حين يُقال سينما سرياليّة نجد معلّماً واحداً هو لويس بونويل. وعن فيلمه هذا يمكن القول إنّه الأكثر سرياليّة، دون أن يعني ذلك أنّ لا حكاية فيه وأنّ بونويل لم يُحكِم الرّبط بين مفاصل هذه الحكاية، إنّما التنقّلات بين المَشاهد، والمَشاهد ذاتها، وتوصيف بونويل لما هو داخل إطار الكاميرا، كان سريالياً، مفكَّكاً في ظاهره ومتشبّثة، مشاهدُه، ببعضها، في باطنه.
آخر المقالات
«متروبوليس» لفريتز لانغ… مرجعيةٌ لسينما الخيال العلمي
يُنظر إلى «متروبوليس» كمؤسس لسينما الخيال العلمي في العالم، وقد صدر عام ١٩٢٧، أي قبل قرن من الزمان إلا قليلاً. وهي سمة التصقت فيه وصار تكرارُها تلقائياً، لكن بمشاهدة جديدة له، بمعزل عن التصنيف المكرَّس والمتناقَل، يجد أحدنا أن جانب الخيال العلمي فيه قد بهت، أنّه فيلم كان قبل ١٠٠ عام خيالاً علمياً ليكون اليوم فيلماً واقعياً راهناً يصوّر المدينة كما يمكن أن تصورها أفلام حديثة وراهنة في سياقها. اقرأ المزيد
«فليكن صباحاً»… عودة إلى سؤال الهوية للسينما الفلسطينية
لم يُثر الفيلم أي نقاشات في كونه فيلماً لمخرج إسرائيلي يحكي عن فلسطينيين. ما أثير كان في “إسرائيلية” الفيلم كما تقدّم في مهرجان “كان” السينمائي، ٢٠٢١ (تظاهرة “نظرة ما”)، حين رفض العاملون الفلسطينيون فيه التوجهَ إلى المهرجان وتمثيل الفيلم الذي يمثّل، بدوره، دولة إسرائيل، وأصدروا بياناً نال دعم مخرج الفيلم عيران كوليرين. وقد تناولتُ حينها النقاش في مقالة بعنوان “بيان الفنانين الفلسطينيين حول «فليكن صباحاً»: متى لا يكون الفيلم إسرائيلياً؟” (القدس العربي، ١٣/٠٥/٢٠٢١). من عنوان المقالة تتضح فكرتها، وهي السؤال عن كون الفيلم، أي فيلم، غير إسرائيلي. هنا، في هذه الأسطر، أسأل: متى يكون الفيلم، أي فيلم، فلسطينياً.
الفيلم الفلسطيني بين صانعه وجمهوره… أي علاقة؟
كانت السينما، لطبيعة دورها عموماً، ولخصوصية الحالة الفلسطينية، عنصراً أساسياً لتثبيت صورة الفلسطينيين في أذهانهم قبل أن يكون ذلك أمام أعين المشاهدين. وصوّرت السينما الفلسطينية، منذ الأفلام النضالية في زمن الثورة، الأفراد والمجتمعات الفلسطينية في حالاتها المتنوعة، وفي حساسياتها الوطنية والإنسانية، وفي تفاصيل عيشها إن كان في حكم استعمار استيطاني على كامل التراب الوطني، أو في المخيمات والشتات ومعسكرات الفدائيين. وكان ذلك، دائماً، تَصوّرَ الفلسطينيين لأنفسهم، وتصويرهم لها، فكانت أفلامهم تصبّ في سرديتهم التحررية، المقابلة لسردية الاحتلال وسياساته، والنقيضة لها.
«الظرف الإنساني» لكوباياشي… الملحمة مقابل الحرب
يشاهد أحدنا هذه الملحمة اليابانية ويدرك أنّ الملاحم الجماعية في النهاية قصص أفراد، بقدر ما يمثل هؤلاء الأفراد شعباً بكامل تنوعاته. ملحمة الياباني ماساكي كوباياشي المعنوَنة بـ «الظرف الإنساني» (The Human Condition) التي سطّرها بعمل واحد ممتد على ثلاثة أجزاء طويلة، بمدّة إجمالية قاربت عشر ساعات، نقل فيها حكاية أمّة، لكن من خلال فرد تناقض، في مسيرته وأفكاره وحظوظه، المسيَر الحربي والفاشي لليابان قبل الحرب العالمية الثانية (في الجزء الأول) وخلالها (في الثاني) وبعدها (في الأخير). فرد تناقض مع الأمّة في سياقها الفاشي، فأودت محاسنه، لا مساوئه، إلى حتفه.
«استعادة» و«صيف غير عادي»… ما أكبر الفكرة ما أصغر الفيلم
بدأ الفلسطينيون سينماهم على ما يمكن أن تكون لقطاتٍ هي، في حالتها الخام، أرشيفية. جمّعها صنّاع الأفلام وجعلوا لها ومنها سرديةً تجاورت لأجلها أنواعٌ فيلميّة متفاوتة، من المقابلة إلى الشهادة إلى التمثيل إلى الإخبار إلى التقرير إلى التحليل إلى التصوير التوثيقي لعملية فدائية أو عدوان إسرائيلي أو حياة الناس في المخيمات. وكانت لغاياتٍ واعية تتنقّل من التسجيل إلى التحريض مروراً بالإرشاد، تجاورت لتصنع سردية انسيابية للفيلم يجعله متماسكاً وغير مرتهّل، وقد تفاوتت الجودة ضمن عموم الأفلام النضالية التي أسّست في السبعينيّات، الصورةَ الأولى للسينما الفلسطينية. اقرأ المزيد
“السينما بصفتها هوية: الحالة الفلسطينية في العقدين الأخيرين”
مقالتي في العدد الأخير لمجلة “الدراسات الفلسطينية” (ربيع ٢٠٢٢).
هي الورقة التي ألقيتها في المؤتمر السنوي الأخير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية.
يمكن هنا قراءتها كاملةً
“باريس، تكساس” لفيم فيندرز… الطريق خروجاً من الحلم
“باريس، تكساس”، هو أوّل اثنين لأفضل أفلام الألماني فيم فيندرز، وقد سبق بثلاثة أعوام فيلم “أجنحة الرغبة” (القدس العربي، 23-02-2022). كأنها، الأعوام القليلة هذه بين الفيلمين (1984-1987)، لخّصت مكمنَ الإبداع عند فيندرز، الألماني المتشارك مع مواطنه راينر فيرنر فاسبيندر، معالم سينما ألمانية جديدة، تخطت انطباعية الكلاسيكيين الألمان في سينما ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى واقعية حديثة في سبعينيات القرن، تشارك وفاسبيندر إياها متخطياً، في تجربته السينمائية، المعالمَ الألمانية إلى تجارب أوروبية وأمريكية توضّحت في عموم الشكل السينمائي لفيندرز، من بينها كلها، أفضَلها كان الفيلمان المذكوران، وفيلمنا هذا، “باريس، تكساس”، الذي لا يمل أحدنا من مشاهدته، لأجوائه الهجينة، بمعناه الحسن، وبالتالي الابتكارية، بين الأوروبي والأمريكي، يمكن أن يمثّل، الفيلمُ، ثيمة سينمائية تتعدى، في قمتها، فيندرز بشخصه إلى عموم السينما الأوروبية في الثمانينيات، أو في عموم النصف الثاني من القرن العشرين.
“ثلاثية العمالة” لأبو أسعد… الإشكالية في الأفلام لا في موضوعها
ليس في القول “ثلاثية العَمالة” أي ذمٍّ بأفلام الفلسطيني هاني أبو أسعد، بل فيه توصيف مبني على موضوع واحد تتشاركه الأفلام الثلاثة الأبرز له: «الجنة الآن» ٢٠٠٥، و«عمر» ٢٠١٣، و«صالون هدى» ٢٠٢١. في ثلاثتها تتمحور الحكاية حول العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي كموضوع إشكالي في الحالة الفلسطينية، وتكون الشخصية الرئيسية، في سلوكها المحدِّد لتطوّر الأحداث، مجرورة بحقيقة أبٍ عميل في الفيلم الأول، وصديق عميل في الثاني، وزميلة عميلة في الثالث. في هذا الأخير، «صالون هدى»، تتوسع العمالة عمّا كانته في الفيلمين السابقين له، تتخطى الحالةَ لتكون ظاهرة، فلا تتحدد بشخصية واحدة بل باثنتين، وبثالثة هي ضحية تلامس التعامل، ما يجعل العمالة في الفيلم عيّنة مجتمعية لا قصة استثناء فردي كما كانته في الأول، «الجنة الآن»، وكما بدأت تتخذ شكلَها المجتمعي في الثاني، «عمر».
«مدام دو…» لماكس أوفلس… فيلم ما قبل الثورة السينمائية
هو واحد من أهم كلاسيكيات السينما، في خمسينياتها تحديداً، وأهميته تكمن في حكايته وحواراته، إذ تدور الأحداث كلّها، بمواقف ومفارقات، حول قرطين يتنقّلان من حقيبة لأخرى، كأنّهما يتجولان إظهاراً للهيبوكريسي الذي يسود الطبقات البرجوازية في أوروبا ذلك الزمان، الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، والمعروفة بـ”الحقبة الجميلة” (بيل إيبوك)، فخلالها تدور أحداث الفيلم، وفي باريس مركز العالم آنذاك.
“أجنحة الرغبة” لفيم فيندرز… في حب المدينة
الفيلم قصيدة حب على أكثر من مستوى، حب للمدينة بمكتباتها وسيركها وشوارعها وحاراتها وسكّانها، حب للملذات الحسية في هذه المدينة كالموسيقى والقهوة والتجوال، وحب لامرأة تعيش وحدتَها في المدينة.
الفيلم التايواني “التساقط”…. الجائحة كحالة إنسانية
يحمل العنوان معنيين متوازيين، الأول هو الشلالات، وهو الإشارة المباشرة وغير المرشّحة لأن تكون ترجمة لعنوان الفيلم (The Falls)، حيث ينتهي الفيلم ومسار الأحداث فيه، وهي تتداعى، بشلال كاد أن يودي بكارثة إضافية على حياة الشخصية الرئيسية، الأم. ومن هنا نذهب إلى الترجمة والإحالة المناسبة للعنوان الأصلي وهو “التساقط”، بمعنى التداعي المتلاحق للأحداث المتساقطة، أو المتساقط فيها ركائز حياة الشخصية وهي امرأة تعيش وحدها مع ابنتها، طالبة مدرسة بعمر المراهقة ومزاجها.
«الجنرال» لبستر كيتن… وصفةُ الهندسة والكوميديا
كانت السينما، في بداياتها، وقبل إدخال الصوت إليها، أيْ في حالة صمتها، كانت تعتمد كلّياً على التلقي البصري لدى المُشاهد، ما يجعل الصورة، وما في داخلها من حركة، المورّد الوحيد للحكاية المؤلَّفة من تتالي صور ومَشاهد خلف بعضها، لذلك كان الأداء الجسدي، كما نراه في أفلام لتشارلي تشابلن ولبستر كيتن، هو الأساس في إيصال القصّة، مرفقاً أحياناً بلوحات مكتوبة تتخلل المَشاهد الحركية، لا يكون لها ضرورة في حالات كثيرة. فكانت الأفلام الصامتة هذه تعتمد على الحركات الجسدية والملامح لأبطالها تحديداً (كيتن وتشابلن وآخرين) ضمن مفارقات مضحكة، ساخرة، غريبة، مباغتة، هي في حالة تشابلن أقرب للتهريجية البسيطة والذكية، وفي حالة كيتن أقرب للبهلوانية الهندسية المعقّدة وكذلك الذكية.
«سائق التاكسي» لسكورسيزي… عن النظام الذي لا يتغير
قبل الدخول في عالم فيلمنا هذا، وهو عالم معقّد، لا بد من طرحٍ ولو سريع للسياق الذي أتى فيه «سائق التاكسي» الذي سيصير، مع تراكم تأثيره، جزءاً أساسياً من مكوّناته، بأثر رجعي. السياق هو السينما الأمريكية المضادة، المتمردة على سينما العصر الذهبي لهوليوود، سينما الأفلام الخاضعة لأنظمة كتابية وتصويرية وإخراجية صارمة. فيلمنا هذا كان واحداً ضمن موجة واسعة أسّست لسينما جديدة في الولايات المتحدة، أو ما بات يُعرف بالجيل الجديد في هوليوود.
“رمّان الثقافية”… لم يمكن المشوار الذي لن يكتمل، قصيراً
بدأت فكرة “رمّان” من غياب مجلة فلسطينية متخصصة بالثقافة، كصحافة يومية، فقمت بالتعلم قليلاً على برنامج “إنديزاين” لتصميم الصحف الورقية، ومع معرفة سابقة ببرنامج “فوتوشوب”، وبدأت إنجاز فكرة تجميع ما يتعلق بمواد تخص الثقافة الفلسطينية من الصحف العربية، لإعادة نشرها في أعداد المجلة إضافة إلى مادة الغلاف التي كانت مقابلة أجريها أنا للمجلة، ومع الوقت صارت تصلني مقالات ومساهمات خاصة، وكل ذلك بلا مقابل مادي. صدر العدد صفر في يناير ٢٠١٠، واستمرت المجلة حتى ١٢ عدداً و٣ ملاحق (صارت أرشيفاً اليوم). كل ذلك انطلق من فكرة أن يكون للثقافة الفلسطينية مساحة واحدة تجمع وتؤرشف التناول الصحافي، وبالتالي المشهد الثقافي الفلسطيني صحافياً.
«كلّ شيء عن أمي»… تأسيسٌ لحضور الأم في أفلام ألمودوڤار
يصعب، في الحديث عن المخرج الإسباني بيدرو ألمودوڤار، تحديد فيلم دون غيره للقول إن فيه انتقالة نوعية في مسيرته الفيلمية، فلألمودوڤار أسلوبه ذاته، الشكل عنده تطوّر في إطاره، ولم يتغيّر. موضوعاته متفاوتة إنّما بخفّة، كأنّه يحكي فيها عن شخصيات يمكن في عوالم ما خلف الأفلام أن تلتقي فيما بينها، صدفةً، لتَشاركها الكثير من يومياتها واهتماماتها.
«قصة طوكيو» لياسوجيرو أوزو… التأمّلية سينمائياً
إن كان لأحدنا أن يختار فيلماً يتفحّص من خلاله معنى أن تكون السينما تأمّلية، فقد يكون فيلم «قصة طوكيو» للياباني ياسوجيرو أوزو المثال الأفضل لا لمساحة التأملية المسيطرة في فيلمه هذا وحسب، وهي ممتدة من أفلام سابقة، وإلى لاحقة، فهي أسلوب جمالي “أوزويٌّ” بشكل ما. بل، كذلك، للمكانة الكلاسيكية الاستثنائية لهذا الفيلم في تاريخ السينما في العالم.
بعد عامين من الجائحة… السينما ماتزال في الصالات
بين لحظة وأخرى، كاد أحدنا، في العامين الأخيرين، ينعى السينما، يعلن، حقيقةً هذه المرّة، موتَها بعدما تكالبت عليها ثلاثة عوامل اجتمعت أخيراً: التلفزيون الذكي كنسخة أحدث من الجهاز الذي ما برح يهدّد دُور السينما منذ وُجد، منصّات البث التدفقي والعروض المجانية على الإنترنت، وكلاهما ازدهر في العامين الأخيرين، الازدهار المتعلّق بالعامل الثالث وهو الجائحة البغيضة التي عاشها ومايزال يعيشها عالمنا، وما لحقها من دعوات للبقاء في المنزل ومن إغلاقات لصالات السينما.
العقابُ دوستويفسكيّاً
لعلّها العبارة الأشدّ حضوراً إن فكّر أحدنا بسببٍ ونتيجته، بضرورة النتيجة متى حلّ السبب، لاختصارها في كلمتين مباشرتَين كالطّلقتَين لا تأويل فيهما، عنواناً لرواية بضخامة «الجريمة والعقاب»، ضخامة في معناها قبل أن تكون في حجمها، وفي تفرّعاتها أدباً وسينما وتحليلاً نفسياً، الممتدة إلى ما يزيد عن قرن ونصف، منذ ظهرت الرواية عام ١٨٦٦.
«يد الله»… سورينتينو يصوّر حكايته
للإيطالي باولو سورينتينو فيلمان يمكن أن يكونا مقدِّمة لفيلمه «يد الله» الذي بدأت عروضه على “نتفلكس” قبل أيّام. أوّلهما هو «الجمال العظيم» (٢٠١٣) وثانيهما هو «شباب» (٢٠١٥). الفيلمان ممتازان، وقد يجتازا فيلمه هذا في جمالياتهما، تصويراً وسرداً، وإن لم يكن هذا “الحكم” حتمياً، ففيلمه الأخير الذي استعار عنوانه من اللاعب الأرجنتيني دييغو مارادونا، فيه ما يكفيه من الجماليات البصرية، بل وفي توافق هذه الجماليات مع قسمَي الفيلم الذَين يقدّم لهما كل من فيلمَي سورينتينو السابقين والمذكورين.





























