الكاتب: Saleem Albeik

رسالة سان سيباستيان: “الغياب الكبير”… العائلة وأثر أوزو

انقطع الابن عن أبيه لما يزيد عن عشرين عاماً، يعود إليه بعد تلقيه مكالمة من الشرطة تخبره بحالة الأب الحرجة ذهنياً، صار المدرّس الجامعي فاقداً لصوابه وذاكرته، محتجَزاً في مأوى صحي. يعود الابن المنقطع عن أبيه منذ طلاق والديه، وموت أمه، ليتعرف عليه مجدداً، إنساناً آخر غير ذلك الذي نفرَ منه الابن بعد الزوجة.

رسالة سان سيباستيان: “حب”… ترويض العاطفة

كما في فيلم سابق للمخرج الكتَلانية الإسبانية إيزابيل كوشيت، “المكتبة” (The Bookshop، ٢٠١٧)، حيث تنتقل امرأة إلى الريف وتكافح ضد المجتمع المحافظ هناك لتثبت ذاتها في ما تريده. هنا، في فيلمها المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان سان سيباستيان السينمائي، “حب” (Un amor)، تصل امرأة إلى قرية باحثة عن هدوء لم تجده في المدينة، تبدأ المتاعب من المشاهد الأولى، من البيت المتهاوي والمالك اللئيم، ثم أهالي القرية الفضوليين، وتحديداً الرجال وانتهازيتهم. أحدهم يبدو لطيفاً لكن تقاطعات لاحقة تثبت عكس ذلك، وآخر بدا غليظاً لكنها ستقع في حبه، بدءاً من رغبات جنسية ما تلبث أن تتحول إلى ما هو أعمق، قبل أن يطلب منها الخروج من البيت وبالتالي حياته. وقد بدأت علاقتها به بطرقه باب بيتها وسؤالها إن كان يهمّها إصلاحه لتسرّب الماء من سقف بيتها المتهالك، مقابل أن “تسمح له بالدخول فيها” كما قالها بكل ميكانيكية وبرود. رفضت ثم وافقت ثم تطورت العلاقة بما لا يشبه شخصيتها.

رسالة سان سيباستيان: “أوكورنو”… الأمومة كارثةً وخلاصاً

يبدأ الفيلم بمشهد طويل لامرأة تنجب طفلاً. القابلة، ماريا، هي التي يروي الفيلم قصتها. بدأت ماريا هنا كشخصية هامشية، فالكاميرا مسلطة تماماً على المرأة التي تجهد وتصرخ وتتألم. بدأ الفيلم بمشهد ثقيل نفسياً، بتصوير مقرّب على المرأة المنجبة. من بعدها سنقترب أكثر من ماريا، في قرية على جزيرة إسبانية أوائل السبعينيات. لكن التراجيديا التي ستحل على القصة كلها يقدّمها الفيلم باكراً، ابنة صغيرة للمرأة المنجبة تحمل جنيناً في بطنها، فتطلب من ماريا مساعدتها في الإجهاض وإلا ستفعل هي بنفسها، توافق ماريا تجنّباً لكارثة ما، فتحضر لها مشروباً سيتسبب في موت الفتاة، فتهرب ماريا عبر الحدود إلى البرتغال. المرأة الهامشية صارت، بالكارثة الملتصقة بها، أساسية.

رسالة سان سيباستيان: “الجزيرة الحمراء”… الاستعمار بعيني طفل

للمخرج روبان كامبيّو فيلم سابق قدّم اسمه عالياً في السينما الفرنسية، “١٢٠ ضربة في الدقيقة” (120 battements par minute، ٢٠١٧). ليتبعه بآخر قد يحافظ على هذا التقديم، هو المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان سان سيباستيان السينمائي، “الجزيرة الحمراء” (L’Île rouge). الفيلم ينقل يوميات عائلات فرنسية في قاعدة عسكرية في مدغشقر خلال السبعينيات، الأعوام الأولى لنيل الجزيرة استقلالها من الاستعمار الفرنسي، لكن الأخيرة أبقت على نفوذ وحكومة موالية، مع قواعد عسكرية لها تدرب الجيش المحلي على مواجهة المتمردين الرافضين للوجود الفرنسي، يتجلى هذا الرفض في أكثر من حالة، كهجوم بائعات الهوى على قاعدة عسكرية، لسبب سنعرفه لاحقاً هو أن الجنود الفرنسيين لم يكونوا يدفعون مقابل خدمات النساء الجنسية، كما يتجلى في رفض طلاب المدارس تعلّم الفرنسية. حالة ما بعد الاستعمار التي تعيشها الجزيرة واضحة في كل تفاصيل اليوميات التي تعيشها أكثر من عائلة فرنسية تتمتع بحياة رفاهية مقابل الفقر المسيطر على أهالي الجزيرة، وذلك كله نشاهده من خلال طفل، ابن أحد العسكريين، الذي يراقب من بعد، من خلف حواجز كأنه يفصل نفسه عن هذا المجتمع الاستعماري، من خلف صندوق يتخذه بيتاً للعب، من خلف زجاج الباب …

ما هي الأفلام الفلسطينية في التظاهرات الموازية بالمهرجانات؟

تقسم المهرجانات السينمائية أفلامها إلى المسابقة الرسمية، وهي واجهة المهرجان والمعيار لمكانته وأهميةِ أيٍّ من دوراته، والتظاهرات الموازية، الرسمية وغير الرسمية. الأفلام هي رافعة المهرجان، والدليل على تموقعه، وهو أوّل ما يجعل مهرجانات كانّ ثم فينيسيا وبرلين، أهم ثلاثة. الأفلام المشاركة في هذه المهرجانات بعروض عالمية أولى تجعلها كذلك، لتتبعها مهرجانات أصغر تأخذ من أفلام هذه الثلاثة وتضيفها إلى تشكيلة أقل أهمية، من ناحية اسم المخرج أو عنوان الفيلم. أهم هذه التالية هي مهرجانات سان سيباستيان ولوكارنو وروتردام وتورونتو.

رسالة سان سيباستيان: الفيلم يدل على المهرجان

لا تدلّ السينما وحسب على قطعة موسيقية ما، ينتظر أحدنا انتهاء الفيلم متفقّداً إياها في “الكريديتس” نهاية الفيلم، أو مشغّلاً “شازام” إن لم يكن في الصالة، محاولاً اكتشاف القطعة وربّما الفرقة، ما حصل معي خلال فيلم “Afire” في مهرجان برلين الأخير، لأجد فرقة أمرّر موسيقاها أكثر من غيرها. لا تدلّ السينما على جماليات فنية موازية وحسب، كلوحة مرّت في مشهد يبحث أحدنا عنها وعن فنّانها لاحقاً. تدلّ، السينما، كذلك، على أمكنة ومهرجانات يبحث أحدنا عن إمكانية تجريبها. بذلك وجدت نفسي أحضّر للمجيء إلى مهرجان سان سيباستيان السينمائي.

«فايربراند»… لعبة الملكة

ينوّع الجزائري البرازيلي كريم عينوز في أفلامه، بشكلها وموضوعها ولغتها. فيلمه الأخير، «فايربراند» (أو: جمرة) كان آخرها، وقد ذهب إلى الفيلم التاريخي، بل ابتعد أكثر في موضوع الفيلم ليقدم قصة من التاريخ الإنكليزي، وتحديداً عن الزوجة السادسة والأخيرة للملك هنري الثامن، كاثرين بار، ومن القرن السادس عشر.

«مايو ديسمبر»… الفيلم داخل الفيلم

يدخل أحدنا إلى الصالة لفيلم الأمريكي تود هاينز «مايو ديسمبر» بتوقعات عالية لا تصب بالنهاية في صالحه، مستمَدّة من فيلمه السابق «كارول» (٢٠١٥) شديد الحساسية والرهافة، صوتاً وصورة. هنا، في فيلمه المشارك بالمسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، دخل هاينز كذلك في نفوس شخصياته، متوغلاً فيها، في إرباكاتها، كما في «كارول» الذي يحكي عن علاقة حب بين امرأتين، إحداهما متزوجة والأخرى فتيّة. في فيلمه الأخير، كذلك أنشأ هاينز علاقة بين شخصيتين نسائيتين، لكنها ندية أكثر منها عاطفية، متقصّدة أكثر منها عفوية. وكان الذكور في الفيلم على الهامش من هذه العلاقة. هو هنا هامش محفّز ومتسبّب لزيادة في التعقيدات، لإثراء التناقض ما بين المرأتين.

ماذا عن السينما الفلسطينية في المسابقات الرسمية؟

ضمن مرحلتها الثانية، مع الثمانينيّات، بدأت السينما الروائية الفلسطينية مشوار المرحلة من قمّتها، قبل أن تنزل ثم تتواتر في مستوياتها صعوداً وهبوطاً. وهذا كلّه انعكس على حضور أفلام هذه السينما في المهرجانات العالمية، وقد تنوّع الحضورُ في مدى أهمية التظاهرات من عدمها، وفي الجوائز الممنوحة.

«ليمبو»… ضد البوليسيّة

بتصوير بالأبيض والأسود، بل بتصوير “مونوكروم” أقرب إلى الصورة الفضية حيث يغلب البياض على السواد، بخلاف أفلام “النْوار” الكلاسيكية، أي البوليسية التي يغلب فيها السواد كترجمة بصرية لغموض الحبكة البوليسية (والنْوار هو الأسود) وحتى في الأفلام الملونة، ودائماً مع الظلال الغالبة متى “تفتّحت” اللقطة. هنا، كان الشكل كما هو المضمون، في قصة تحقيق بوليسي، مختلِفاً ومبتكِراً.

«سوزومي»… أبواب الزلازل وإغلاقها

لمجرد أنه فيلم تحريك (أنيميشن) قد لا يحظى «سوزومي» بجوائز المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، وإن كان ليستحق ما يمكن أن يناله، فيحتار أحدنا من أين يبدأ في وصف الجماليات المتكثفة في هذا الفيلم، بصرياً وسردياً، وهو امتداد مستحَق لما عرفناه من أفلام الياباني هاياو ميازاكي، بل الفيلم يأخذ من أحد أبدع أفلام المعلم الياباني (Howl’s Moving Castle) فكرةَ الأبواب المفتوحة والمؤدية إلى عوالم أخرى.

“طريقة غربية للعيش” لألمودوفار… تفريغ الوسترن من ذكوريته

في فيلمه القصير الجديد، أتت سينما بيدرو ألمودوفار بحالتها المكثفة، في جمالياتها البصرية تحديداً، إذ ابتعد المعلّم الإسباني، في سرده هنا، عن التقاطعات السردية التي تمتاز بها أفلامه، ليكون السرد خطياً كلاسيكياً، ففيلم لنصف ساعة، قد لا يحتمل اللعب على سرديات الحكاية وطبقاتها، ما حمل الفيلم إلى تكثيفٍ في بصريات هي مألوف لمُشاهد أفلام ألمودوفار، لكنها أتت هنا مركَّزة، وبمستوى جمالي مرفق بهشاشة الشخصيتين وقصتهما.

«حريق»… رواية وامرأة وكوارث

أسئلة الكتابة تؤرق السينما في كافة أنواع هذه الأخيرة وأزمنتها وأمكنتها وثقافاتها، أحدثها سيكون هذا الفيلم المتمحور حول كاتب فاشل. لسنا هنا أمام انسداد في الرغبة أو الوحي أو الجاهزية للكتابة قد يعاني منها كاتب جيد يكون، بذلك، بطلاً نموذجياً لفيلم. نحن هنا أمام كاتب فاشل، اسمه ليون، مشكلته ليست في أزمة كتابةٍ طرأت وكانت موضوع الفيلم، بل في فشله أساساً، وهو ما ينعكس أولاً على النص الذي تلقى رأياً سلبياً حياله من ناديا، وقراراً سلبياً من الناشر، وينعكس ثانياً على نفسيّته ونظرته تجاه الآخرين. هي نظرة منتقدة وكارهة واستعلائية. قال لناديا التي سمّت رأيها نقداً، إنه ما كان ليسميه “نقداً”، مستخفاً بامرأة تبيع الآيس كريم نهاراً وتعلو أصوات ممارسة الجنس من غرفتها ليلاً. لاحقاً سيعرف أنها تحضّر رسالة دكتوراه في الأدب.

«٢٠٠٠٠ نوع من النحل»… الأحاسيس في طفولتها

الشخصية الرئيسية كانت طفلاً أو طفلة. لنقل طفلة، كما أرادتها الشخصية الرئيسية ذاتها، وكذلك الفيلم، أن تكون. لماذا كما أرادتها هي؟ لأن القصة تتمحور حول طفل، وَلد، يريد أن يكون فتاة، ولماذا كما أرادها الفيلم؟ لأن اسم الشخصية كما نقله الفيلم، هو الاسم الأنثوي الذي اختاره الطفل لذاته، لوثيا، كما نقرأ في شارة النهاية. لنقل من الآن إذن إن الشخصية الرئيسية طفلة وليست طفلاً.

«العربة الكبيرة»… المسرح حياة عائلية

تتكسّر عربة مسرح الدمى بفعل أمطار وعواصف. في هذا المشهد السريع، الانعطافي في سير الأحداث، تتلخص قصة الفيلم الجديد للفرنسي فيليب غاريل، الذي خرج فيه من أفلامه الأخيرة الممكن تسميتها باستعادة معاصرة لـ “الموجة الجديدة” الفرنسية، متوجهاً بجديده إلى دراما عائلية، بمشروع عائلي هو فرقة مسرح دمى متجول (بتمثيل أبنائه الثلاثة)، يموت الأب باكراً مورّثاً هذا الفن إلى أبنائه غير المعنيين، تماماً، بالاستمرار به.

«حَيوات سابقة»… ديمومة الحب

هو العمل الأول لمخرجته الكورية الكندية سيلين سونغ، يحكي عن كاتبة مسرحية كندية هاجرت مع أهلها من كوريا الجنوبية، وتعيش وتعمل حالياً في نيويورك، هي هذه شخصية الفيلم، وهي كذلك مخرجته وكاتبته. الفيلم شاعري ومحبوك جيداً، وتقييمه هنا يتخذ قيمة عليا لكونه أول عمل لها. وهي، بفيلمها الأول، دخلت المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، باستحقاق، لعناصر عدّة في الفيلم أهمّها السيناريو.

«إنغبورغ باخمان: رحلة في الصحراء»… الشعر ضد الزواج

في فيلمها الجديد، تبقى المخرجة الألمانية مارغريت فون تروتا في ساحتها المفضلة، السيّر الذاتية. منها وثائقي عن السينمائي السويدي إنغمار بيرغمان، وروائي عن الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت. هنا، عادت بروائي عن حياة الشاعرة والكاتبة المسرحية النمساوية إنغبورغ باخمان، في تصوير لعلاقتها المتوترة مع شريكها الروائي والمسرحي السويسري ماكس فريش.

«فتى الديسكو»… توحّش وخلاص

لا يمكن مشاهدة الفيلم من دون استعادة الفيلم البديع للفرنسية كلير دوني «عمل جيّد» (Beau Travail)، ولا يكون ذلك بربط في أسلوب أو مقاربة لموضوعٍ ما وحسب، بل في تفاصيل تعمّ الفيلم مستوحاة من الفيلم الفرنسي. أهمّها ما تمس الشخصية الرئيسية، وبمَشاهد تستعيد تلك التي صارت إحدى أكثر مشاهد الرقص في السينما، الأوروبية على الأقل، تعلّقاً في الأذهان، وكان، في كلا الفيلمين، مشهداً ختامياً، برقصٍ يجمع بين التمرد والنشوة، بانفراد وغرابة في الساحة، في ناد ليلي. فيلم الإيطالي جياكومو أبروزيسي، كما هو فيلم كلير دوني، يحكي عن متطوعين في “الفيلق الأجنبي الفرنسي”، ولما يرونه من فظائع في إفريقيا، بين حروب أهلية وأخرى هم طرف فيها، تتوحش شخصياتهم، وكان المكان الأنسب لإظهار ذلك، المدينة، باريس في زيارة إجازةٍ إليها، إلى نواديها الليلية. يبدأ الفيلم بشاب بيلاروسي يهرب ميشاً وسباحة إلى فرنسا. ينتسب إلى الفيلق كي ينال الإقامة فوراً والجنسية بعد خمس سنين. في إحدى العمليات العسكرية في نيجيريا، وقتال مع متمردين على الحكومة هناك، يقتل قائداً محلياً ويدفنه، ويمتنع قبلها عن إنقاذ أطفال ونساء في قرية تحترق، لأن أوامر المَهمة كانت إنقاذ الرهائن الفرنسيين. يلتقي بشقيقة …

«أورلاندو: سيرتي السياسية»… فيرجينا وولف معاصرة

للروائية الإنكليزية فيرجينا وولف، راوية تتحول شخصيتها الرئيسية جنسياً، في رحلة تاريخية تلتقي فيها برموز من تاريخ الأدب الإنكليزي. فيلمنا هنا، اتّخذ من كتاب وولف، Orlando: A Biography، منطلقاً إنما بشكله المعاصر، ليضيف إلى العنوان مفردة “سياسية”، فيكون عنوانه Orlando ma biographie politique، حاملاً التحول الجنسي من صفته موضوعاً أدبياً لسرد حكاية تتخطى الأزمنة، إلى واقع سياسي بقدر ما هو اجتماعي وحقوقي.

ترميم “باب الشمس”… كالعثور على فيلم مفقود

ليس ترميم فيلم المصري يسري نصرالله “باب الشمس” حدثاً سينمائياً عربياً وحسب، هو بالقدر ذاته حدث سينمائي فلسطيني خاص، للمكانة التي يشغلها الفيلم في عموم المسيرة السينمائية لهذا الشعب، وهي مسيرة تخللتها بل ساهمت في تأسيسها، أفلام عربية في صناعتها، إخراجاً وكتابةً وتمثيلاً وإنتاجاً. هي عربية تماماً كما هو حال “باب الشمس”، وهي، بانتمائها للقضية، فلسطينية تماماً، فالفنون الفلسطينية، كما كانت دائماً، تتخطى الفلسطينيين. أما مكانة الفيلم في عموم المسيرة هذه، فهي في كونه الأفضل شكلاً ومضموناً باعتباره عملاً سينمائياً متكاملاً، وهو، فوق ذلك، ملحمي. وإن كان ذلك يعود إلى حِرفية نصرالله السينمائية، فهو يعود بالدرجة ذاتها إلى الحرفية الأدبية والفكرية والسياسية لالياس خوري، مؤلف الرواية التي أُخذ الفيلم عنها.

«يوماً ما سنخبر بعضنا بكل شيء»… تجاورات محرمة

في ألمانيا العام ١٩٩٠، مع أخبار عن توحّد البلد وعاصمتها المقسمة إلى شرقية وغربية، في ما يبدو فيلماً حول أفراد عاشوا لحظة تاريخية لبلدهم، كأنّ الشخصيات خلفية للحظة تلك، يتقدم الفيلم بإيحاءات إلى تناقضات شقَّي ألمانيا، في الشرقية كانت الجدة تخفق الكريمة وتصنعها، بعد توحد البلاد صارت تشتريها مصنّعة، تعلّق ماريا، الحفيدة، لجدتها بأن كريمتها أطيب. إيحاءات كهذه تكثر في لحظة التقاء أحد الأبناء بعائلته، وقد هرب صغيراً إلى ألمانيا الغربية للدراسة والعمل.

«تشريح السقوط»… نفي الرواية الواحدة

تتخذ الأفلام لنفسها، بحسب الموضوع، مكاناً أو زماناً محددين، يحدّان بالتالي من طبيعة التناول وتطوره، منها أفلام المَحاكم التي يحكمها مكان محدّد يحتّم تشابهاً عاماً، في السياق، لهذه الأفلام، فتكون القصة في بدايتها مقدّمة لما سيلها في قاعة المحكمة التي تستحوذ على عموم الفيلم.

«بنات ألفة»… تداخلات الشكل والموضوع

لا يمكن للانطباع الأولي تجاه فيلم «بنات ألفة» إلا أن يكون مندهشاً لشدة البؤس الذي آلت إليه شخصيات الفيلم، كأنّ أجدنا يحاول تكذيب ما شاهده تفادياً للصدمة المتشكلة تباعاً على طول الفيلم. وذلك قبل استيعابٍ لاحقٍ لما حصل، فالحديث هنا عن شخصيات واقعية لاتزال تعيش ما بدأه الفيلم من حياتها.

«النادي صفر»… مصادفات سيئة

توسّلَ الفيلم موضوعاً غير عنيف في ظاهره، وإن لم يكن كذلك في نتيجته، لتصوير حالات التطرف والمغالاة مهما كانت دوافعها. ليس الموضوع دينياً هنا في شكله المباشر، لكن المشهد الأخير، الأغنية المرفقة والإشارات إلى المسيح في كلماتها، أحالت المغالاة التي بني الفيلم قصته عليها، إلى ما هو أبعد من التطرف في رفض تناول الطعام وحسب. انتهى الفيلم بلقطة حاكت لوحة “العشاء الأخير” لليوناردو دافنشي، والمسيح جالس إلى طاولة طعام مع أتباعه. في هذا المشهد تحديداً، تقول فتاة بأن ما يحتاجه أحدنا، للقدرة على الامتناع عن الطعام، هو الإيمان.

“الصيف الفائت”… تعقيدات الرغبات والمشاعر

ترتكز أفلام الفرنسية كاترين بريّا على العلاقات الحميمة بأشكالها المحرّمة، بلقاءات أولى لعلاقة جنسية لا يجب أن تكتمل، بالمعنى الأخلاقي العام والمشترَك، وليس بالمعنى السردي، إذ أن إشكالات وربما مآسٍ شخصية ستتطور نتيجة لتلك العلاقات، في كونا عنصراً سردياً يبنى عليها الفيلم. هي مبعث ذلك البناء، هي مبرّر الفيلم في النهاية، وبخلافها ستكون الحبكة رتيبة لا طلعات فيها ولا نزلات.

«أوراق متساقطة» لآكي كاريزماكي… ارتقاء الأسلوب

من يحب سينما كاريزماكي، سيجد الفيلم إضافة جميلة أخرى في أسلوب المخرج الفنلندني ومواضيعه. هنا، ارتقى آكي كاريزماكي في الأسلوب والموضوع الأثيرين لديه، في دمج استثنائي، وصار بصمة له، بين الرومانسي في أكثر الحالات رقة، والاجتماعي في أكثرها هشاشة. وجدنا ذلك في أفلام سابقة له هي Shadows in Paradise (١٩٨٦) و Ariel (١٩٨٨) و The Match Factory Girl (١٩٩٠). أتى كاريزماكي، أحد أجمل المخرجين الأحياء، برابعٍ لهذه الثلاثية، إلى المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي.

«مدينة آسترويد» لويس أندرسون… تلوين بالملل

ينغمس الأمريكي ويس أندرسون في شكل فيلمه، ينسى القصة والشخصيات ويُتبعها كلها بما يريد تصويره، كأنه يصنع سيركاً لا فيلماً. يمكن أن يكون ذلك جذاباً في بداياته إنّما تفشى الملل في أفلامه رويداً رويداً، إلى أن وصلها أخيراً في فيلمه المنافس في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، «مدينة آسترويد».

«مخطوف» لماركو بيلوكيو… تراجيديا الفاتيكان

الفيلم تراجيدي تماماً، بالمعنى المسرحي الإغريقي حيث تنال الشخصية الرئيسية حتفها مهما حاولت تفاديه على طول المسرحية/الفيلم، لارتكابات “لاأخلاقية” تسببت بالعقاب الرباني الحتمي. لكن كيف يكون ذلك في فيلم نالت الشخصية الرئيسية فيه ما أرادته، بالنهاية؟

“الحب والغابات”… حيث تفترق بدايات الحب عن نهاياته

يبدأ الفيلم بامرأة تلتقي صدفةً برجل في بار عزمتها إليه أختها كي تلتقي بأحدهم حضّرته الأخت لها، تلتقي الأولى، بْلانش، صدفةً بآخرَ لتبدأ العلاقة معه وبالتالي قصّة الفيلم. هذا استهلال عادي للسينما، حيث تلعب الصّدف دوراً في تشكيل مآلات الشخصيات ومساراتها. أما ما يجعل القصة، وبالتالي نسبياً، الفيلم، مثيراً للاهتمام فهو طبيعة التناول لما سيأتي لاحقاً. أي المسار والمآل.