/ 4/ 1965) يظهر بمسافتيْن كان يجب أن تُحذفا، في الكتاب، لو لم توجد كذلك -بخطأ تحريري منّي- في المجلّة؟ وقد تكرّر ذلك في مواقع عدّة من اليوميات.

لن نطلب اعتذاراً من الدار، ولن نطلب منها الكفّ عن الاحتماء بحقيقة أنّ هنالك احتلال في حيفا هي مستفيد أساسي منه، فلا هذه ولا تلك مُتوقّعة من صاحبها. وإن كان من أمر إيجابي هنا -لنبحث عنه في كل هذا الخراب- فهو الإخبار (مجدداً) بأنّ هنالك يوميات جديرة بالقراءة كتبها غسان، جمّعناها ونشرناها هنا بجزأين دون أي كسب مادي منها (بل دفعنا أجر إعدادها)، لتنسخها الدّار بأخطائها التحريرية وتطبعها فتتكسّب منها!

السّطو على ”أملاك الغائبين“ ثم المتاجرة بها، والاحتماء بدولة الاحتلال للإفلات، هذا كلّه في كفّة، وأن يكون ذلك باسم غسان كنفاني في كفّة.

اليوميات في المجلّة: الجزء الأول | الجزء الثاني

الكتاب بصيغة PDF

رمان 2018-03-20

أربعون عاماً على رحيله… ثلاثة نماذج فيلمية لهيتشكوك

كتبتُ في ديسمبر الماضي، وبمناسبة البرنامج الاستعادي في السينماتيك الفرنسية في باريس، المخصص للمخرج البريطاني ألفرد هيتشكوك، كتبتُ عن هيتشكوك كمخرج غير مفضّل لديّ، وقارنته بآخرين مفضلين كغودار ودي سيكا، ذكرتهما تحديداً لأن برنامجاً استعادياً لكل منهما تلا برنامج هيتشكوك، وكتبت عن كليهما هنا، الأول في يناير والأخير في مارس.

اقرأ المزيد

الكلام في «ألف ليلة وليلة» و«پيرسونا»

قد يبدو المثالان متباينين في مقاربة الكلام، فأحدهما كتاب والآخر فيلم، الأوّل كلاسيكي والآخر حديث، إنّما في كليهما أمثلة على تفوّق الكلام والحكي في الإخبار، على غيره من الأشكال الفنية، في الأوّل يكون على الشّعر وفي الثاني يكون على الصّورة المتحرّكة، وكلاهما -الشعر والصورة- أشكال إخبارٍ تُضاف للنثر/الكلام. اقرأ المزيد

عن الفلسطيني الصهيوني الذي ترشّح لنوبل

اسمه عزيز ضومط (١٨٩٠-١٩٤٣)، وقد ترشّح لجائزة نوبل للأدب عام ١٩٣٦، تلك التي كسبها الأميركي أوجين أونيل. وُلد في القاهرة وعاش بين القدس وحيفا قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، لكن ليس هذا ما يهمّنا هنا.

كتب فاروق وادي أمس سائلاً عن ضومط، عن الجهل به. ونشرنا قبل قليل ترجمةً لفصل من كتاب قد يعرّف أكثر بالرّجل. وهنا، بهذه الأسطر، سأحاول ”التّعريف“ أكثر به، فلا يكفي أن يكون كاتبٌ ما فلسطينياً مترشّحاً لنوبل، كي نحتفي به. ويبقى سؤال الصّديق وادي عن ضومط مطروحاً لضرورة أن يبقى البحث عن هذا الفلسطيني ومواقفه جارياً، ولعلّ مقالتي هذه تقدّم مساهمةً ما.

المواقف تؤخذ في سياقاتها التاريخية، والسياق التاريخي لعزيز ضومط ومواقفه المعبّر عنها في أدبه، هي فلسطين ما قبل النّكبة، فلسطين الهجرات اليهودية والمستوطنات الأولى، ففي زمن كان الفلسطينيون يقاومون فيه هذه الهجرات، كان ضومط يدعو إلى التعايش المشترك، وذلك واضح في رد ألبرت آينشتاين (شخصياً) على ضومط برسالة عام ١٩٢٩ قائلاً: ”… أوافقك تماماً على ضرورة العمل لإيجاد مجتمع يهودي-عربي يقرّب الشعبيْن المتقاتليْن وينفي المتطرفين الوطنيين…“*

قد يكون السياق الأنسب لفهم مواقف ضومط الذي نادى باكراً جداً بالتعايش بين أهل الأرض والمحتلّين الجدد هو طرحُ غسان كنفاني في دراسته «ثورة ٣٦-١٩٣٩ في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل»، وذلك أخذاً بعين الاعتبار ما ذكرتْه حفيدة ضومط في مقابلة لها بجريدة «الحياة» (٤/١٢/٢٠٠١) بأن: ”عادَ عزيز ضومط من فلسطين (إلى ألمانيا) ومعه وثائق تشير إلى مكانة عائلته الاجتماعية في فلسطين وأنه يوجد عندهم أملاك كثيرة ويحظون باحترام الجميع.“

وأخذاً للمواقف -دائماً- في سياقاتها، فلن نستغرب ”صهيونيّة“ ضومط وموقفه من الهجرات اليهودية إلى بلده مستعينين بدراسة كنفاني التي تناول فيها موقف الإقطاع -أو بكلمات الحفيدة: مَن ”يوجد عندهم أملاك كثيرة“- في فترةٍ كتب عنها كنفاني بأنّ ”عمليّة تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من حالة الانتداب البريطاني إلى حالة الاستعمار الإسكاني الصهيوني، وصلت إلى ذروتها، كما رأينا، في منتصف الثلاثينيات، والواقع أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد أُرغمت على تبني شكل الكفاح المسلّح لأنّه لم يعد بوسعها أن تظل متربعة على سدة هذه القيادة في وقت وصل فيه التناقض إلى شكل صدامي حاسم.“ (منشورات الهدف، ١٩٨٨، ص٥١).

أما بخصوص ”صهيونيّة ضومط“ (الذي أهدى روايته ”لحاييم وايزمان الذي أصبح فيما بعد رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، والذي يكنّ له ضومط الكثير من الاحترام**)، فيمكن للفقرة التالية من مقدّمة كنفاني لكتابه ذاته أن توضّح المقصود، إذ أن ”أصوات المهادنة العربية التي أخذت تظهر منذ الثلاثينات وأوائل الأربعينات لم تكن أصوات أسياد الأرض والفلاحين المتوسطين بصورة عامة. ولكنها كانت أصوات كبار برجوازيي المدن العرب الذين كانوا مجرد وسطاء للإمبريالية والذين بدأت مصالحهم تتسلق المصالح المتسعة للبرجوازية اليهودية الآخذة في شق طرق التصنيع، خالقة في الوقت ذاته وكلاءها.“ لن نستغرب إذن أن يعمل ضومط ”لإيجاد مجتمع يهودي-عربي يقرّب الشعبين المتقاتلين وينفي المتطرفين الوطنيين“ للحفاظِ على ”الأملاك الكثيرة“ وتسلّقِ ”المصالح المتسعة للبرجوازية اليهودية“.

لا أحتاج لـ ”حقدٍ طبقي“ كي أربط هذه بتلك!

وضعتُ ضومط ومواقفَه في السياق التاريخي الذي تناولتْه دراسةُ كنفاني لأقول أن لا سبب يدعونا لا لأن نتجاهل الرّجل، بل لنقدّم لا أجوبة، بل إشارات لمن يود البحث أكثر إن سأل يوماً عن الكاتب الفلسطيني الذي ترشّح عام ٣٦ لجائزة نوبل.

ضومط هذا ”صنع لنفسه اسماً، خاصة في أوروبا، بأنه المسيحي العربي الذي قاتل إلى الجانب الصهيوني وقد كتب مسرحية عن الموت البطولي للبطل القومي ترمبيلدور.“***

أمّا جوزيف ترمبيلدور، فهو ”بطل قومي صهيوني“ ساهم في الهجرات اليهودية الباكرة إلى فلسطين وقُتل في معركة عام ١٩٢٠ في مستوطة شمال فلسطين. لا بدّ أن الفلسطيني الذي قتله حينها هو النّقيض من ضومط وهو الأقرب لفلسطينيين لاحقين كجورج حبش ووديع حداد، وهو الجدير بالسؤال والبحث عنه، لا ضومط الذي انتقل إلى ألمانيا النّازية ومات هناك عام ١٩٤٣، ونظّمت له الدولة ”جنازة رسمية مهيبة شاركت فيها شخصيات ذات مراتب عالية في الدولة كما شارك ألفا عسكري ألماني في الدّفن وأطلقت ثلّة من الحرس الألماني إحدى عشرة طلقة تحيّة له.“ حسب حفيدته في المقابلة ذاتها.

وهذه -ضومط والنازيّة- مسألة أخرى جديرة بالبحث كذلك…

* Einstein on Israel and Zionism: His Provocative Ideas About the Middle East. Editor: Fred Jerome
** The Ottoman Middle East: Studies in Honor of Amnon Cohen. Editor: Elie Podeh
*** What Ifs of Jewish History: From Abraham to Zionism. Editor: Gavriel D. Rosenfeld

رمان 2017-12-28

عن ”البقاء في حيفا“

كالعديد من المسائل الفلسطينية هو إميل حبيبي، إشكالي مُختلَف عليه لاعتبارات لا تكون عادة في مكانها، هل كان لا بدّ أن يُغتال كي يخرج من المساحة الإشكالية؟ لدينا مشكلة نحن الفلسطينيين فلنعترف بها، هي أنّ الاستشهاد ”يجبّ ما قبله“، مثالان بارزان هنا هو محمود درويش (هو كذلك مسألة إشكالية) وياسر عرفات الذي صار، وقد اغتيل بالسّم كما تبيّن، شهيداً وبطلاً ”قومياً“ فلسطينياً، أمّا درويش فبقي مسألة إشكالية لدى الكثيرين، وذلك لقربه من عرفات! اقرأ المزيد