الكاتب: Saleem Albeik

رسائل البرلينالي: “شاي أسود”

انتظر أحدنا عشرة أعوام منذ الفيلم الأسبق للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو “تمبكتو”، ليترك أخيراً الصالة بخيبة لم يرِدها. فالقصة وهي علاقة حب قلقة بين امرأة من ساحل العاج ورجل من الصين، واللقطات الجميلة كما بيّنت الصور المتاحة قبل المشاهدة، أمكن لها أن توحي بفيلم رقيق وجديد في طرحه. لكنها لم تفعل.

رسائل البرلينالي: “احتياجات مسافرة”

المخرج الكوري هونغ سانغ-سو صاحب أسلوب خاص، كثيف الإنتاج والحضور في المهرجانات، بل ونيل جوائزها، يمكن أن يُخرج فيلمين في العام ويعرضهما في اثنين من المهرجانات الكبرى. هو حالة خاصة عالمياً في كل هذا. ولسطوة أسلوبه، يختار أحدنا مشاهدة فيلم له، من دون تردد، لمعرفة مسبقة بخصوصية ما سيشاهده.

رسائل البرلينالي: “يموت”

قد يكون من بين الأقوى على طول هذه الدورة من مهرجان برلين السينمائي، في مسابقته الرسمية، يساعد في ذلك أيضاً أن لا أفلام قوية حتى الآن، بمعنى أن أحدها متكامل بوصفه فيلماً بجوانب فنية مختلفة يمكن أن ينافس، من خلال تكامله، على أهم جوائز المهرجان.

رسائل البرلينالي: “خارج الزمان”

تنقّل المخرج الفرنسي أوليفييه أسّاياس بين مهرجانَي كان وفينيسيا مرّات قبل أن يُدرج أول فيلم له في مهرجان برلين السينمائي. فبعد ٥ أفلام في كان، تخللتها ٣ في فينيسيا، أولها عام ٢٠٠٠ في المهرجان الفرنسي، وآخرها عام ٢٠١٩ في المهرجان الإيطالي، أدخل أساياس فيلمه الأول إلى البرلينالي، كأنه أول تردداته إلى هذا المهرجان بعد محاولات عدة في المهرجانين لم ينل فيها  سوى “أفضل إخراج” عن Personal Shopper، و”أفضل سيناريو” عن Something in the Air، والحديث دائماً عن المسابقات الرسمية.

الجائزة كخبر جيد والفيلم كخبر سيئ

يمكن لخبر واحد أن يحمل تفاؤلاً أوّلياً بمعزل عن أي تفاصيل أخرى، هو أن يفوز فيلم فلسطيني بجائزة في مهرجان هو في حالتنا هذه فرنسي. من بعد هذا التفاؤل غير المشروط، يدخل أحدنا أكثر في التفاصيل التي ستغيّر قليلاً من إدراكه.

الامتياز الفرنسي في كتم الصوت الفلسطيني

بعد أكثر من أربعة أشهر من حرب إبادة على قطاع غزة وأهله، ما لم يتعرّض له شعب آخر في التاريخ المعاصر بهذه الكثافة، وبعد رأي عام عالمي وحراكات واحتجاجات ومظاهرات ومقاطعات، لم يسبق أن كانت بهذا الزخم والاستمرارية، وبعد تقارير أممية وحقوقية وبعد مرافعات محكمة العدل الدولية، وأساساً بعد الصور والحقائق القادمة من القطاع، وغيرها مما دلّ على حجم الكارثة التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي هناك، أمكن لأحدنا أن يرجّح أن الهياج والترهيب الغربيين في كل ما خص التضامن مع الفلسطينيين كشعب يعيش تحت الاحتلال، وله الحق كما هو لغيره في مقاومة محتله بشتى الوسائل، أن الهياج هذا سيرتدع أو على الأقل يخف.

“أشياء بائسة” ليورغوس لانثيموس… الغرائبية معكوسة

صنع اليوناني يورغوس لانثيموس لنفسه أسلوباً سينمائياً متمايزاً، يمكن وسمه بالغرابة، بالعبثية لا في مآلات الشخصيات، لا في تطور الحبكة، بل في أساسها، في طبيعة ما يحصل على الشاشة، لا في “كيف يحصل”. مكونات هذه الحبكة من شخصيات وأحداث هي بحد ذاتها عبثية غرائبية، لا ما تمر به الشخصيات أو ما يطرأ على الأحداث. الغرائبية بنيوية هنا.

السياسة ضرورة سينمائية… “تشريح سقوط” مثالاً

لا تكون السينما إلا سياسية، حتى في أكثر حالاتها ترفيهاً، هي بذلك ولذلك سياسية، وفي حالاتها الفنية هي كذلك سياسية. لكلا الحالتين موقف سياسي بأبعاد اجتماعية وثقافية. التفاهة موقف سياسي، كذلك الأخلاقيات موقف سياسي، وكله حاضر في السينما، كنوع فنّي، مهما كان الفيلم، لكن السياسة بمعناها المباشر حاضرة كذلك، كما أن للفنان صاحب الموقف السياسي المباشر، مصداقية العمل الفني في كافة جوانب هذا العمل. مثالان تطرحهما هذه المقالة هنا: حفل جوائز لوميير في باريس، وفيلم “تشريح سقوط”، وكلا المثالين مترابطين.

عن الإلغاء والإلغاء الذاتي… “رمّان” في “برلين السينمائي”

خلال الشهرين الفائتين، كدتُ بين لحظة وأخرى ألغي الاعتماد الصحافي الذي نالته “رمان” من مهرجان برلين السينمائي لدورته الحالية، وفي ذهني كلماتٌ أرسلُها إلى المهرجان أعبّر فيها عن مقاطعة مجلة لهم، هي من بين الجهات الصحافية العربية القليلة التي تقدّم تعليقات نقدية عن الأفلام من المهرجان مباشرة، والوحيدة المستقلة، كما فعلتْ العام الماضي في “برلين” وغيره، في سعي لمكانة جديدة للمجلة في النشر الثقافي التخصصي والنقدي والجاد، وليس الإخباري المُلاحق لكواليس المهرجانات وثرثراتها.

الصحافة الثقافية وزمن الإبادة… في تجربة “رمان الثقافية”

“ضمن ملف لموقع فارءة معاي عن الصحافة وحرب الإبادة في غزة”. لا يمكن لأي عامل في الصحافة الثقافية إلا أن يجد نفسه أمام سؤال لا إجابة سهلة ومباشرة عنه: هل من جدوى للثقافة ولصحافتها في زمن الإبادة؟ سأحاول هنا تقديم إجابة من خلال تجارب “رمان الثقافية”، المجلة الفلسطينية التي أحررها، في زمن صحافي صعب للتخصصات الثقافية.

“عائدة” لكارول منصور… العودة وإن بالاحتيال

الكثير من المواضيع الفلسطينية في السينما والأدب والفنون عموماً، تكرّرت في أساسها، فهذه القصة طُرحت، بشكل أو بآخر، هناك، وتلك الشخصية تشابه، بشكل أو بآخر، شخصية هنا. تَعبر العناصر السردية الأنواعَ الفنية المتناوِلة للفلسطينيين وقضيتهم. يبقى الاختلاف والتمايز في “كيف هي القصة؟” لا في “ما هي القصة؟”، ويبقى في الأسلوب الذي يجعل من عمل فني -سينمائي في حالة موضوعنا هنا- عالياً أو عادياً أو متواضعاً.

سينما الفلسطينيين تفريع عن السينما الفلسطينية

تداخلت القضية والهوية الفلسطينيتين بشكل لا يمكن اليوم فصل إحداهما عن الأخرى، لأسباب أهمّها أن الهوية المعاصرة تعمّرت على أساس القضية التي تعود لأوائل القرن الماضي ونشوء المشروع الصهيوني، وبشكل أكثر تحديداً لعام النكبة ونشوء دولة إسرائيل.

مَشاهد المسافة صفر القسّامية والفيلم النّضالي الفلسطيني

في زمن يعود بنا نصف قرن، كانت الكاميرا بيد الفلسطينيين سلاحاً يطلق أربعة وعشرين صورة في الثانية، العبارة التي ألقاها مرّة مصطفى أبو علي، رائد السينما النضالية الفلسطينية، في مهرجان دمشق السينمائي، والمأخوذة عن سطر لأوكتافيو جيتينو وفرناندو سولانا في بيانهم التأسيسي عن السينما النضالية في العالم، حيث الأفلام سلاح ثوري في مواجهة الفاشية والاستعمار.

التاريخ في السينما الفلسطينية… بين النكبة والحكم العسكري

من أين يمكن لأحدنا أن يبدأ حديثاً عن التاريخ في السينما الفلسطينية؟ لكن أولاً، ما المقصود بالتاريخ هنا؟ يمكن الافتراض أن للنكبة عند الفلسطينيين مكانة الحرب العالمية الثانية عند الأوروبيين مثلاً، محطة كارثية تفصل ما سبقها عمّا لحقها. التاريخ الفلسطيني المعاصر والممتد بآثاره وأشكاله المتجددة، يبدأ من النكبة ويستمر حتى اليوم بتراكم نتائجه وخروجها بتمثيلات جديدة للنكبة. لكن هذا لا يعني أن فلسطين بوصفها بلداً وشعباً وحركة تحرر وطني من الصهيونية، لم تبدأ مع أوائل القرن الماضي وحلول المشروع الصهيوني في البلاد، وخير مثال عليها الثورة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٣٦ التي أطلق شرارتها الأولى الشيخ عز الدين القسام.

رسالة سان سيباستيان: “الوريث”… اضطراب عائلي

اضطراب العلاقة العائلية، بالنسبة للابن، حضر في فيلم سابق للمخرج الفرنسي إكزافييه لوغراند، في فيلم “وصاية” (Custody)، حيث يتبارى الوالدان، قانونياً، في نيل الوصاية لتربية ابنهما. هنا، في الفيلم المنافس في المسابقة الرسمية للمهرجان الإسباني، “الوريث” (LE SUCCESSEUR)، ندخل في علاقة مضطربة كذلك ستتبين لاحقاً، لرجل مع أبيه المتوفى حديثاً.

هل يستهلّ “الأستاذ” مرحلةً جديدة للسينما الفلسطينية؟

أنطلق في محاولة الإجابة عن السؤال في العنوان، من واقع أن أفلاماً في مسيرة السينما الفلسطينية استهلّت مراحل هي من ناحية منفصلة عن سابقتها، شكلاً ومضموناً، وهي من ناحية أخرى امتداد لها إنّما ضمن سياق تاريخي يفرض شروطه على العمل الفني وهو هنا سينمائي. الأفلام هي “عرس الجليل” لميشيل خليفي، و”سجل اختفاء” و”يد إلهية” لإيليا سليمان، باعتبار فيلمَي سليمان تجربة واحدة.

“سجل اختفاء” و”عرس الجليل”… استشراف الحدث السياسي

تُقسّم السينما الفلسطينية إلى مراحل تبعاً للسياق السياسي، أي لمكانة حركة التحرر الوطني الفلسطيني وحالها في تاريخها، من منطلق أنّ الواقع سابق للأفكار والفنون، وأنّ الأخيرة تعكسه، في تيارات ومراحل وأنواع سينمائية منبثقة عن واقع صنّاعها وشعوبهم.

“نابليون” لسكوت… سفاهة الجدال الفرنسي الإنكليزي

فرح النقاد الإنكليز بفيلم مواطنهم ريدلي سكوت، “نابليون”، وغضب منه زملاؤهم الفرنسيون. نال تقييماً ابتهاجياً في الصحافة شمال بحر المانش ونال تقريعاً مغالياً في تلك التي بجنوبه. كأن الحديث عن كتاب تأريخي، للسيرة الذاتية لأحد أكثر الرموز الوطنية إشغالاً في فرنسا، نابليون بونابرت. كأن الفيلم أخرج من دواخل هؤلاء وأولئك النعرات القومية والتاريخ الطويل من الحروب بينهما.

“المبنى ٥” للادج لي… سينما الضواحي كما يجب أن تكون

في السينما الفرنسية، تتزايد الأفلام المتناولة للضواحي وقضاياها الاجتماعية، لتكون لهذه السينما سمةٌ لا أقول جديدة بل تتوسّع في السنوات الأخيرة ، تُضاف إلى سمات أخرى يمكن تلمّسها في الأفلام الفرنسية عموماً، في القصص المركّبة والعلاقات السريعة والمسائل العائلية، بعيداً عن التشويق والحركة، في اعتماد أساسي على النص والحوارات وهموم الأفراد العاديين.

في ضرورة مرحلة جديدة للسينما الفلسطينية

ليس في مسيرة السينما الفلسطينية فقط، أحدثت التغيراتُ التاريخية تغيراتٍ سينمائية، فهذه الأخيرة دائماً تلحق الأولى، حالها حال الفنون والأفكار في تشكّلها استجابةً للواقع، أكانت هذه الاستجابة تماشياً أو تمرّداً أو ما بينهما، مراوغةً. مثالٌ على الحالة الأخيرة كانت “الشكلانية” في السينما والفنون السوفييتية في سياق قمعٍ بوليسي، في الحالة الأولى كانت “الموجة الجديدة” الفرنسية و”الواقعية الجديدة” الإيطالية، الأولى موازاةً لسياق ثوري أوصلَ إلى ثورة مايو ٦٨، والثانية لسياق مأسويّ انهياريّ لحال البلاد ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما حالة التمرد فكانت في “الفيلم النضالي” المرافق لثورات تحرّرٍ وطني أو اجتماعي في سياق احتلال أجنبيّ أو حكم شموليّ، في عموم بلدان الجنوب العالمي. تظهر تيارات، وكذلك تختفي أخرى كما هو حال “السريالية”، ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا لفداحة فظائعها، ولفراغ معنى الفن السريالي، بصفته متخطياً للواقع، من بعدها.

“السنديانة العتيقة” لكين لوتش… النّبلُ سمةً سينمائية 

إن كان من كلمة واحدة لتصف سينما البريطاني كين لوتش، ستكون “النّبل”، وهذه الصفة تتكرّس مع كل فيلم جديد لأحد أكثر المخرجين الأحياء تكريماً في العالم. يمكن العودة إلى النّبل لدى لوتش في مواقفه السياسية والاجتماعية لقضايا قد تكون أكثرها حضوراً في تصريحاته القضية الفلسطينية، وهو مساند أساسي لدعوات مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي ثقافياً واقتصادياً.

“قتلة زهرة القمر” لسكورسيزي… كأنّ الحدث فلسطيني

مع كل جديد للأمريكي مارتن سكورسيزي، تتزاحم المواضيع التي يمكن من خلالها تناول الفيلم أو البدء في تناوله، لزخمها في إسقاطاتها بالحوارات والمشاهد، على واقع يعيش أنواعاً من الظلم في المجتمع والتاريخ، تأتي بقصص فردية ليست بالضرورة تمثيلات لما هو أوسع.

الأطفال شخصياتٍ رئيسية في السينما الفلسطينية

بالنظر إلى عموم السينما الفلسطينية، على طول مسيرتها، يمكن الخروج بمواضيع رئيسية وثانوية، بميول نحو قصص بعينها، بمشاهد وعلامات بصرية تتكرّر، لكن كذلك بحضور ملحّ للأطفال، كشخصيات رئيسية أو ثانوية، وبحالات تصل إلى التمرّد.

حضور غزّة وغيابها في السينما الفلسطينية

تغيّرٌ درامٌّي طال قطاع غزة بوصفه موقعاً للسينما الفلسطينية، حيث تدور الأحداث وتتحرّك الشخصيات، من أفلام ما قبل العام ٢٠٠٠ إلى ما بعده، ما جعل القطاع، أخيراً، مهمَّشاً في عموم الصناعة السينمائية الفلسطينية خلال الربع قرن الأخير. لذلك أسباب متقاطعة لكنهّا غير مبرِّرة.

تمثيلات المقاومة وخيباتها في السينما الفلسطينية

لا يمكن للقارئ في تاريخ السينما الفلسطينية وراهنِها إلا أن تنتابه خيبة ما، من نسبة حضور المقاومة، كفعلٍ مباشِر ومنظَّم، ومن طبيعة هذا الحضور. بتتبّع مسيرة هذه السينما، لا يجد أحدنا سوى فيلمين حيث تكون المقاومة بشخصيةٍ رئيسية وبصورةٍ إيجابية.

رسالة سان سيباستيان: “الفندق الملكيّ”… الانتقام دفعة واحدة

ضمن وَسط ممتلئ بمختلف أشكال الذكورية، ما الذي تفعله فتاتان قادمتان من بعيد، في بارٍ وسط الصحراء؟ هذا ما يدور حوله فيلم الأسترالية كيتي غرين المنافس في مهرجان سان سيباستيان السينمائي، “الفندق الملكيّ” (The Royal Hotel). يبدأ الفيلم بفتاتين كنديتين في أستراليا، ينقصهما المال فتضطران للعمل كي تكملا إجازتهما ومغامرتهما، يجدان باراً في وسط الصحراء، يبعد ساعات بالسيارة عن أقرب مدينة. هناك يتمركز الفيلم بمعظمه، بعد مقدّمة سريعة، وهناك ينتهي.

“الأستاذ” لفرح نابلسي… المقاومة بوصفها احترافاً

في فيلمها القصير، “الهدية”، قدّمت فرح نابلسي ضمن سياق فلسطيني تقليدي، تنويعاً بالبعد الإنساني والقدرة الطفولية على التحقيق، في ما هو خارج المتوقَّع والمقبول بقوانين الكبار، أي بشروط الواقع، فعَبرت الطفلة الحاجز كما لم ينتظر أحد. وبفيلمها الطويل الأول، “الأستاذ”، حملت نابلسي أهمّ قيمتين في فيلمها القصير، إنسانية الحالة الفلسطينية والقدرة على التحقيق بتحدٍّ للشروط الواقعية للاحتلال. عنصران جعلا من الفيلم إضافةً نوعية لمسيرة السينما الفلسطينية، لسببٍ رفعَهما وهو الشغل البصري الممتع في نقل سرديةٍ مكتوبة بعناية.