آخر المقالات

قلقُ الذكريات المُستعارة

لأنّي ضد التصنيفات، وجدتُها فرصة حين عرفت أن للورقة التي سأقدّمها موضوعٌ هو “ملامح الرواية الفلسطينية المعاصرة”، فرصة كي أقول أنّ ليس هنالك ما يمكن تصنيفه بالرواية الفلسطينية المعاصرة، ببساطة لأنّ الكلمة الإشكالية -الأكثر إشكالية- في العبارة هي “فلسطينية”، فـ”الرواية” لها معالم واضحة تطوّرت واتّسعت لأشكال نصّية عديدة، و”المعاصرة” مفردة أقل إرباكاً من “رواية”، أمّا “فلسطيني” فهي كتصنيف، يصعب تحديدها، يصعب اختصارها بنماذج من الرواية التي يكتبها فلسطينيون معاصرون، وذلك يعود ببساطة لكون الفلسطينيين مجتمعات منفصلة، ومنها ما هو داخل مجتمعات أكبر فتتقاطع معها، ومجتمعاتنا هذه غير متجانسة، لأفرادها تجارب وحيوات لا صلة لها ببعضها، وكل ذلك تطوّر واتّخذ أشكاله منذ عام النكبة، وكل ذلك يحول دون تعميمٍ يكون دقيقاً نسبياً، مهما أُتيح له أن يكون واسعاً، يُطلِق صفة “وطنية” هي “فلسطيني” على مجموعة من الروايات.

سأجدني، إذاً، عاجزاً، عن تناول عموم الرواية الفلسطينية وملامحها لسببين: أولهما أنني غير مقتنع أن التجارب الروائية الفلسطينية المعاصرة متجانسة، فلا ملامح واضحة لها يمكن اختصارها في ورقة، ولا أرى ذلك عيباً فيها بل غنى يزيد بمواضيعه المتفاوتة (من رواية تعيش شخصياتها في حيفا إلى أخرى في مخيم اليرموك إلى أخرى في رام الله إلى أخرى في باريس…) يزيد بمواضيعه قيماً إضافية إلى عموم الأدب الفلسطيني اليوم. وثاني السببين أنّ تناولاً لموضوع كهذا يحتاج ناقداً وباحثاً وليس روائياً بالكاد يستطيع الحديث عن تجربته الخاصة.

هذه التجربة الخاصة التي كتبتُها خلال السنوات الأخيرة في روايتين هما «تذكرتان إلى صفورية» و«سيناريو»، هي تجارب غريبة عن أخرى لآخرين في أمكنة “فلسطينية” أخرى، بأسئلة وهموم “فلسطينية” أخرى.

لي في الروايتين المذكورتين سؤال أساسي، قلق أساسي، ارتباك أساسي، علاقة متأزّمة مع المكان غير الموجود، المكان الذي لم أشكّل فيه ذكريات، ومع المكان -الآخر- الذي لم أختر أن أشكّل فيه ذكريات، ومع المكان -الأخير- الذي لم أختره والذي أشكّل فيه ذكرياتٍ لأيام قادمة لا فكرة لي أين سيكون مكانها. أحكي بذلك (كذلك) عن الشخصية الرئيسية في «تذكرتان إلى صفورية»، يوسف، الذي عاش بين دبي ومخيم اليرموك ليجد نفسه أخيراً في مدينة فرنسية بعيدة، حيث بدأ بتشكيل ذكريات أرادها أن تكون في قريته التي هُجّر جدّه منها، صفّورية، المكان المستثنى من ذكريات يوسف. وبالتالي أي علاقة له مع مكانه الأصلي/الأوّل يمكن تبريرها بذكريات آخرين، ذكريات بصيغة الغائب لا المتكلّم. بتجارب آخرين، لا بما يتعلّق به هو، بل بجدّه الذي نقل من ذكرياته إلى خياله هو، فكانت علاقة يوسف بصفورية هي صور جدّه، ذكريات جدّه وأحاديثه التي صارت عنده حكايات منقولة.

في «سيناريو» يذهب كريم أبعد من يوسف في علاقته مع مكانه الأصلي، أو تذهب هذه العلاقة إلى ما هو أشد قلقاً وإرباكاً ليسائل نفسه إن كان، دون ذكريات، فعلاً ينتمي لما انتمى جدّه إليه يوماً، إلى الأمكنة التي تشكّلت فيها ذكريات جدّه. كريم من حيفا، وهو (كيوسف) لاجئ من فلسطينيي سوريا ويعيش في فرنسا. يلتقي بريما الآتية من حيفا إلى باريس، ريما التي كبرت وعاشت في المدينة التي يَفترض كريم أنّه منها، ريما التي أتت إلى باريس بذكرياتها الخاصة، لتُحدّث كريم عنها وعن أمكنة تلك الذكريات، كريم الذي لا يملك غير الحديث بذكريات جدّه المستعارة، ذكريات الغائب، أو الذكريات التي هو كان غائباً عنها. يتساءل في حضور ريما إن كان فعلاً ينتمي للمدينة التي تنتمي هي إليها، إن كان فعلاً ابن حيفا كما هي ريما ابنة حيفا، وذكرياته تتراوح بين القديم منها في المخيم في سوريا والحديث منها في باريس.

سؤال الذكريات وعلاقتها بالأمكنة وانتماء صاحب الذكريات لهذه الأمكنة، مسألة “شتاتيّة” بامتياز، هي ملمح أساسي (ومُغيّب) لما يمكن تسميته بالرواية الفلسطينية المعاصرة، إنّما ملمح غريب تماماً عن ملامح أخرى قد تكون لكاتب أمضى طفولته في أي قرية أو مخيم أو مدينة في فلسطين، في أي حارة في فلسطين، حيث لا يضطر للتساؤل إن كان فعلاً ابن هذا المكان الذي يعيش فيه ويشكّل ذكريات، أو حتى لكاتب كان المخيم (خارج فلسطين) دائماً فلسطينه، فعلاقة ابن المخيم الباقي في مخيمه أحدثت، لأسباب مكانية وزمانية واجتماعية، علاقة انتماء لهذا المخيم جعلت من الذكريات فيه ذكريات فلسطينية تامّة، فعلاقة الفلسطيني ابن المخيمات بمخيّمه فلسطينية كما هي علاقة ابن أي بقعة في فلسطين، بها. وهذا ما زاد من قلق كريم في «سيناريو» الذي لم يعرف، وهو لاجئ في باريس خرج من مخيم حمص، إن كان يريد العودة من مكانه الجديد إلى المخيم أم إلى حيفا، ففلسطين التي يعرفها، حيث شكّل ذكريات طفولة، هو المخيم الذي انقطع عنه دون عودة مرتقبة أو قريبة إليه كما يبدو.

كريم، وقبله يوسف، هما ضمن حالة جديدة في عموم المجتمعات الفلسطينية، لا ذكريات ولا انتماء يكون مباشراً وشخصياً للمكان الأول في فلسطين، انتماؤهما المفترض هو للمخيم في سوريا الذي اضطرّا لتركه واللجوء إلى أوروبا مع استحالة العودة إليه -قريباً على الأقل- ومع قطعٍ مفاجئ لذكرياتهما فيه. وجدا نفسيهما في أوروبا التي سيصنعان فيها لجوءهما الخاص، غير ذلك المتوارَث كالذكريات. سيعيدان تشكيل ذكريات لهما فيها لألفة محتملة، أو ممكنة، لهما فيها، دون أن يدرك أي منهما، وقد وجدا نفسيهما منقطعين عن مكانهما الأول في فلسطين، في مكان ثالث، دون أن يدرك أحد منهما أن يوماً قد يكون قريباً، ستكون فكرة الذهاب إلى فلسطين -ذهاب ولا أقول عودة- ستكون واقعية بجواز سفر أجنبي، فيدخل الفلسطيني إلى فلسطين، بجواز غريب عنه وبسماح من غريب عن بلده.

هناك، في المكان الذي ما عُرف إلا كذكريات الجدّ، كذكريات مُستعارة، سيدرك يوسف وكريم وغيرهما أن المكان ليس مكانهم، أنه غريب عنهم، أنهم غرباء عنه، قد يحنّ أحدهم إلى المخيم الذي عرفه، أو المدينة الأوروبية التي ألفها، قد يحاول إقحام نفسه على الأمكنة، كما فعل يوسف الذي قرّر أن يدخل إلى مطعم ويطلب وجبة عرف أنّها موجودة من خلال موقع المطعم على الإنترنت، أن يدخل ولا يتلفّت إلى جدران المطعم، كأي فلسطيني يعيش في الجوار، قد يحاول يوسف والآخرون الادعاء أنّهم أبناء لهذا المكان، كأبنائه، لكنّهم سيدركون، في حضور أبناء المكان تحديداً، أنّهم آخرون بالنسبة لهم، أنّ المكان مكان آخرين.

حاول كريم أن يتحدّث بلهجة أهل حيفا المدينة لا أهل حيفا المخيّم، إنّما، أمام ريما، وقد أتت من حيفا قبل أيّام من لقائها بكريم الذي خرج جده من حيفا قبل سبعين عاماً، تلاشت كل الكلمات التي أدخلها إلى لهجته، عاد واختبأ بلهجته الأصلية، لهجة أهالي المخيم، لهجة حيفاويي المخيم، هناك حيث لا ذكريات لحيفا المدينة، بل المخيم.

لن تُسعف الذكرياتُ المستعارة لا يوسف ولا كريم ولا كاتبَ هذه الأسطر في تبرير علاقته بتلك البلاد، بأمكنة تلك البلاد. قد لا يكون أمام أحدنا سوى البحث عن “الجيّد في ذلك”، الجيّد في أن يكون غريباً أينما حل، في أن يكون مستقلاً، منفصلاً، متحرراً، متخففاً…

هذا سؤال وقلق وارتباك آخر مازلتُ أبحث عنه في شخصيات روائية…

ورقة، حال رفضُ السلطات المغربية إعطاء كاتبها الڤيزا دون إلقائها خلال “الأيام الثقافية الفلسطينية” ضمن فعاليات وجدة عاصمة الثقافة العربية!

رمان 2018-12-26

فلسطينيو سوريا في أوروبا… على أطراف المجتمعات

اليوم، بعد سبعين عاماً على احتلال فلسطين وتهجير نصف شعبها، وبالتالي تقسيمه، من سنتها، ١٩٤٨، إلى مجتمعين أحدهما داخل البلد والآخر خارجه، صار الفلسطينيون أكثر تشتّتاً، زمانياً ومكانياً، وصار المجتمعان مجتمعات.

وخلال السبعين عاماً هذه، تعاظم عدد الفلسطينيين ليصير من ١,٩ مليون، عام النكبة، تهجّر منه ٧٥٠,٠٠٠، إلى ١٢,٤ مليون داخل فلسطين وخارجها، فخلقت هذه الأرقام مجتمعات متفاوتة، وساعدت السبعون عاماً على تكريس هذا التفاوت وبالتالي خلق مجتمعات فلسطينية في منافيها، هي فلسطينية بقدر ما هي ابنة المجتمعات المحليّة، وقد تكون أقل.

لكل من المجتمعات الفلسطينية هذه عناصر يمكن أن تمايزها عن الأخرى، ما يباعد بين كلّ منها، وبين ما يمكن تسميته بالمجتمع الفلسطيني بالعموم، فهذه بالأساس تسمية افتراضية، تلاشت منذ عام النكبة، وحلّ محلّها ”الشعب الفلسطيني“ للدلالة على عموم هذه المجتمعات، داخل البلد وخارجه، في المدن والقرى، في المخيمات والشتات. فكانت -الشعب الفلسطيني- عبارة سياسية أكثر منها اجتماعية، أو كانت الإشارة الوحيدة للفلسطينيين عامة، كأصحاب قضية واحدة تجعل منهم شعباً واحداً، وإن بمجتمعات متباينة متداخلة بمجتمعات أخرى يمكن أن تحمل لنفسها تسمية ”المجتمع الواحد“.

داخل فلسطين، هنالك الأرض المحتلة من البلد عام ٤٨، والأرض المحتلة عام ٦٧، في الأولى هنالك شمال ووسط وجنوب، مدن وقرى. وفي الأخيرة هنالك ضفة وغزة، مدن ومخيمات وقرى. في الخارج، على الوسع الجغرافي، تكون التمايزات غير محصورة، فهنالك المخيمات والشتات، في الأولى لكل تجمع ما يميزه: مخيمات لبنان وسوريا والأردن، وهنالك سكّان المدن في هذه البلدان، في الأخيرة يمتد التمايز إلى العالم أجمع، من تشيلي حيث صار للفلسطينيين أجيال، إلى أستراليا وكندا، وباقي قارات العالم، بما في ذلك أقرب الأمكنة خارج بلدان المخيّمات، كدول الخليج وشمال إفريقيا، لكن مرتكز الشتات، اليوم تحديداً، هو في أوروبا التي استقبلت آلاف الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، هم القادمون من المخيمات في سوريا.

وكل ذلك امتدّ لأجيال، على مدى سبعين عاماً، ما يرجّح مقولة أن لا وجود لمجتمع فلسطيني، بل لمجتمعات فلسطينية تكوّن بمجملها الشعب الفلسطيني، ونسبة عالية من هذه المجتمعات الفلسطينية هي بالتوازي مجتمعات محلّية في أماكن تواجدها، ففلسطينيي سوريا، مثلاً، هم مكوّن للشعب الفلسطيني، هم مجتمع فلسطيني له خصوصياته، هم كذلك من مكوّنات المجتمع السوري، والحال كذلك في كافة أماكن تواجد الفلسطينيين، أفراداً وجماعات.

يحيلنا ذلك إلى تشقّق جديد في تكوينات الشعب الفلسطيني، رافق الخروج السوري من سوريا، بما تضمّنه من خروج فلسطيني من سوريا، فالمخيّم الرئيسي في ذلك البلد، اليرموك، تهجّر كامل سكّانه وسُوّيَ بالأرض. في أوروبا اليوم آلاف العائلات والأفراد من فلسطينيي سوريا، من كافة المخيمات والمدن هناك، مهجّرون إلى كل العالم، بما في ذلك لبنان وتركيا، ولكن أساساً إلى غرب أوروبا، ألمانيا وهولندا وفرنسا وسويسرا والنمسا، والسويد في شمال أوروبا، ليصير الحضور الفلسطيني في أوروبا أكثر تعقيداً وكثافةً.

كما أنّه لا يمكن أن نقول أنّ الشعب الفلسطيني، بمجتمعاته كافة، يتشارك هموماً يومية واجتماعية واقتصادية متماثلة، فهو، في أوروبا، الأقل تشاركاً فيما بينه، فهذه قارة واسعة ولا يجب أن يحيلنا الحديث عن أوروبا، كمكان واحد، إلى مجتمع فلسطيني واحد، هو في فرنسا كما هو في السويد. وفي هذه القارة تحديداً، حيث الاتساع الجغرافي والتفاوت الثقافي والأنظمة السياسية، استجدّ الحضور الفلسطيني السوري فيها، أي فلسطينيي سوريا، إنّما هو حضورُ أفراد وعائلات، فيبقى الحضور أقل من أن يكون مكوّناً أساسياً لما يمكن تسميته بفلسطينيي أوروبا.

هؤلاء القادمون من مخيّمات سوريا، توزّعوا بغير إرادتهم على دول القارة ومدنها وقراها النائية، لنجد أنّ مخيّم حمص -مثلاً- موزّع على مناطق عدّة في هولندا وألمانيا، والحال كذلك فيما يخص باقي المخيمات في سوريا وباقي المناطق في أوروبا. والمجيء القسري لهؤلاء، وحالة اللجوء بمعانيها وارتداداتها لديهم، لن تسمح لهم بالالتئام مع المجتمعات المحلية، بمن فيها المجتمع الفلسطيني هناك، الحاضر في أوروبا منذ ما قبل الأزمة في سورية، أي القادمين غالباً بإرادتهم لأسباب معيشية اقتصادية عائلية، لدول ومناطق اختاروها مسبقاً، يستقبلهم فيها، غالباً، من يمكن أن يهيّئ لهم بيتاً وعملاً…

تواجُد الفلسطيني القادم من سوريا، في أوروبا، أضاف إلى التواجد الفلسطيني السابق عليه في هذه القارة تعقيدات وارتباكات لما يمكن أن يكون عليه التواجد الفلسطيني بالعموم، لما يمكن أن نقول عنه، هؤلاء هم فلسطينيو أوروبا وهذه هي همومهم. فهم في أمكنة لم يختاروها، خرجوا مهجّرين من سوريا، مفتّتين في أوروبا، على مستوى العائلة الصغيرة، إلى هذه القارة الكبيرة.

حالة التراوما الملحوظة لدى هؤلاء -فلسطينيي سوريا- في أوروبا، تحول دون اندماجهم بالمجتمعات الفلسطينية السابقة هناك، وبطبيعة الحال بالمجتمعات المحلية في تلك البلدان، فتقاربَ أصحاب الهمّ الطارئ والراهن إلى بعضهم البعض، فلسطينيو سوريا والسوريون، ولدى هؤلاء وأولئك الأسباب ذاتها التي أودت بهم إلى أوروبا، هم بذلك أبناء هموم راهنة أتوا من مناطق متقاربة إلى أخرى، بعيدة جداً في أوروبا، متقاربين فيها كذلك، وللغربة والوحشة تأثيراتها.

هذا ما يجعل فلسطينيي سوريا في أوروبا جزءاً من المجتمع السوري في هذه البلد، أكثر من كونهم جزءاً من المجتمع الفلسطيني، يمكن ببساطة ملاحظة ذلك في الأنشطة والاعتصامات والتظاهرات التي تشهدها أوروبا فيما يخص كل من المسألتين الفلسطينية والسورية، بالملاحظة سنجد حضوراً أكبر لدى فلسطينيي سوريا في تلك الأنشطة الخاصة بسوريا، بأحداث سورية راهنة، مع انقطاع شبه تام لدى الفلسطينيين القادمين إلى أوروبا من مناطق أخرى وبأزمنة أخرى سابقة للأزمة السورية. والفلسطينيون غير القادمين من سوريا غير حاضرين في تلك الأنشطة، المعنية بالمسألة السورية، ما يوسّع الهوّة بين فلسطينيي سوريا من جهة وباقي الفلسطينيين في جهة أخرى، في أوروبا، ويضيّقها بينهم وبين السوريين في أوروبا، القادمين منهم إثر اندلاع الثورة تحديداً، والنشطين في كل ما يخص الأحداث في سوريا والتفاعل معها على الساحات الأوروبية. كل ذلك يساهم، مع غيره، في جعل الأفراد والعائلات الفلسطينية القادمة من سوريا، جزءاً من المجتمع السوري في أوروبا (لنسمّه كذلك تجاوزاً) والمتكوّن حديثاً، أكثر من كونهم جزءاً من المجتمع الفلسطيني هناك، لكن لهذا أسئلته كذلك.

الشعور بالانتماء إلى مجتمع فلسطيني بعينه، عند فلسطينيي سوريا الواصلين حديثاً، في السنوات السبع الأخيرة، إلى أوروبا، هو هنا، في هذه القارة، امتداد لشعور كان راسخاً في المخيم، كمجتمع فلسطيني له جانبه السوري، كمجموعة سكّانية هي مكوّن للشعب الفلسطيني كما هي مكوّن للمجتمع السوري، بعلاقات وأفكار ومشاعر طبيعية على كلا الجانبين.

في أوروبا اختلف الأمر قليلاً، فالشعور بالانتماء إلى الشعب الفلسطيني يأتي أولاً كامتداد لشعور سابق يبدو وطنياً رومانسياً، مع غربة آنية يملؤها التماهي مع باقي السوريين المهجّرين من بلادهم، ويتسبب بها عزل باقي الفلسطينيين لأنفسهم عن القادمين الجدد من سوريا، يبدأ بعدم الاكتراث بالمشاركة في أنشطة واعتصامات متعلقة مباشرة بتهجير هؤلاء من مخيماتهم، وينتهي بالتأييد المباشر للمتسبب بتهجيرهم وتدمير بيوتهم.

ليست المسألة الفلسطينية هي المحصورة بالأرض المحتلة عام ١٩٦٧، وإن كانت الأحداث تشتعل بين سنة وأخرى فيها أكثر مما هي في أمكنة أخرى من فلسطين كالأرض المحتلة عام ١٩٤٨. المسألة الفلسطينية هي حيث تواجد فلسطينيون، أو حيث بنى الفلسطينيون أمكنتهم، هي المخيّمات خارج البلد كما هي المدن والقرى داخل البلد، ما يعني أنّ المسألة الفلسطينية هي مسألة الإنسان الفلسطيني وليس مسألة فلسطين الخارطة. يحيلنا ذلك إلى القول بأن لا مسألة فلسطينية متآلفة حاضرة في أوروبا. هنالك مسائل فرعية تشكّل معاً المسألة الفلسطينية بالعموم، أمّا الخلل هنا فهو في أن تشكّل معاً ذلك، فهذه الـ ”معاً“ غير حاضرة، هي افتراضية أكثر من كونها واقعية يمكن مشاهدتها على الساحات الأوروبية، فليس هنالك هم فلسطيني أو هموم فلسطينية في أوروبا، تخصّ فلسطينيي أوروبا، ببساطة لأنّ ليس هنالك ما يمكن تسميته بـ ”فلسطينيي أوروبا“، هنالك، بالتحديد، مجموعات متفرّقة تشكّل بجمعها معاً، قسراً ونظرياً، ما يمكن تجاوزاً تسميته بـ ”فلسطينيي أوروبا“.

اليوم، وهؤلاء جميعاً يعيشون الذكرى السبعين لبدء نكبتهم، لاحتلال بلدهم وتهجير أجدادهم منها، ليجدوا أنفسهم في أمكنتهم المتباعدة في مجتمعات غير متماثلة، لا تجمعهم هموم المجتمع الواحد، إنّما هموم الشعب الواحد، في كافة أماكن تواجده.

تباعدَ أفراد هذا الشعب وتجمّعاته زمانياً ومكانياً إلى أن صار الحال ما هو عليه، ما حاولت هذه الأسطر نقله ”بتشاؤله“، (بمفردة إميل حبيبي). ولا يبدو أنّ فلسطينيي أوروبا -لنسمّهم ذلك تجاوزاً- يتّجهون لتآلف فيما بينهم، كفلسطينيين، ولا يبدو أنّ مجتمعاً فلسطينياً أوروبياً يتشكّل، محتوياً فلسطينيي سوريا.

بعد سبعين عاماً، مازال الفلسطينيون ممن وصلوا خلال كل هذه السنوات إلى هذه القارة وبقوا فيها، أفراداً أو جماعات صغيرة. ما يمكن أن يجمع بينهم وبين بعضهم هو ما يمكن أن يجمع بين أي منهم وبين أي متضامن مع القضية الفلسطينية، وهي أسباب سياسية غير اجتماعية، هي بُنى فوقية وليس تحتية، وفي ذلك يتأرجح الفلسطينيون في أي مدينة أوروبية بين كونهم أبناء شعب واحد وبين كونهم أفراداً في مجتمع أجنبي يتشاركون وإياه هموماً لا علاقة لباقي الفلسطينيين بها، وبين استمرار لتآلف مع اللاجئين السوريين، رفاقهم في اللجوء الجديد.

نُشرت في فصلية “سياسات” الصادرة عن معهد السياسات العامة في رام الله، بعنوان “الفلسطينيون في أوروبا… شتات سبعين عاماً”.

رمان 2018-12-05

ستانلي يحدّثنا في «كوبريك من قبل كوبريك»

هنالك دائماً جانب نقدي لدى سينمائيين لا يكتفون بالعمل الفنّي، بل يتجاوزونه إلى القراءات النقدية أو الفكرية لأعمالهم ولعموم السينما، فيكون النّقد مرجعياً لديهم كما هي أفلامهم مرجعيات لدى آخرين. هؤلاء المخرجين هم مثقّفون كما هم فنانون، وهم، كذلك، قلّة. اقرأ المزيد

«آخر الشهود»… آخر الكلمات

لطالما قال الفلسطينيون إنّ مأساتنا/نكبتنا هي الأكبر في التاريخ المعاصر (على الأقل)، ليلحقهم السوريون و”ينافسونهم“ على ذلك قائلين إنّ مأساتنا الرّاهنة تخطّت كل ما سبقها. لم أضع ”مأساتنا“ في الادّعاءين أعلاه بين علامتَي تنصيص لأنني (لحسن حظّي أو لسوئه) أجدني ضمن هؤلاء وأولئك، فـ ”نا“ المتكلّم تعود، لسوء حظّي وحسب، عليّ كذلك.

على كلّ حال، لم تسحرني يوماً تلك المنافسة على مَن تألّم أكثر، أو فجع أكثر، ولو عاد الأمر لي لاخترتُ أن أكون من بين الخاسرين، أوائل الخاسرين، ألّا أجدني يوماً واحداً من ”آخر الشّهود“ لمأساتيْنا.

اطّلاعي المتواضع -فعلاً- على مآسي شعوب أخرى منحني -نعم، بكل وقاحة- ارتياحاً بأنّنا، كفلسطينيين وسوريين، شركاء مع آخرين كثر في مآسي هذا العالم، آخرين كثر حكوا كثيراً عن مآسيهم. ونحن، ما لم يحكِ أحدنا، أو كلٌ منّا، عن مأساته الفردية ضمن سياقها الجمعيّ، لبقيت تتآكل في ذاكرتنا، نحن الضحايا.

”لماذا رويتُ لكِ هذا؟ الآن أشعر برعب أكبر من ذلك الوقت. ولهذا أنا لا أستعيد الذكريات…“ هذا ما قالته إحدى الشّهود لسفيتلانا أليكسييفتش في «آخر الشهود»، متفادية الحديث عمّا حصل.

جمّعت الكاتبة البيلاروسية (نوبل للأدب ٢٠١٥) شهادات عديدة، وهي ذكريات لمن كانوا أطفالاً في الأيام الأولى للحرب العالمية الثانية في العاصمة مينسك، شهادات تكرّرت خلالها الرغبة في التوقّف عن الحديث أو سرد الذكريات.

لا تنتهي المأساة متى انتهت ممارستُها، أو ممارسة أسبابها، بل تمتد في أذهان ضحاياها الصّامتين عنها، المخبّئينها في دواخلهم، واضعين أملهم، أو ثقل أملهم كلّه، في النّسيان، فتبقى المأساة حالة فردية معزولة عن سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي، تبقى قصصاً وصوراً في أذهان أصحابها تموت بموتهم.

ما فعلته أليكسييفتش في عموم منجزها الأدبي/الصحافي هو استخراج هذه القصص من أفواه أصحابها، وتوثيق مأساة حدثت بمكان وزمان محدّدين، لتتخطى المأساةُ كونها حالة إنسانية إلى كونها فعلاً سياسياً لمرتكبه هويّة واضحة، وليدرك أمثالنُا أنّ مأساتهم تجربة إنسانية ”عادية“ ومشتركة وليست (لحسن الحظ أو لسوئه!) فريدة.

الشهادات في هذا الكتاب هي ذكريات عن طفولة هؤلاء يوم سمعوا لأوّل مرّة أن الحرب قد اندلعت، أو -كأطفال- سمعوا بالكلمة لأول مرة، لحظتها تنقلب حياتهم كأن تُلغى حفلة أو رحلة ليحلّ محلّها لجوء إلى قرية أو قبو. تنقلب في ساعات قليلة، تقول إحداهن: ”في صباح يوم ٢٦ حزيران/يونيو سلّمت أمّي الأجور إلى العاملين، حيث كانت تعمل في شعبة المحاسبة في المصنع. وفي المساء أصبحنا لاجئين.“ كأنّها تعيد صياغة التجربة الإنسانية ذاتها التي كتبها غسان كنفاني في «أرض البرتقال الحزين»: ”وعندما وصلنا صيدا، في العصر، صرنا لاجئين.“

تمتد الذكريات/الشهادات إلى اللحظات الأقسى في سنوات الحرب كلّها، ودائماً يكون الحديث على ألسنة أطفال، وإن أتى بعد سنوات طويلة من حدوثها، فقد أنجزت أليكسييفتش الكتاب بين ١٩٧٨ و٢٠٠٤، وقد كان الشّهود في أوائل الأربعينيات أطفالاً، فكان ما حكوه أشدّ تلقائية. هي المشاهدات الأولى، هي اللحظة التي تعرّف فيها الطفل على معاني كلمات مثل فقر وحصار واختفاء وقتل وتعذيب ولجوء…

إن فكرة أن يحكي الفلسطينيون عن مأساتهم، أن يحكوا عن الخوف، عن اللجوء، عن المجازر التي عاشوها عام النكبة، حضرت في العديد من الأعمال (أدب وتوثيق وسينما…)، لكنّ شعوراً قوياً لديّ يبقى طاغياً هو أنّنا لم نحكِ كفايةً، أنّنا لم نُخبر بحكايتنا، لم نعلن مأساتنا كفايةً، ذلك و”آخر شهود“ نكبتنا يرحلون تباعاً، ليبقى الكثير من القصص الفردية خارجةً عن سياقها الجمعي ونكون، كفلسطينيين، قاصرين عن توثيق أكبر عدد ممكن من هذه القصص وجعلها تجربة إنسانية يشترك معنا بها آخرون.

اليوم، أحاديثنا عن النّكبة صارت منقولة، ما سجّلناه قد وثّقناه، وما بقي مكتوماً ولمُ يُحكَ خوفاً من استعادة النكبة الممتدة في أذهان شهودها، مات مع أصحابها. وهذا ما لا يجب أن يحصل مع السّوريين.

تُنهي أليكسييفتش كتابها الممتع بقدر ما هو مؤلم، بشهادة أخذت منها عنوان كتابها: ”توفّيت أولاً أمّنا الرائعة، ومن ثمّ توفّي أبونا. وأحسسنا فوراً، أحسسنا بأنّنا آخر من يقف عند ذلك الحد، عند ذلك الطّرف. نحن آخر الشّهود. إن زماننا يُختتم. ويجب علينا أن نتحدّث… وكلماتنا ستكون آخر الكلمات.“

رمان 2018-11-12

ستبقى زاويتك في مكانها يا سلامة

ليس من السهل الكتابة، هنا، حيث كان سلامة حاضراً دائماً، عن غيابه. بدأت المجلّة به، في انطلاقتها، واستمرت مقالاتُه في حضورها بشكل منتظم، طوال أكثر من سنتين، لتتقطّع أخيراً بسبب المرض، وتنقطع مساء أمس، مرة وإلى الأبد.

ليس من السهل أن يكون سلامة ذاتاً في المجلّة ثم يتحوّل إلى موضوع فيها، أن يكون بانياً أساسياً لخطّها السياسي والفكري، ويتحوّل، في ساعة واحدة، إلى مرجع نهائي له مواقف ونصوص يمكن الاتكاء عليها لتفسير وإدراك ما يحصل بعدها، دون موقف راهن ومباشر ومكتوب منه، أو محادثة سكايب.

الصّورة التي استطاعت هذه المجلة تكوينها، بمواقفها السياسية والأخلاقية، تعود بالدرجة الأولى إلى سلامة، إلى مقالاته وأحاديثه، وقد أخبرتُه بأنّ رمّان استطاعت أن تكون مجلّة يساريّة بفضله أولاً، لحضوره بأفكاره وتحليلاته وآرائه السياسية والثقافية والفكرية.

لن أرثي هنا سلامة، فهو باق بنصوصه، بمقالاته وكتبه وحواراته. ليس الرثاء ما يتمناه سلامة، بل مواصلة المشوار، على النهج الذي شكّله هو للمجلّة.

لن نرثي سلامة بل سنَعدُ بأن نبقى على الطريق، سأعده دون أدنى فكرة لديّ إن كان سيصله ذلك أم لا، إن كان سيطّلع على هذه الأسطر أم لا، سنعده لأنفسنا أوّلاً وله ثانياً.

إضافة إلى كاتب هذه الأسطر، سلامة هو الوحيد الذي ساهم في إطلاق المجلة بمقالة له تحدّد موقف المجلة تجاه المسألة السورية، واستمرّ معها إلى أيامه الأخيرة، إلى أيام قليلة من اليوم الذي أكتب فيه هذه الأسطر وأنشرها، حين أخبرني بأنّه ينهي مقالته عن سمير أمين وسيرسلها قريباً، وأنّ الفحوصات والحالة الصحية هي التي أخّرته.

لطالما تحادثنا في الملفات التي نفتحها للمجلة، لطالما بحثنا في السلاسل التي كتبها، كإحاطة متكاملة لموضوع نحدّده، كتب في زاويته ”في الماركسية“ سلاسل عن ”تبسيط الماركسية“ و ”نقد اليسار“ و ”ثورة أكتوبر“ وأخيراً ”الدولة الواحدة“، مع مقالات متفرّقة تناولت المسألتين السورية والفلسطينية.

ستبقى زاويته في مكانها، إنّما مكتملة لا يُضاف إليها، سنضيف، أصدقاء سلامة ورفاقه، ملفاً إلى الملفات التي ألّفها سلامة، ملفاً على اسمه، يكون هو الموضوع لا الذات، يكون الطريق بعدما شقّها، وسنكون في المجلّة أوفياء له، لما كتبه فيها ولما استطعنا، بسنتين ونصف، أن نكونه: المجلة اليسارية الفلسطينية السورية التي تشبه، أكثر ما تشبه، سلامة وفكره، أو ما صار ممكناً قوله الآن: تراثه.

رمان 2018-10-03

”المخطوطات لا تحترق“

هذا ما قاله الشيطان، فولند، إلى المعلّم، وهذا ما حصل فعلاً، إذ أنّ الأوّل طلب من مساعده، القط بيغيموت، أن يحضر له المخطوط الذي أحرقه المعلّم إثر كتابته، فوثب القط عن الكرسي الذي كان/صار سحراً ”رزمة سميكة من المخطوطات“.

هذا في حصل في رواية الرّوسي ميخائيل بولغاكوف «المعلّم ومرغريتا»، هذا ما حصل في خيال المؤلّف الذي كان قد أحرق هو بنفسه مخطوطات سابقة له، منها نسخة أولى من هذه الرّواية التي ستصير واحدة من أهم الكلاسيكيات الأدبية في القرن العشرين.

أما سبب الإحراق هنا فهو الخوف مما يمكن أو يؤدي إليه المخطوط من اعتقال، أو ”اختفاء“ كما هو الحال في الرواية وكما هي الصورة الأصلية التي انعكست عنها حكاية الرواية، والحديث هنا عن الاتحاد السوڤييتي الستالينيّ في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أحرق كل من المعلّم في الرواية وبولغاكوف في الواقع مخطوطه خوفاً من السلطة وأتباعها من المثقّفين والنّقاد، في موسكو.

لكن في الثلاثينيات كذلك، كان هنالك نوع آخر من الإحراق، في مكان آخر تماماً، حيث تمّ إحراق ما تمّ ”تبجيله“ في المكان الأوّل، وذلك في برلين النازيّة، إذ حمل العديد من الطلّاب الألمان آلاف الكتب ”المناهِضة للألمان“ لتجميعها وإحراقها في الساحات العامة، كان ذلك في ١٠ أيار ١٩٣٣، في ساحة الأوبرا، بحضور جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي آنذاك، في عملية منظّمة. ومن بين الكتّاب الأبرز ممن حُرقت أعمالهم كان كارل ماركس وفريدريك إنجلز وروزا لوكسمبورغ، وذلك موثّق في متحف ”Topography of Terror“ (طبوغرافيا الرعب) في برلين اليوم.

ولأنّ الواقع ضمن أنظمة توتاليتارية، كالستالينية والنازية، هو واقع ديستوبيّ، كارثيّ ومرعب، يمكن لفيلم الفرنسي فرانسوا تروفو «Fahrenheit 451» (١٩٦٦) أن يقدّم صورةً لذلك، فالشخصية الرئيسية فيه تعمل كرجل إطفاء إنّما يحبّ القراءة، وذلك في عالم ”خيالي“ حيث تكون مهمّة رجال الإطفاء هي إحراق الكتب، الأدب تحديداً لأنّها ”تحرّض“ على الخيال والتفكير، ما يجعل مجموعة من ”المتمردين“ ينقذون الكتب بأسلوبهم: كلٌّ منهم يحفظ كتاباً عن ظهر قلب، فيُسمّى باسمه، وما إن يحفظ أحدهم كتاباً، يتلفه فلا يُعتقل بسببه. الفيلم مأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للأميركي راي برادبوري، صدرت عام ١٩٥٣.

وهذا ما نقرأه في «المعلّم ومارغريتا»، إذ يقول المعلّم لحبيبته قبل أن يطيرا كأرواح، بعد موتهما، بأنّ لا حاجة له بأن يحمل المخطوط معه، فقد حفظه في ذاكرته، وفي تعليقات نقديّة على الرّواية نقرأ أن حفظ النّصوص (المخطوطات) قبل إتلافها كان شائعاً لدى كتّاب سوڤييت.

ما أعطى عبارة بولغاكوف ”المخطوطات لا تحترق“ مكانة بارزة في سياق الرّواية ككل -فكانت ”موتيفاً“- هو واقعيتها في حياة المؤلّف نفسه، ومصيريّتها في أن يخرج هذا الكتاب لقرائه، إن كانت كرواية بولغاكوف أم حكاية/مخطوط المعلّم (داخل الرّواية) الذي كتب بولغاكوف الرّواية عنه، وكذلك لسخرية الفكرة التي أتت نقيضة لمدى سهولة أن يُحرق مخطوط هنا أو كتاب هناك، في الواقع، وذلك ضمن مجتمعات تحكمها أنظمة توتاليتارية يكون الشّيطان -فولند، في الرّواية- ”أرحم“ بالمخطوطات من تلك الأنظمة والملحَقين بها من الكتّاب والنقّاد.

كتب بولغاكوف سرّاً روايته هذه في السنوات الإحدى عشرة الأخيرة من حياته (١٩٢٨-١٩٤٠)، بالكاد أنهى نسختها الأخيرة، يمليها وهو مريض على زوجته فتكتبها. مات بالمرض وخبّأتها لتُنشر في بعد ما يقارب ثلاثين عاماً، في ١٩٦٧، في باريس أولاً، ثم بالنسخة الكاملة في فرانكفورت بعد عامين. ووصلت لقرّاء العربية بترجمة بديعة من يوسف حلّاق، من دمشق عام ١٩٨٦، لتتوفّر اليوم بنسخ جديدة لدى أكثر من دار نشر (دار التنوير، دار المدى، منشورات الجمل) ولأكثر من مترجم.

ليس الحرق إلا شكل من أشكال المنع والحظر الذي يتّخذ اليوم، بعد نصف قرن على خروج رواية بولغاكوف (من تحت الرّماد) شكلاً أكثر ”تحضّراً“ إذ لا نار، إنّما النّتيجة تبقى ذاتها، من ذلك ما يمكن ملاحظته اليوم حولنا، لكن كذلك ما يمكن أن يسبق زمن بولغاكوف بسنين، ودون الابتعاد كثيراً عنه.

نيقولاي غوغول، الكاتب الروسي الذي تأثر به بولغاكوف وأشار أكثر من مرّة إليه في روايته، قام بنفسه، كذلك، بحرق المتبقي من مخطوط روايته «الأنفس الميتة»، تلقائياً، بتحريض من رجل دين، حفظاً لروحه من العذاب! ولم يكن لغوغول، لسوء حظّه، شيطانٌ يستعيد له مخطوطَه المحترق، بالسّحر.

رمان 2018-09-21

عامان على رمّان… نريد مكتبنا في حيفا

تكمل رمّان اليوم عامها الثاني، سريعاً، وقد أوجدت لنفسها مكانة خاصة في الصحافة الثقافية العربية، متمسّكةً بنوعيّة ما تقدّمه، مع تفاوت نسبي بين مادة وأخرى، ومتمسّكةً بتقديم جمالي للمادة المكتوبة، تحرص عليه، وباستقلاليتها وحرية كتّابها وجرأة محتواها.

في العام الأوّل كانت رمّان تتأسّس وتوسّع مساحةً لنفسها بين المواقع الإلكترونية والصحف العربية العديدة. في العام الثاني واصلت المجلّة مرحلة التأسيس والتطوّر، واستطاعت -رغم ميزانيتها المتواضعة- أن تنال الثّقة من قرّائها لتقدّم محتوى بمسؤولية أكبر -يدل على ذلك عدد القراءات وقبله اهتمام الكتّاب/القرّاء بالنّشر في المجلة- واستطاعت بذلك نيل ثقة العديد من المؤسسات والمهرجانات فكانت إمّا شريكاً إعلامياً وحيداً لها كما هو الحال مع ”جناح فلسطين“ في مهرجان كان السينمائي، وكما هو الحال مع حدث فنّي هام سيُنظّم قريباً، أو شريكاً إعلامياً مجاوراً لمؤسسات كبرى من صحف وتلفزيونات كما هو الحال مع «دار النمر» في بيروت و«مهرجان رام الله للرقص المعاصر» و«معرض الكتاب في فلسطين» وغيرها

وكان يمكن للمجلة أن تكون شريكاً إعلامياً في أحداث ثقافية أخرى إنّما طبيعة تلك الأحداث التي تتطلّب حصراً حضوراً في المكان، حدّ من إمكانية تغطية موسّعة للمجلّة وإن لم يمنع ذلك نشرَ مقالات ومواد منوّعة تخصّه.

ومن هنا سآتي إلى ”الخلل البنيَوي“ في العمل الصحافي الذي لن تستطيع رمّان التخلّص منه بصيغتها الحالية: موقعاً إلكترونياً يتناول عن بعدٍ الأحداث الثقافية الفلسطينية.

المجلّة، منذ تأسيسها، قدّمتُها في المقالة الافتتاحية كمجلّة ”أشبه بحال الشّتات الفلسطيني“ فتكون ”كونيّة بقدر ما هي محليّة“ وليس ذلك إلا تأثّراً ”بشكل مباشر ومتراكم بالمأساة الأولى، النّكبة“، فكان لا بد أن نكون، كصحافة فلسطينية، شريكاً ”إلكترونياً“ مع هذه المؤسسة الفلسطينية في بيروت وذلك المهرجان في حيفا والمعرض في رام الله…

أمّا الحال التي تنتظرها المجلّة لتتحقّق، فهي، ببساطة، أن ينهار الإنترنت، ثم تنهار إسرائيل -أو، أفضل: إسرائيل ثم الإنترنت- و”تعود“ المجلّة ومحرّرها إلى فلسطين، فنعود إلى الصحافة الورقية التي تصل أبواب البيوت، وإلى مكتب للمجلّة له عنوانه، لا مقاهٍ وبيوت لا قاع لها في مدن أوروبية.

ليكن هذا العنوان في حيفا، كمكتب رئيسي للمجلّة، مع مطبعة في النّاصرة (أو العكس، لن نختلف)، وكتّاب ثقافيين في رام الله والقدس وغزة، ومراكز توزيع للمجلّة في بيروت ودمشق والقاهرة. فتكون المجلّة محليّة حقيقةً، فلسطينية بالمعنى الذي تكون فيه أي صحيفة محلّية في بلد لا يخضع لاحتلال، فلا تكون صحافة منفى، ولا يكون تعاونها مع الأحداث الثقافية في البلد تعاوناً إلكترونياً، بتواصل إلكتروني يكون بين المحرّر وبين منظّمي الحدث، وكتّاب وصحافيين مجاورين لمكانه.

إلى حينه، حيث تقوم رمّان بدورها الطبيعي كمجلة ثقافية فلسطينية، تحضر بمحرّريها إلى المهرجانات والمعارض لتقدّم تغطيةً ونقداً ومراجعةً ورأياً، إلى أن تتحرّر فلسطين ويصير لرمّان مكتبٌ في حيفا أو الناصرة، ستبقى على صيغتها الإلكترونية، محاولةً أن تكون رديفاً جاداً لكل الحراك الثقافي الفلسطيني داخل البلد وخارجه.

رمان 2018-08-24

التبصّر: التّارو .vs الرّواية

أمامي، على الطاولة، وفوق كتب أخرى، منها ما أنهيت قراءته وتركته أمامي كي أعود إليه لفكرة كتابيّة ما، ومنها ما أقرأه بشكل متقطّع إذ لا تحتاج طبيعتُه القراءة المتواصلة. فوقها كتاب وصلني من صديقتي، جمّع محرّر الكتاب ما ذكره مؤلّفون كبار عن عادات الكتابة لديهم. سأعود للكتاب )لذلك هو هنا أمامي( إنّما ما يعنيني منه الآن هو تثبيت فكرة أنّ الكتابة مهنة كغيرها، تحتاج الانتظام، المداومة، التّمرين، وغيرها مما يمكن أن يشير إلى حرفة تُمارس يومياً. فمعظم المؤلّفين يكتبون كنوع من العمل الحرفيّ، ضمن ساعات عمل محدّدة من اليوم، بانتظامٍ يحرصون عليه.

أحالني إلى فكرة الكتابة كحرفة، أمران: أحدهما يخصّ ”انحرافات“ بدأتْ تتسلّل إليّ تخص التنبّؤ أو التبصّر لا كميزة أدبية روائية فهذه خرافة يخرطها الكتّاب على العالم (سأعود لذلك، فهذا هو الأمر الآخر)، إنّما تخصّ حياتي الواقعية، فمنذ أتتني صديقتي ببطاقات التّارو، محاولةً أقناعي (دونَ أدنى مقاومة عقلانية منّي) بأنّ شيئاً ما فيها حقيقي وواقعي، و”قرأتْ“ لي عنّي وعن أسئلة في ذهني طلبت مني التفكير بها قبل سحبي للأوراق التي ستقرأها، ثم بطاقةً بطاقة تنتقل إلى الحديث عما أفكّر به، تشرح البطاقات وتربط بينها بشكل لا يجعلني إلا أردّد  مبهوراً ”مزبوط“، رابطاً باقتناع تام بين ما تقوله وبين ما أفكّر به.

الأمر الآخر هو فقرة من رواية الفرنسي باتريك موديانو «دورا بروديه» يحكي فيها عن فكرة الاستبصار لدى الروائيين، يقول إنّه يعتقد بوجود المصادفات وأحياناً بهِبة التّبصّر لدى الروائيين، ويستدرك أن كلمة ”هبة“ ليست الأنسب كونها تتضمّن نوعاً من التفوّق، إنّما تأتي كجزء من المهنة: محاولات التخيّل الضرورية لهذه المهنة والحاجة للتركيز على تفاصيل محدّدة، وذلك بشكل هوسيّ، فكل هذا التوتّر والجمباز، كله يمكن أن يحرّض على الحدس فيما يخص الأحداث في الماضي أو المستقبل، وهو ما يعرّف به معجم ”لاروس“ كلمة ”استبصار“. (Dora Bruder, folio, p.52)

فالتبصّر حسب موديانو هو حدس يتم الاشتغال عليه، والأساس في ذلك هي المصادفات التي يمكن أن تجعل كتاباً ما، في لحظة منه، تنبّؤياً، وهذا هو حال رواية «1984» لجورج أورويل الذي لم يكن يبصّر فيه، بل ما جعله ”يتنبأ“ هي عملية فكرية ذهنية اجتهد لها، فكان أن جعلت مصادفاتٌ ما كتابَه يبدو كالمتنبّئ بزمننا الحديث، (قد يُحسَد أورويل على عملٍ بدوام جزئي في مكتبة للكتب المستعملة في لندن، أكثر ممّا يمكن أن يُحسد على ”هبة“ استبصارية ما).

ليست هنالك أي علاقة للتبصّر بالأدب، وليس الأول وظيفة الأخير، ولا علاقة لأدب الخيال العلمي بحديثنا هذا، فذلك خيال وعلميّ. والتبصّر في الأدب، ما لم يكن اجتهاداً، هو أقرب لرمية نرد في الكتابة عن غيبيّات، هو ”حدس“ كما قال الروائي الفرنسي، إما أن يصيب أو يخيب.

لذلك علق ما قاله موديانو عن التمرين وبعض المصادفات في ذهني (وتركت الكتاب فترةً أمامي لأعود إليه)، فكلمة ”هِبة“ فعلاً غير مناسبة في الحديث عن الأدب، هي اختصاص قارئي/ات بطاقات التّارو. والكتّاب، في الكتاب المُشار إليه أعلاه، كانوا مضطرّين لأن يعملوا لساعات طويلة، بأصابعهم وخيالهم، وبشكل يومي غالباً، كي يخرجوا بنصّ إبداعي (عظيم في حالتهم)، وما كانوا بحاجة للعمل طويلاً لو أن هبةً ما كانت لديهم، هبة التّبصر تحديداً.

إن أراد أحدنا البحث عن التبصّر، فهو هناك، وهو الاستبصار الوحيد الذي آخذه (الآن) على محمل الجد، هو بطاقات التارو التي تقرأها صديقتي (قد يتعلّق الأمر بها أكثر مما يتعلّق بالبطاقات!)، وهو -وليس الأدب- الأقرب لما يقوله «لسان العرب» إذ أنّ ”التبصّر: التأمّل والتعرّف. والتّبصير: التعريف والإيضاح… واستبصر: تبيّن ما يأتيه من خير وشر… وبَصّره الأمر تَبصيراً وتَبصِرةً: فهّمه إياه. وقال الأخفش في قوله: ”بصُرتُ بما لم يَبصُروا به“: أي علمتُ ما لم يعلموا به من البصيرة.“ وليس هذا ولا ذاك في الرّواية، بل في البطاقات الصّفراء.

إن أخذنا الأدب كمهنة، كتمرين، كجمباز، كالتزام شبه يومي، كساعات يعوّد أحدنا نفسه عليها، فيكثر النّقر على كيبورده، كتابةً وحذفاً، فإنّ تعريف «لسان العرب» هذا لا يمكن أن يتقاطع معه. والتبصّر إن قدّم نفسه ببطاقات التارو (من قارئة تعرف ما تفعل) فلنُنصت له، وإن قدّم نفسه بنصٍ أدبي فهو خرطٌ ونصب.

رمان 2018-08-14

السينما في الثورة… سيرغي آيزنشتاين وفن المونتاج

نُشرت في العدد الأخير من مجلة بدايات المخصّص لمئويّة الثورة الروسية

”من بين كل الفنون، الأكثر أهمية لنا هو السينما“. هذا ما قاله قائد الثورة البلشفية في روسيا، فلاديمير لينين، وهذا تماماً ما تعكسه الأفلام السوڤييتيّة الأولى، كوسيلة ”هامة“ و”لنا“، وضمير المتكلّم هنا يعود على الاتحاد السوڤييتي الوليد، وقالها في مقابلة بالتزامن مع أفلامٍ سنتناول أمثلة منها هنا، إذ كانت السينما السوڤييتية تتبلوَر بما يخدم مصالح الدولة، أو المصالح الطبقية التي تأسست عليها الدولة السوڤييتية، قبل أن تتحول سريعاً إلى بيروقراطية. ومن أهم الأفلام ”الهامة“ كان آنذاك، أفلام المخرج سيرغي أيزنشتاين، والحديث هنا عن عشرينيات القرن الماضي.

لكن قبل الوصول إلى أيزنشتاين، وإلى اثنين من أفلامه، سنمرّ أولاً على أخرى يمكن أن تعطي فكرة عن الطبيعة التقنية/الفنية لهذه السينما، إضافة إلى كونها ”هامة“ بالمعنى الدعائي لها، وكلمة “الدعائي“ لا تقصد الذّم بهذه الأفلام ولا المديح، إنّما التوصيف، ففيلم كـ «المدرعة بوتمكين» لأيزنشتاين، هو دعائي تماماً إنّما، في الوقت ذاته، يُعدّ من بين أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية ومن بين أوّلها موضوعاً للدراسة. ليست المسألة إذن حمل الشعارات من عدمه، أي ”الدعاية“ لصالح أفكار معينة من عدمها، بل في الكيفية التي تُنقل بها هذه الأفكار، والكلام بمعناه للروائي (الشيوعي كذلك) الفلسطيني إميل حبيبي.

موضوعات الأفلام بأربعة أمثلة

من بين هذه الأفلام فيلم «سقوط سلالة رامونوڤ» (١٩٢٧) للمخرجة إسفير شوب، وهو فيلم مبني تماماً على لقطات أرشيفية، واقعية، جمّعتها المخرجة وقطّعتها وولّفتها مضيفة إليها كلاماً متخلّلاً المَشاهد، لتصنع من خلالها حكاية هي، كما يشير العنوان، حكاية سقوط القيصر الروسي الأخير، مظهرةً المأساة التي كان فقراء روسيا، الغالبية الساحقة من الشعب، يعيشونها، فكان محتوى الفيلم مقدّمة للثورة، أو ربطاً سببيّاً بينها وبين ما يحويه الفيلم من حكاية وصور. وهذا الفيلم كان طليعياً، وكان مبنياً، تماماً، على التوليف/المونتاج.

فيلم آخر نذكره هو «نهاية سانت بطرسبرغ» (١٩٢٧) للمخرج فسيفولود بودوفكين، وفيه حكاية فلّاح روسي يترك أرضه ويذهب للعمل في المدينة، في مصنع. يومها يُضرب العمّال، فيَشي العامل الجديد بصديقه الذي استضافه في بيته، بأنّه أحد قادة الإضراب. في الفيلم، كذلك، شغلٌ أساسي على المونتاج، وإن كان بممثلين وأداء، وهو كذلك يظهر العلاقة بين الرأسمالية والحرب التي تحتاجها كي تبقى.

فيلم آخر هو «موسكو في أكتوبر» (١٩٢٧) للمخرج بوريس بارنيت، ويحكي باختصار عن سيطرة السوڤييتات (البلاشفة) على السلطة باقتحام قصر الشتاء في سانت بطرسبرغ عام ١٩١٧، وهو وثائقي بنفسٍ روائي، أو هو توليف روائي لأحداث ومَشاهد واقعية.

والأمثلة عديدة هنا، وذلك لاهتمام السلطات السوڤييتية بالسينما كفن ”هام“ يخدم مصالحها، أو كأداة دعائية أخرى، لكن الشكل بدأ يتغيّر مع الزّمن، إذ زادت الأفلام الروائية على حساب الوثائقية، مثال واحد نذكره هنا هو «لينين في أكتوبر» (١٩٣٧) للمخرج ميكايل روم، وهو فيلم روائي بامتياز، يجسّد فيه ممثلٌ شخصية لينين العائد إلى سانت بطرسبرغ من فنلدنا ليبدأ بالتنظيم للثورة المسلّحة مع رفاقه. والفيلم الذي صدر بعد عشر سنين من الأفلام السابقة المذكورة، تأثّر بسطوة ستالين الذي ظهر في العديد من المشاهد التي، أخيراً بعد موت الديكتاتور، حذفها المخرج وقد أدرجها دون رغبة منه.

هذه أمثلة يمكن إيجاد العديد مثلها، أو تكرارات لها في الإنتاجات السينمائية السوڤييتية الباكرة التي تشترك مع الأفلام المذكورة هنا في الشكل والمضمون، من الكيفية التي يُصنع بها الفيلم، باعتمادٍ أساسي على المونتاج، إلى الموضوع الذي ينقله الفيلم، وهو متعلّق بالثورة البلشفية، ما قبلها إذ كان مسبّباً لها، وما بعدها إذ كان نتيجة لها، وبما لا يخالف رغبة السلطات السوڤييتية بطبيعة الحال. إنّما الأبرز من بينها جميعها كانت أعمال المنظّر السينمائي والمخرج سيرغي أيزنشتاين، صاحب أفلام نتناول منها هنا «المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر».

October

سيرغي أيزنشتاين

قبل الحديث عن أفلامه، سنأتي على أيزنشتاين نفسه، كمخرج ومنظّر، وكما مررنا قبل أشهر بالذكرى المئة لثورة أكتوبر ١٩١٧، نمرّ هذا الشهر، في ٢٢ منه، بذكرى مرور ١٢٠ عاماً على ولادة أحد أعظم السينمائيين عبر كل الأزمنة وأكثرهم ”استقراراً“ لدى ”السينيفيليّين“، وذلك بفضل أفلامه كما بفضل نظرياته السينمائية، في المونتاج تحديداً، وهو كتب كذلك عن الصّوت والألوان وحتى أبعاد الشاشة البيضاء.

رحل أيزنشتاين باكراً، بعمر الخمسين في ١١ فبراير ١٩٤٨ (سنمرّ كذلك قريباً بالذكرى السبعين لرحيله)، فاستطاع بعمر قصير لا أن يكون سينمائياً عظيماً وحسب، بل أن يكون مؤسساً لسينما عظيمة، نظريةً وأفلاماً، وأكثر ما يمكن أن يُعرف به، نظرياً، هي طرائق المونتاج لديه، إذ يقول بأنّ المونتاج هو الفيلم بأكمله، والطرائق هي:

المونتاج المتريّ (القياسي) الذي يقوم على طول المشاهد. المونتاج الإيقاعي الذي يقوم على محتوى الصورة وحركات الصّور. المونتاج النغمي الذي يقوم على المضمون العاطفي للصور. المونتاج المافوق-نغمي، وهو المرحلة المتقدّمة من المونتاج النغمي. المونتاج الفكري والمعني بالأثر الفكري الذي يمكن أن يُترك على المُشاهد، وهو الأهم من بين الطرائق لدى أيزنشتاين.

كتب عن رؤيته الفنّية وقد كان يتحدّث عن فيلمه الطويل الأوّل «إضراب» (١٩٢٥): ”بخصوص الأساسات الفنّية لديّ، فنحن لا ننطلق من الحدس الإبداعي، إنّما من البنية العقلية للعناصر العاطفيّة، فعلى كل عاطفة أن تكون مسبقاً مادة مبنية على تحليل عميق وعلى حسابات، وهذا الشيء الأهم.“ فأيزنشتاين الذي جاء إلى السينما من الهندسة ماراً بالجيش الأحمر وبعده بالمسرح، كانت العلوم والرياضيات والعمليات العقليّة أساس إبداعه السينمائي الخاص، وكانت حامل تعريفاته وتطبيقاته لما هو الإبداع في الفنون، فيكون العمل الفنّي لديه مادة تحليلية عقلية، واجتماعية سياسية في الوقت ذاته، تعكس انتماءه للشيوعية ولانعكاس فهمه للماركسية في سينماه، فكانت أفلامه محكمة وتجريبية ونقيّة وإنسانيّة وكذلك ثوريّة وبالتالي طليعيّة، وكانت مقرونة بالنّظريّة، وذلك لا على المستوى السوڤييتي، بل العالمي في زمنه، والتاريخي إلى زمننا الحالي بعد ٧٠ عاماً على رحيله.

أيزنشتاين ابن ثورة ١٩١٧، كتب مرّة أن ”السينما هي في جانب منها صناعة، وفي جانبها الآخر فن، وعلى الأبعاد التجارية والاقتصادية لهذا الفن أن تكون خاضعة تماماً للمهام الاجتماعية والاقتصادية الموضوعة من قبل ثورة ١٩١٧… إن غاية السينما السوڤييتية قبل أي شيء هو تعليم الجماهير، منحهم الثقافة العامة والمعرفة السياسيّة، فهي تقود حملة دعاية ضخمة لصالح الدولة السوڤييتية وإيديولوجيتها… بالنسبة لنا، الفن ليس مجرّد كلمة، إذ لا نرى فيه سوى آلات تُستخدم في ساحة القتال ضمن صراع الطبقات وفي النضال من أجل بناء الاشتراكية، كما هو الحال، مثلاً، في صناعة المعادن.“

وهذا اقتباس مجتزأ من مشاركة له في عمل جماعي عن الفن في الاتحاد السوڤييتي، نلمس فيه رؤيته لدور السينما في المجتمع، في حديث باكر من القرن الماضي، في عشرينياته حين كانت الدولة السوڤييتية في طور التأسيس، وكان ذلك مزامناً لفيلمه «أكتوبر» الذي مجّد فيه الثورة البلشفية، ولفيلم «الخط العام» الذي تلاعبت به السلطات السوڤييتية. وكانت أفلامه أمينة لأفكاره، وهي ما عكسها هذا الاقتباس، فكانت، مثلاً، البطولة جماعيّة، بطولة الجماهير، وكانت أفلامٌ إرشاديّة، تحريضيّة، تنقل صراعاً طبقياً في السياق الروسيّ آنذاك، فكانت تحمل شعارات، كما ذكرنا سابقاً، ولا يضيرها ذلك، وإن كان لا بد من تساؤل فسيخصّ الكيفية التي يتم بها حمل هذه الشعارات، وهو سؤال يحيلنا إلى الأسلوب الفنّي لأيزنشتاين، أسلوب جعله أحد عظماء السينما العالمية، وهو أسلوب جعله يُهاجَم في الاتحاد السوڤييتي ذاته لاحقاً متّهَماً بـ ”الشكلانية“، بل حتي بـ ”الانحطاط“ ومعاداة الثورة. وإثر الجزء الثاني من فيلمه «إيڤان الرهيب» (١٩٥٨) سينهال عليه النقد الرّسمي السوڤييتي، ليدرك الرّجلُ لاحقاً أنّ المطلوب لا خدمة الثورة بل خدمة ستالين، وإن استلزم ذلك مغالطات تاريخية في الأفلام.

«المدرعة بوتمكين» و«أكتوبر»

يُعد فيلم «المدرعة بوتمكين» (١٩٢٥) أحد أفضل الأفلام في التاريخ، وأكثرها تأثيراً، وهو مثال ممتاز لدراسة المونتاج وأهميته في السينما السوڤييتية الباكرة، خاصة وأنّ أيزنشتاين هو أحد أبرز صانعي سينما المونتاج في العالم. يروي الفيلم قصّة مأخوذة بشكل واقعي عن أحداث حقيقية، وهي تمرّد بحّارة المدرّعة بوتمكين وعصيانهم أوامر الضبّاط الذين سينفّذون مجزرة بالأهالي، في مشهد ملحميّ (ومن بين الأكثر استعادةً سينمائياً) على الدرج الطويل الذي بدا بتصويره كأنّه لا ينتهي. فالفيلم كلّه عبارة عن مقدّمة تُظهر علاقة البحّارة الفقراء بالضبّاط الأغنياء، ثمّ التمرّد عليهم والتحامهم مع تحرّك النّاس في البر. البطولة في الفيلم جماعية، فليس هنالك بطل فرد يعود إليه الفضل في كل ما يحصل، وهذه (بعد المونتاج) إحدى ميزات السينما السوڤييتية حيث تكون البطولة للجماعة. نرى ذلك في مشاهد المعارك على ظهر المدرّعة كما نراه على السلّم حيث يكون جمعُ النّاس مقابل جمع العساكر.

أما الفيلم الآخر فهو «أكتوبر» (١٩٢٧)، وله عنوان إنكليزي هو «أكتوبر: عشرة أيام هزّت العالم» (عنوان كتاب الصحافي الأميركي جون ريد)، والفيلم يصوّر الأيام الأخيرة من الثورة البلشفية، منتهياً بوصول لينين إلى سانت بطرسبرغ وخطابه، بمَشاهد حقيقية، أمام حشود من الثوّار. فكان الفيلم الوثيقة السينمائية الأبرز للثورة، تحديداً بمشاهد ملحميّة لاقتحام قصر الشتاء، وكان الفيلم لحظة تخليد فنّية، ليست ”هامة“ وحسب للشيوعيين والعالم، إنّما منجزة بفنّية عالية ساهمت في تكوين مدرسة المونتاج السوڤييتية.

المونتاج كشكلانية

كما أنّ ”الشكلانية الروسية“ في الأدب كانت محطّ النّقد الرّسمي السوڤييتي، فتطوّرت ضمن ظروف خاصة وصارت بحد ذاتها مذهباً أدبياً/نقدياً له إبداعاته، كان المونتاج في السينما الروسية كذلك، بظروفه الخاصة، وذلك للمساحة الآمنة التي يمكن أن توفّرها اللقطات الأرشيفية أولاً، وللمساحة الضيقة (جداً) التي يمكن أن يسرح ضمنها صانع الفيلم إن اختار أن يكون فيلمه روائياً، بحكاية مكتوبة وأداء وتجسيدات وما لا يمكن أن يعجب البيروقراطية السوڤييتية، نقداً ودولةً.

أتت المدرسة السوڤييتية في السينما مدرسةَ مونتاج. التضييقات عليها هو، غالباً، ما أدى إلى ذلك، إنّما، كما هو الحال في الأدب وقد برزت الشكلانية مزامنةً لصدور هذه الأفلام، أبدع المخرجون السوڤييت ضمن المتاح في سينماهم، وصارت الأخيرة تُدرّس كأحد التيارات السينمائية البارزة في التاريخ، وصار أبرز أسمائها -أيزنشتاين- أحد معلّمي السينما الأوائل، ولهذا، في الأدب كما في السينما، ترافق الإنتاج الإبداعي بالإنتاج النقدي والتنظيري.

هذه الأفلام الصامتة المتناوَلة هنا، بأسلوب صناعتها وبحكايتها وبمَشاهدها وبالالتزام السياسي فيها، هي وثيقة فنّية لمرحلة تاريخية كانت الأكثر تأثيراً من غيرها في ما لحقها من سنوات، والحديث هنا عن ثورة أكتوبر عام ١٩١٧ التي أكملت في أكتوبر ٢٠١٧ قرنها الأول، والحديث كذلك عن سينما المونتاج في العالم حيث الريادة والتنظير والصناعة فيه كانت أولاً للسوڤييت. فكانت السينما كما قال لينين ”الفن الأكثر أهمية“ للسوڤييت، وكانت هذه السينما، السوڤييتية الباكرة، من بين الأكثر أهمية للعالم في تاريخه السينمائي.

رمان 2018-07-05

التّراث/الهويّة/الأغنية

يرتبط التراث بالهويّة الرّاهنة لأي شعب بالقدر الذي تتعرّض فيه هذه الهويّة لمحاولات فصل بين راهنها وماضيها. هنا، لا يكون التراث مجرّد صورة سابقة للهويّة الراهنة، تبتعد عنها زمانياً وحسب، بل يصير حاضراً، يصير مُستعاداً ليُقرن بشكل حي بهذه الهويّة، حامياً لها مما تتعرّض له من محاولات فصلها عنه، فيستعيد الشعب القابع تحت الاحتلال تراثه كحامٍ له ولهويّته الرّاهنة، لأصلانيّته وأحقّيته في أرضه، فلا يكون تراثه مجرّد ماضٍ.

التّراث، فلسطينياً، حارس لهذه الهويّة في صراعها اليوميّ مع احتلال يحاول جاهداً محوها وإخراجها عن سياقها التاريخي والجغرافي، بفصلها عن علاقتها بماضيها، أي فصل الهوية المعاصرة للفلسطيني عن التراث المقترن بالأرض الفلسطينية.

وفلسطينياً كذلك، يحضر التراث، أكثر ما يحضر، في الأغنيات، فالأدب والسينما وغيرها هي فنون لاحقة لمرحلة تشكّل الهويّة الفلسطينيّة.

يبقى لدينا الغناء والموسيقى، كفنون جماعيّة شعبيّة كما هي فرديّة. لكنّ التراث إجمالاً نتاج شعوب وليس أفراد، أي أنّ الأغاني التراثيّة الفلسطينية هي نتاج عموم الشعب أو مجموعات منه، قد تكون بدأت بواحد واستُكملت بآخر وزيد عليها من آخر، إلا أنّها، بعد تراكم إعادات الإنتاج لها، نتاج عموم الشعب.

وما يجعلها نتاجاً جمعيّاً هي المناسبات التي اقتُرنت الأغاني بها، أو التي كانت سبباً أو مناسبة في أن تُغنّى ويُعاد غناؤها، كالأفراح والأحزان، الزّواج والولادة والحصاد والمطر، الموت والحرب، وغيرها. وهذه كلّها مناسبات جماعيّة، تُردّد أغنياتها جماعةً، ولا يحتاج أحدهم ليكون موسيقياً كي ينفخ في اليرغول أو النّاي أو القربة أو يضرب على الدربكّة أو الطّبل، مرافقاً لهذه الأغنيات. في كل عائلة وحارة هنالك من يجيد النّفخ وهنالك من يجيد الضرب، كما أنّ هنالك من يجيد الرّقص، الدّبكة تحديداً، وهؤلاء كثر، كونها مقرونة بالأغنيات كما يُقرن بها لحنها وكلماتها، وكذلك مناسباتها.

اليوم، في حاضر الهويّة الفلسطينيّة، تُردّد بعض هذه الأغنيات، في الأعراس تحديداً، إنّما بتقشّف يتفاوت حسب المجتمع الفلسطيني الذي يتم إحياء العرس فيه، في فلسطين أو خارجها، في المخيّمات أو في الجوار، في أوروبا أو في أميركا. لكن اليوم كذلك، يتم إعادة إحياء لهذا التّراث بفعل فردي، لا جماعي كما كانت دائماً.

وإعادة الإحياء هذا ينحصر في تحديث التراث، أو نقله بشكل جديد، أو إدخال آلات موسيقيّة غريبة عليه، أو نوتات موسيقيّة، أو بتغيير الكلمات والطريقة التي تُغنّى بها، وغيرها مما يمكن أن يُسمّى تحديث التراث، أو تجديده، ما يصل إلى إدخال للجاز.

والفلسطينيّون، للظرف التاريخي الذي تعيش فيه أجيال من هذا الشّعب، يستحضرون التراث في فنّهم الرّاهن أكثر من غيرهم، وليس هذا الاستحضار سوى تأكيد (أساساً) على هويّة هذا الشعب الثقافية، وأنّ لهذه الهويّة ماضٍ، وأنّ هذا الماضي كان على هذه الأرض، وأنّها جزء طبيعي من بلاد الشّام، ثقافياً واجتماعياً، فكان التراث حاضراً حتى في أكثر النّتاجات الفلسطينية الحاليّة تجريبيّة وحداثة.

الأمثلة على ذلك عديدة، قد تكون أبرزها فرقة «الفنون الشّعبية الفلسطينية» التي تحافظ على سمة الجماعيّة في أداء أغنياتها والتي عادة ما ترفقها برقص جماعي كذلك، وهنالك العديد من الفرق الأخرى التي تعيد إحياء التراث جماعياً. لكن فردياً هنالك ريم كيلاني التي أضافت للتراث الغنائي أبعاداً جديدة في أدائها، مدخلةً الجاز إليها، هنالك أمل مرقس والراحلة ريم بنّا، تغنّيان تراثاً فلسطينياً مُحدّثاً كذلك، للتحديث لدى مرقس طابع شرقي، ولدى بنّا غربي. هنالك سناء موسى، وهي أقرب من غيرها إلى النُسخ المُغنّاة قديماً، ولإنتاجها الغنائي، كما هي الحال مع كيلاني، بعدٌ بحثيّ. هنالك فرقة «دام» التي أدخلت الأغاني التراثية إلى الرّاب، وهنالك «روح٤٧» التي استحدثت أسلوباً خاصاً جداً بها كان التراث أحد مكوّناته، وغيرهم كثر، ويصعب إيجاد مغنٍ فلسطيني لم يغنّ التّراث، بخلاف آخرين في بلاد أخرى حيث يكون غناء التّراث اختصاصاً، وليس مُعمّماً على المغنّين باختلاف نوع الغناء وجنسه لأسباب غير فنّية.

لكن لكلٍ من هؤلاء أسلوبه فيما يمكن أن يراه تحديثاً للتراث، هنالك من أدخل آلات عديدة لم تُستخدم في التراث الغنائي قديماً، مؤدياً إياها مع فرقٍ موسيقيّة، هنالك من أعاد غناءه بأسلوب خاص مدخلاً تغييراته التي تميّزه عن غيره، أمّا التراث ذاته، كما غُنّي قبل موجات التحديثات الفرديّة، فلا أحد من هؤلاء، ولا غيرهم، بعلْمنا، غنّاه كما هو، كما غنّاه شعبنا، أو نساؤنا تحديداً، على مدى عقود طويلة، كما ماتزال تحفظه جدّاتنا اليوم، ما ورثنه عن أمّهاتهن وجدّاتهن.

يمكن إيجاد تسجيلات للتراث المُغنّى في الانترنت، وهي قليلة وقديمة وبجودة منخفضة لنساء مسنّات مجهولات تغنّين، جماعةً، واحدة من أغنياتنا التّراثيّة، دون اجتهادات شخصيّة في تحديثه، تراثنا بصورته الأصليّة. يمكن الاستماع إلى هذه التسجيلات لكنّها تبقى متفرّقة وضائعة ومجهولة المصدر، تحتاج إلى الحفظ والتوثيق والدّراسة وإعادة الغناء بشكل احترافي وعلميّ يعيد إحياءها كتراث جماعي لهذا الشعب، كما هي.

يعرف الكثير من الفلسطينيين العديد من أغنيات التراث بشكلها المُحدّث، كإنتاجات جديدة، ويحفظ البعض الكلمات الواردة فيها ويغنّيها كما هي في هذه النّسخ، لكن لا أعتقد أنّه يسهل إيجاد من يغنّيها بشكلها الأصلي، أو بواحد من أشكالها الأصليّة، الجماعيّة، كتراث قديم لا كإنتاج فنّي جديد. يعرف أحدنا النّسخة التحديثيّة لأغاني التراث ولا يعرف أغاني التراث ذاتها.

تحديث التّراث ضرورة (ثقافية وجمالية)، دمجه مع الغريب عنه من أساليب غناء وأنواع موسيقيّة وآلات كذلك ضرورة. لكن أين هي النّسخة المتوارَثة؟ هل من جهة قدّمت التراث كما غنّته جدّاتنا؟ لا أعتقد. وليس هذا النّقص في الثقافة الفلسطينية، أو في النّتاج الثقافي الفلسطيني، في صالح دفاعنا عن تراثنا في مواجهة الرّواية الصهيونية التي لا توفّر فرصة للفصل بين حاضر الشعب الفلسطيني وماضيه، أو بين هويّته وتراثه.

هذا المقال هو جزء من ملف “الأغنية الفلسطينيّة، سردية الناس والمكان” إهداء لذكرى الفنانة الفلسطينيّة ريم بنّا. وهو من إعداد رشا حلوة.

رمان 2018-06-12

”جناحُ فلسطين“… خارج السّياق

– هي لا تفكّر بغير المزاح!
– إلى من تتحدّث؟
– إلى المشاهدين.

تنظر آنا كارينا إلى الكاميرا، إلى المشاهدين الذين تحدّث إليهم جان پول بلموندو، يتشكّل إطارٌ في فيلم جان لوك غودار، إطارٌ خارج سياق باقي إطارات الفيلم، تأخذه ”مؤسسة الفيلم الفلسطيني“ لتصنع به هذا الملصق.

فكرته مأخوذة عن الملصق الرسمي لمهرجان ”كان“ السينمائي لهذا العام، والمصنوع من صورةٍ من الفيلم ذاته، «بييرو المجنون»، يقبّل فيها كلٌّ من آنا وجان پول بعضهما، في لقطة آمنة داخل السياق الذي تجري فيه باقي مَشاهد الفيلم.

هنا، في الملصق الفلسطيني، خاطبت الشّخصياتُ الجمهور، وهي ليست تقنيّة جديدة آنذاك، فقبل غودار بسنين اشتغل عليها ونظّر لها الألماني بيرتولد بريخت في المسرح، وقبله بسنين كذلك كتبها دوستويفسكي في الأدب، إنّما لم يحُل الزّمن دون بقاء هذه التّقنية ثوريّة وخارجة عن المألوف والإطارات والسياقات والمتوقّع.

وهذا الخروج عن السياقات المفترَضة مسبقاً، هو ما يمكن أن يكون ”صورةَ“ الحضور الفلسطيني في هذا المهرجان، بعدما كان في أفلام مشاركة (لسليمان وخليفي وأبو أسعد وحاج…)، تجسّدَ هذا الحضور اليوم في جناحٍ ثابت يُنصب لأوّل مرّة، ويشير لمكانه علمٌ فلسطيني.

شخصيّةُ غودار (آنا كارينا) التي تخرج عن ”السياق الرسمي“ للفيلم وحكايته، فتنظر إلى الطّرف الآخر من العالم، إلينا، تقوم بفعل تمرّدٍ على القوانين المسبقة التي ”لا يجوز“ تجاوزها سينمائياً، بل نعرف أنّ مجرّد النّظر إلى الكاميرا، دون حتى التّصريح بأنّ الشخصيّة في الفيلم تُشاهد المشاهدين وتحادثهم، أي أنّها تأخذ أمكنتهم كتحريض ليأخذوا مكانها، أي تحريض على الفعل وليس الاكتفاء برد الفعل (يعيدنا ذلك لمسرح بريخت)، مجرد النظر إلى الكاميرا، بصمت، كان فعلاً ”ثورياً“ سابقاً لفيلم غودار هذا الذي أُنتج عام ١٩٦٥ (سأخرج عن إطار المقالة هذه وأذكّر بأنّه العام الذي انطلقت فيه الثورة الفلسطينية المعاصرة، العام الذي خرج فيه الفلسطينيون عن الإطار الذي رسمه لهم العالمُ آنذاك)، نعود إلى الفعل ”الثّوري“ السابق لفيلم غودار، وكان في «الصيف مع مونيكا» للسويدي إنغمار بيرغمان، حيث اللقطة الأخيرة والطويلة والصامتة التي تقلبُ فيها مونيكا الأدوار بينها وبين مشاهديها، فتشاهدُنا نُشاهدُها.

وكما أنّ الحضور الفلسطيني يأتي ”كخارجيّ“ في المهرجان، في مفهوم المهرجان الذي صار مع غيره من المهرجانات أقرب لما قاله غودار عنها بأنّها ”مؤتمر لأطبّاء الأسنان“، اختار الفلسطينيون (أبناء الفدائيين) لجناحهم إطاراً خارجياً عن ذاك الذي اختاره أطباء الأسنان لأنفسهم، مُعارضاً له، متقصّداً تفكيك أدوات تراكم رأس المال المبني على حقوق الملكية الفكرية، مستخدماً المشهد ذاته إنّما بلقطة مغايرة، لقطة نقديّة تتفاعل مع الفكر مقابل اللقطة الحسيّة اللحظية في ملصق المهرجان.

يحتفي المهرجان بغودار باختيار لقطة من فيلم له، غودار السّاخط دائماً عليه، منذ ما قبل صراخه الشّهير في دورة المهرجان قبل نصف قرن، في الدورة المزامنة لثورة عام ١٩٦٨. ويحتفي به الفلسطينيون الحاضرون في أفلام له منها «هنا وهنالك» و«موسيقانا» و«إشتراكية»، قائلاً في أحد مَشاهدها بأنّ اليهود عام ١٩٤٨، بوصولهم إلى ”الأرض الموعودة“، دخلوا إلى الخيال، إلى العالم الرّوائي، والفلسطينيون، بخروجهم من الأرض، دخلوا إلى العالم الوثائقي.

اليوم، بأفلامهم وبصناعتهم السينمائية، بتقديم هذه الصّناعة، والجناحُ الفلسطيني هو المثالُ الحاضر هنا، يقدّم الفلسطينيون حكايتَهم، روايتَهم، ينتشلون أنفسهم من العالم الوثائقي كموضوعٍ ليُدخِلوا بأنفسهم تاريخَهم إلى العالم الروائي، يحكون بلسانهم هم، وكاميراتهم، للعالم حكايتَهم.

رمان 2018-05-07

اليرموك… لا ربّ ولا أهل ولا مكان

في مقالتي الأولى غير الافتتاحية لهذه المجلة، كتبتُ «عن ”التّجمع“ وعنّا»، أن ”لا يجب أن تعني حملة الاحتلال الأخيرة على ”التجمع“ الحزبَ وأهلنا في الداخل بقدر أقل مما تعني باقي الفلسطينيين.“

تذكّرتُ المقالة التي كتبتها عن حزبٍ أختلف معه وأتّفق في مسائل عدّة، مصرّاً على أنّ أي ملاحقة لأي فلسطيني من قبل الاحتلال هناك، لممارسته فلسطينيته بشكل من الأشكال، هي ملاحقة لكل فلسطيني، خارج البلد كما في داخله، تذكّرتُ ذلك وأنا أفكّر لا في حزب ولا في ملاحقة، بل في مخيّم وفي تدمير.

وتردّدتُ كثيراً قبل كتابة هذه الأسطر، فلا أريد أن أنادي الشقّ الآخر من الفلسطينيين، هناك داخل البلد، سائلاً إيّاهم عن إمكانية التّضامن مع مخيّم يُدمّر. مجرّد كتابة هذه الأسطر يعني أنّ هنالك نوعاً من المناداة، والأسوأ أن هنالك نوعاً من المقابلة: أنّي كتبتُ وتضامنت معكم، افعلوا شيئاً وتضامنوا معي!

لا. ليس هذا ما أريده، لا لي ولا لكم.

لا أريد لهذه الأفكار أن تنضج، أن تتطوّر، أن تجد نفسها في مجال يجعلها واقعية وملحّة وصادقة. أريدها أن تبقى مخاوف تتردّد بين فينة وأخرى، دون أن تؤكّد حضوراً ما في لحظة ما من الزمن الراهن لهذا المخيّم، وهو زمن تدمير لحق اجتياحاً وحصاراً وتجويعاً وتهجيراً.

هل نحتاج لترديد كل هذه المفردات كلّما حدّثناكم عن المخيّم!

ليست هذه مناداة ولا استجداء، ولا طلباً لردّ ”الجميل“، هي مطالبة لأهلنا في كل مكان بتحمّل مسؤولياتهم تجاه المخيّم الذي لا غاية للفاشية الأسدية هذه الأيام سوى محوه: مكاناً وذاكرة وهويّة.

ولا أطالب هنا قيادات لا السلطة الفلسطينية ولا منظمة التحرير ولا الأحزاب بألوانها ومواقعها، فلا آخذهم على محمل الجد، ولا الأفراد والمؤسسات ممن يجدون تبريراً للفاشية هناك أو حتى يتلذّذون بها، فهؤلاء وحوش مكبوتة، بل أصدقاءنا من أهلنا، من يعرف أنّ هنالك حالة محوٍ مستمرة للمخيم من قبل مجرم حرب يمارس عليه ما مارسه على باقي المناطق في سوريا.

أعطونا مبرّراً واحداً لهذا البرود تجاه المخيّم. أستطيع أن أفهم سعادة الشبّيحة من الفلسطينيين بتدمير المخيّم لكنّي لن أستطيع فهم صمتكم.

لسنا بالمناسبة أقلّ فلسطينية من أحد، وليس اليرموك وباقي المخيّمات الفلسطينية خارج البلد أقل فلسطينية، كمكان، من أي منطقة داخل فلسطين، فالأمكنة يحدّد هويّتها أهلُها وتفاعلهم معها، ثورتنا الفلسطينية خرجت من هذه المخيّمات، جورج حبش وخليل الوزير وغيرهم خرجوا من هذه المخيّمات التي لا يكفّ النّظام السوري عن تدميرها، تاريخياً، منذ تل الزعتر إلى نهر البارد والآن اليرموك وخان الشيح. ذاكرتكم الفلسطينية هي هنا، في هذه المخيّمات.

لا تخرجوا بمظاهرات، فلم يكن أهل اليرموك يخرجون كلّما ضرب جندي رصاصة على فتاة في فلسطين كي يخرج أحدٌ كلّما رمى جندي برميلاً على عائلة في المخيّم. إن لم تجدوا فلسطين ناقصة دون المخيّم فلا تخرجوا، إن لم تجدوا أنفسكم ناقصين دون أهلكم في المخيّم فلا تخرجوا.

الحياة كذلك أحياناً، لا ربّ ولا أهل ولا مكان.

رمان 2018-04-28

دار النشر الحيفاويّة تلك، المحتمية بإسرائيل

من سيكون المقصود بذلك غير ”دار راية للنشر“! ليس لأن لا دار غيرها في حيفا بل لأنّها الوحيدة التي يمكن أن تخطر على البال متى قيل ”المحتمية بإسرائيل“.

ليس هذا جديداً على الدّار في تجربتها معي على الأقل، فقد صدر لي كتاب عنها قبل ٣ سنوات وكانت عمليّة نصبٍ تامّة كتبتُ عنها آنذاك، وكان ”الاحتماء بإسرائيل“ مبرّر تلك العمليّة إذ لن أتمكّن (كلاجئ فلسطيني) من نيل حقوقي من الدار أو صاحبها بشير شلش. ولآخرين تجارب مماثلة معه كما عرفت إثر نشر المقالة.

ولأنّ السّطو على أملاك الغير ميزة إسرائيلية، بل قانون سمّوه ”أملاك الغائبين“ يأتي سطو هذه الدار في سياقه الطّبيعي إذ تحتمي بواقع أن هنالك احتلال لفلسطين، وهنالك ”عادة“ سطوٍ على أملاك اللاجئين منهم، وأنّ لـ ”راية“ حصّتها من هذا السّطو، تمارس ما يحلو لها باطمئنان، فلا طريقة لمحاسبتها إلا ضمن مؤسسات دولة الاحتلال قوانينها، وهذا ما لن يقبله لنفسه من يرى في مدينة كحيفا النقيضَ من هذه الدار وصاحبها المستفيد من حقيقة أن المدينة محتلّة.

في شهر تمّوز الفائت راسل بشير شلش الزميلَ أوس يعقوب لسؤاله عن مادة كان قد أعدّها بالتنسيق معي كمحرّر لهذه المجلّة، ونشرناها في ذكرى ميلاد غسان كنفاني على جزأين بتاريخ 2017/04/08. المادة هي يوميات كنفاني المنشورة خلال العقود الماضية في أكثر من مكان، اشتغل عليها أوس وحرّرتُها للنشر في رمّان.

بعد ذلك بأشهر، يُنشر خبر عن كتاب تصدره الدار يحوي يوميات كنفاني، فتواصلَ أوس مع شلش يسأله عن الموضوع، ليعرف أنه نشر اليوميّات ذاتها وأنّه، أي أوس، مذكور في إشارةٍ آخر الكتاب بصفته المصدر لهذه اليوميات التي جمّعها، وبصفته معدّ الملف. سأله أوس مراراً في المراسلات -وقد أطلعني عليها إثر إدراكه لما ارتُكب بحقّ المجلة- عن عدم ذكر اسم المجلّة كمصدر نقلت عنه الدّارُ اليوميات، ولم يكن شلش يردّ بغير تكرار أنّه ذكر اسم أوس (الذي أكّد له أنّ معدّ الملف لذكرى ميلاد كنفاني كان المحرر -أنا- وليس هو).

ما كان لشلش أن يسطو على محتوى مجلة رمان الثقافية ويعيد طباعته ونشره للتكسّب لو كان يعرف أنّ المجلّة -أنّ محرّرها مثلاً- يمكن أن يحاسبه وهو محتَمٍ بدولة الاحتلال. لكن المسألة مختلفة قليلاً هنا، إذ يمكن محاسبته، فالمجلّة تابعة لمؤسسة اسمها ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين“ وهي مرخّصة في فرنسا وحقوق محتواها محفوظة، ما يعني أنّ المؤسسة تستطيع إجرائياً مقاضاة الدار. لكن حقيقة أنّ تعاملاً مع قوانين دولة الاحتلال (ذاتها التي تحتمي الدار بها) سيكون ضرورياً لذلك، تحتّم علينا إسقاط الاحتمال من أساسه، ما يجعلني أكتفي بهذه المقالة كوَسمٍ (آخر) لدار النّشر ”الحيفاويّة“.

المراسلات بين شلش وأوس موجودة كدليل على مضمون هذه المقالة، وكذلك نسخة PDF من الكتاب الذي سرقت الدار محتواه من مجلّتنا، بل نسخت ولصقت المحتوى -ببساطة- كما هو، ما الذي يجعل -مثلاً- هذا التاريخ (8/ 4/ 1965) يظهر بمسافتيْن كان يجب أن تُحذفا، في الكتاب، لو لم توجد كذلك -بخطأ تحريري منّي- في المجلّة؟ وقد تكرّر ذلك في مواقع عدّة من اليوميات.

لن نطلب اعتذاراً من الدار، ولن نطلب منها الكفّ عن الاحتماء بحقيقة أنّ هنالك احتلال في حيفا هي مستفيد أساسي منه، فلا هذه ولا تلك مُتوقّعة من صاحبها. وإن كان من أمر إيجابي هنا -لنبحث عنه في كل هذا الخراب- فهو الإخبار (مجدداً) بأنّ هنالك يوميات جديرة بالقراءة كتبها غسان، جمّعناها ونشرناها هنا بجزأين دون أي كسب مادي منها (بل دفعنا أجر إعدادها)، لتنسخها الدّار بأخطائها التحريرية وتطبعها فتتكسّب منها!

السّطو على ”أملاك الغائبين“ ثم المتاجرة بها، والاحتماء بدولة الاحتلال للإفلات، هذا كلّه في كفّة، وأن يكون ذلك باسم غسان كنفاني في كفّة.

اليوميات في المجلّة: الجزء الأول | الجزء الثاني

الكتاب بصيغة PDF

رمان 2018-03-20

أربعون عاماً على رحيله… ثلاثة نماذج فيلمية لهيتشكوك

كتبتُ في ديسمبر الماضي، وبمناسبة البرنامج الاستعادي في السينماتيك الفرنسية في باريس، المخصص للمخرج البريطاني ألفرد هيتشكوك، كتبتُ عن هيتشكوك كمخرج غير مفضّل لديّ، وقارنته بآخرين مفضلين كغودار ودي سيكا، ذكرتهما تحديداً لأن برنامجاً استعادياً لكل منهما تلا برنامج هيتشكوك، وكتبت عن كليهما هنا، الأول في يناير والأخير في مارس.

اقرأ المزيد

الكلام في «ألف ليلة وليلة» و«پيرسونا»

قد يبدو المثالان متباينين في مقاربة الكلام، فأحدهما كتاب والآخر فيلم، الأوّل كلاسيكي والآخر حديث، إنّما في كليهما أمثلة على تفوّق الكلام والحكي في الإخبار، على غيره من الأشكال الفنية، في الأوّل يكون على الشّعر وفي الثاني يكون على الصّورة المتحرّكة، وكلاهما -الشعر والصورة- أشكال إخبارٍ تُضاف للنثر/الكلام. اقرأ المزيد

عن الفلسطيني الصهيوني الذي ترشّح لنوبل

اسمه عزيز ضومط (١٨٩٠-١٩٤٣)، وقد ترشّح لجائزة نوبل للأدب عام ١٩٣٦، تلك التي كسبها الأميركي أوجين أونيل. وُلد في القاهرة وعاش بين القدس وحيفا قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، لكن ليس هذا ما يهمّنا هنا.

كتب فاروق وادي أمس سائلاً عن ضومط، عن الجهل به. ونشرنا قبل قليل ترجمةً لفصل من كتاب قد يعرّف أكثر بالرّجل. وهنا، بهذه الأسطر، سأحاول ”التّعريف“ أكثر به، فلا يكفي أن يكون كاتبٌ ما فلسطينياً مترشّحاً لنوبل، كي نحتفي به. ويبقى سؤال الصّديق وادي عن ضومط مطروحاً لضرورة أن يبقى البحث عن هذا الفلسطيني ومواقفه جارياً، ولعلّ مقالتي هذه تقدّم مساهمةً ما.

المواقف تؤخذ في سياقاتها التاريخية، والسياق التاريخي لعزيز ضومط ومواقفه المعبّر عنها في أدبه، هي فلسطين ما قبل النّكبة، فلسطين الهجرات اليهودية والمستوطنات الأولى، ففي زمن كان الفلسطينيون يقاومون فيه هذه الهجرات، كان ضومط يدعو إلى التعايش المشترك، وذلك واضح في رد ألبرت آينشتاين (شخصياً) على ضومط برسالة عام ١٩٢٩ قائلاً: ”… أوافقك تماماً على ضرورة العمل لإيجاد مجتمع يهودي-عربي يقرّب الشعبيْن المتقاتليْن وينفي المتطرفين الوطنيين…“*

قد يكون السياق الأنسب لفهم مواقف ضومط الذي نادى باكراً جداً بالتعايش بين أهل الأرض والمحتلّين الجدد هو طرحُ غسان كنفاني في دراسته «ثورة ٣٦-١٩٣٩ في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل»، وذلك أخذاً بعين الاعتبار ما ذكرتْه حفيدة ضومط في مقابلة لها بجريدة «الحياة» (٤/١٢/٢٠٠١) بأن: ”عادَ عزيز ضومط من فلسطين (إلى ألمانيا) ومعه وثائق تشير إلى مكانة عائلته الاجتماعية في فلسطين وأنه يوجد عندهم أملاك كثيرة ويحظون باحترام الجميع.“

وأخذاً للمواقف -دائماً- في سياقاتها، فلن نستغرب ”صهيونيّة“ ضومط وموقفه من الهجرات اليهودية إلى بلده مستعينين بدراسة كنفاني التي تناول فيها موقف الإقطاع -أو بكلمات الحفيدة: مَن ”يوجد عندهم أملاك كثيرة“- في فترةٍ كتب عنها كنفاني بأنّ ”عمليّة تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من حالة الانتداب البريطاني إلى حالة الاستعمار الإسكاني الصهيوني، وصلت إلى ذروتها، كما رأينا، في منتصف الثلاثينيات، والواقع أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد أُرغمت على تبني شكل الكفاح المسلّح لأنّه لم يعد بوسعها أن تظل متربعة على سدة هذه القيادة في وقت وصل فيه التناقض إلى شكل صدامي حاسم.“ (منشورات الهدف، ١٩٨٨، ص٥١).

أما بخصوص ”صهيونيّة ضومط“ (الذي أهدى روايته ”لحاييم وايزمان الذي أصبح فيما بعد رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، والذي يكنّ له ضومط الكثير من الاحترام**)، فيمكن للفقرة التالية من مقدّمة كنفاني لكتابه ذاته أن توضّح المقصود، إذ أن ”أصوات المهادنة العربية التي أخذت تظهر منذ الثلاثينات وأوائل الأربعينات لم تكن أصوات أسياد الأرض والفلاحين المتوسطين بصورة عامة. ولكنها كانت أصوات كبار برجوازيي المدن العرب الذين كانوا مجرد وسطاء للإمبريالية والذين بدأت مصالحهم تتسلق المصالح المتسعة للبرجوازية اليهودية الآخذة في شق طرق التصنيع، خالقة في الوقت ذاته وكلاءها.“ لن نستغرب إذن أن يعمل ضومط ”لإيجاد مجتمع يهودي-عربي يقرّب الشعبين المتقاتلين وينفي المتطرفين الوطنيين“ للحفاظِ على ”الأملاك الكثيرة“ وتسلّقِ ”المصالح المتسعة للبرجوازية اليهودية“.

لا أحتاج لـ ”حقدٍ طبقي“ كي أربط هذه بتلك!

وضعتُ ضومط ومواقفَه في السياق التاريخي الذي تناولتْه دراسةُ كنفاني لأقول أن لا سبب يدعونا لا لأن نتجاهل الرّجل، بل لنقدّم لا أجوبة، بل إشارات لمن يود البحث أكثر إن سأل يوماً عن الكاتب الفلسطيني الذي ترشّح عام ٣٦ لجائزة نوبل.

ضومط هذا ”صنع لنفسه اسماً، خاصة في أوروبا، بأنه المسيحي العربي الذي قاتل إلى الجانب الصهيوني وقد كتب مسرحية عن الموت البطولي للبطل القومي ترمبيلدور.“***

أمّا جوزيف ترمبيلدور، فهو ”بطل قومي صهيوني“ ساهم في الهجرات اليهودية الباكرة إلى فلسطين وقُتل في معركة عام ١٩٢٠ في مستوطة شمال فلسطين. لا بدّ أن الفلسطيني الذي قتله حينها هو النّقيض من ضومط وهو الأقرب لفلسطينيين لاحقين كجورج حبش ووديع حداد، وهو الجدير بالسؤال والبحث عنه، لا ضومط الذي انتقل إلى ألمانيا النّازية ومات هناك عام ١٩٤٣، ونظّمت له الدولة ”جنازة رسمية مهيبة شاركت فيها شخصيات ذات مراتب عالية في الدولة كما شارك ألفا عسكري ألماني في الدّفن وأطلقت ثلّة من الحرس الألماني إحدى عشرة طلقة تحيّة له.“ حسب حفيدته في المقابلة ذاتها.

وهذه -ضومط والنازيّة- مسألة أخرى جديرة بالبحث كذلك…

* Einstein on Israel and Zionism: His Provocative Ideas About the Middle East. Editor: Fred Jerome
** The Ottoman Middle East: Studies in Honor of Amnon Cohen. Editor: Elie Podeh
*** What Ifs of Jewish History: From Abraham to Zionism. Editor: Gavriel D. Rosenfeld

رمان 2017-12-28

عن ”البقاء في حيفا“

كالعديد من المسائل الفلسطينية هو إميل حبيبي، إشكالي مُختلَف عليه لاعتبارات لا تكون عادة في مكانها، هل كان لا بدّ أن يُغتال كي يخرج من المساحة الإشكالية؟ لدينا مشكلة نحن الفلسطينيين فلنعترف بها، هي أنّ الاستشهاد ”يجبّ ما قبله“، مثالان بارزان هنا هو محمود درويش (هو كذلك مسألة إشكالية) وياسر عرفات الذي صار، وقد اغتيل بالسّم كما تبيّن، شهيداً وبطلاً ”قومياً“ فلسطينياً، أمّا درويش فبقي مسألة إشكالية لدى الكثيرين، وذلك لقربه من عرفات! اقرأ المزيد

المقابلة: جلبير الأشقر

اليوم تحديداً تكمل الثورة الروسية عامها المئة، منذ اجتاح البلاشفة قصر الشتاء في بطرسبرغ، وعلى مدى قرن تأثر العالم بهذه الثورة سلباً وإيجاباً كما لم يتأثر بغيرها، وتحديداً في منطقتها العربية… التقيتُ جلبير الأشقر مؤخراً وأجريت معه هذه المقابلة التي تُعيد العديد من الأفكار والمواقف إلى نصابها الصحيح، إنطلاقاً من الماركسية ونقداً لتجربة الاتحاد السوفييتي ولعموم اليسار العربي.
اقرأ المزيد

ليست المسألة تطبيعاً وحسب… 

وليس الموضوع شائكاً كما يبدو، لا في بيروت حين أُثير قبل شهر ولا هذه الأيام في رام الله، وهو ليس في الأخيرة امتداداً له في الأولى. اقرأ المزيد

مسلسل «أوزارك»… تبييض الأموال كجريمة أولى

موضوعات كعصابات تجارة المخدّرات، أو جرائم القتل المتسلسلة، هي دائماً من الموضوعات المفضّلة لدى عموم المشاهدين، في السينما والمسلسلات. لها جمهورها الثّابت، وهذا ما يفسّر حضورها الدائم في الشاشات الكبيرة والصغيرة. وذلك مفهوم لأسباب منها المغالاة في تصرفات الشخصيات واللعب على توقّعات المُشاهد في ما يخص هذه المغالاة التي تصل مراراً إلى القتل، وما في ذلك من مشاهد هي كذلك مغالية (طرق القتل). وذلك يتطلّب تصويراً صريحاً لهؤلاء المجرمين، أو لأقل ممارسي عمليات الإجرام “الضرورية” لسير الأحداث، أو الآمرين مباشرةً بها، أي أن في الصف الأول أمام المشاهدين يكون الممارس المباشِر لكل هذه المهام: التجارة، القتل، الخطف… الخ. اقرأ المزيد

المتحف اليهودي ببرلين… تدوير الحكاية

أحاول ألا أترك مدينة أوروبية أزورها دون البحث عن مَتحف لليهود فيها أو نصب للهولوكوست. لا أعرف تماماً لمَ، قد يكون ذلك للقدرة ”العظيمة“ لليهود على تحويل المأساة إلى منبع للسلطة/للتسلّط في هذا العالم، منبع ممتد وبصلاحية تامة لأكثر من سبعين عاماً اليوم. قد يكون ذلك للفكرة التي لا تفارقني، التي أوردها إدوارد سعيد ومن بعده إلياس خوري وهي أنّنا نحن الفلسطينيين يهود اليهود، فأرى ما يفعله اليهود بمأساتهم، كيف يقدّمونها للعالم وكيف يوظّفونها سياسياً، وما نفعله نحن. بكلمات أخرى: أتلمّس خيبتنا في نقل نكبتنا للعالم بالمقارنة مع ”عظمة“ إعادة الإنتاج اليهودي الحاضر دائماً، لمأساتهم. اقرأ المزيد

منفى فلسطينيي سوريا المتعدّد

الحديث عن المنفى لا يكتمل دون الحديث عن معنى الإقامة لدى المنفيّ، فهو يدرك أنّ مكاناً ما يكون منفى له من خلال إدراكه المسبق لمكانٍ آخر يكون له (أو كان له) مكان إقامة واستقرار وطمأنينة، دون أن أضطرُ هنا لتسمية هذا المكان بالوطن. اقرأ المزيد

ندخل اليوم عامنا الثاني…

قبل عام من اليوم انطلقت هذه المجلة، وخلال ٣٦٥ يوماً استطعنا أن نقدّم بالنّص والصورة، بالشكل والمضمون، بالرأي والتحليل والنقد والعرض… الثقافةَ الفلسطينية والسورية والعربية والإنسانية بمهنيّة أولاً، باستقلالية ثانياً، باحترام للقارئ والكاتب ثالثاً، بشكل عملي مدروس، وحديث، بجماليّة عالية، باعتناء بطبيعة المادة المقدّمة، وبموضوعها، بكيفيّة تقديم هذا الموضوع… رابعاً وخامساً وسادساً… دون أن يعني ذلك أنّ هذه السنة لم تخلُ من أخطاء: مواد محدودة جداً كان أفضل لو لم ننشرها. اقرأ المزيد

جنّة جنّة جنّة…

كان من المفترض أن أكتب مقالة أفتتح بها الموقع الجديد لهذه المجلّة، فقد أصدرنا رمّان الثقافية في أواخر هذا الشهر من العام الماضي، لكنّي رأيت أنّ أفضل ما يمكن أن يحكي عن المجلّة هو الكتابة عن حمص والقدس والغناء الجمعي لـ «جنّة..» في الساحات، في الخالدية قبل ستّ سنوات، عند جامع خالد بن الوليد في حمص وفي ساحة المسجد الأقصى في القدس اليوم، وذلك هو الأقرب للهويّة الثقافية والسياسية التي حاولنا، في رمّان، منذ مراحل التحضير الأولى حتى اللحظة، أن نحملها، بمعناها الوطني الشعبي وليس الديني. اقرأ المزيد

«لا كاسا دي بابل»… التكرار لإدامة المتعة

قد يكون نجاح موسمٍ من أي مسلسل هو أصعب ما سيواجهه صانعوه في كتابة وتصوير الموسم التالي له. الاحتفاظ بالمشاهدين وعدم تخييب توقّعاتهم هو ما يتوجّب الاعتناء به أثناء التحضير للموسم التالي لموسم ناجح، وتحديداً، في حالتنا هنا، لمواسم ثلاثة ناجحة، وإن بتفاوت، وهو حال المسلسل الإسباني «لا كاسا دي بابل». اقرأ المزيد

هاتِ أسلوبَك، لا حكايتك

أتساءل أحياناً إن كانت هنالك حكايات لم تُحكَ بعد كل ما أُنتج حتى الآن من روايات وأفلام ومسرحيات. هذا تساؤل عام جداً ولا إجابة عنه ولا أسعى، بطرحه هنا، لإيجاد إجابة بل أتوسّله للمرور إلى افتراض محدّد جداً وهو أنّ أساس العمل الفنّي/الأدبي هو الأسلوب وليس المضمون. قلت المضمون ولم أقل الحكاية كي أتمكّن من سحب هذا الافتراض على الأعمال الفنيّة البصرية. اقرأ المزيد

محمود هواري: سينتج “المتحف الفلسطيني” معرفة بتراث فلسطين وتاريخها وثقافتها

في مثل هذه الأيام قبل عام تم افتتاح “المَتحف الفلسطيني”، رافق الافتتاح انتقاداتٌ كما رافقته آمالٌ بتأسيس مشروع ثقافي توثيقي ضخم يتعدى النكبة كزمن وكموضوع. التقيت مؤخراً بمديره العام محمود هواري في مارسيليا وأجرينا هذه المقابلة عن المتحف فكرةً وتنفيذاً. ننشر المقابلة الآن ضمن ملف النكبة الممتد على طول الشهر. اقرأ المزيد

النكبة، الذكرى، الفكرة

سنة عن أخرى تتحوّل فلسطين أكثر إلى فكرة منها إلى ذكرى، لدى أهالي اللاجئين عنها عام النكبة، وقد مرّ على ذلك ٦٩ عاماً. من وُلد آنذاك هناك، أو قبلها بسنوات قليلة، وقد صار في سبعينياته، لن تكون لديه ذكريات يحملها من هناك ولا حكايات ينقلها إلى أحفاده وأبنائهم، لتصير اليوم الحكاياتُ التي حُكيت عن النكبة وفلسطين ما قبل النكبة مكتملة، فلا حكايات تُضاف إليها وقد رحل عن عالمنا معظم من لحق أن يعيش في فلسطين سنوات تسمح له بالخروج منها محمّلاً بذكريات ينقلها لمن وُلد في اللجوء من أهله. اقرأ المزيد

«دم الأخوين» لفواز طرابلسي: تمثيلات التوحّش فنياً

إن اتفقنا أولاً على أن الحروب، الأهلية منها تحديداً، ظاهرة بشعة في هذا العالم، ومن ناحية أخرى أن الفنون، بشتى أشكالها، ظاهرة جميلة في العالم ذاته، قد نصل إلى نتيجة أن مقاربة الحروب من خلال الفنون -الموضوع البشع والوسيط الجميل- هي الأكثر كشفاً لفظاعات تلك الحروب وعنفها، وهذا الكتاب، «دم الأخوين» (رياض الريس للكتب والنشر – بيروت – ٢٠١٧) يقدّم دراسات متنوّعة عن تلك الفظاعات، من خلال قراءة أعمال وموضوعات فنية تناولت الحروب وأظهرتها، وهذا حالها، بشكلها الأكثر بشاعة. اقرأ المزيد

ليست هذه صورة… هذا ملصق!

قبل يومين أعلن كل من مهرجان كان السينمائي ومهرجان رام الله للرقص المعاصر عن الملصق الخاص بالدورة القادمة لكل منهما، وكأي عمل فني يُطرح للرأي العام، طال الملصقين آراء متفاوتة، الآراء المستنكِرة منها تأتي من منطق واحد يجمع بين المزاودة في الوطنية/النسوية والقطيعة مع الفن. اقرأ المزيد