ليس أول أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي فيلم جوائز كبرى، لكنه جميل وممتع، إلى الحد الأعلى الممكن لفيلم يقف على عتبة الجوائز. فيلم يمر سريعاً في مهرجان بشعور جيد وكافٍ، فعادة أولى العروض تكون مختارة للتحضير لما هو أفضل، برأي المبرمجين، المتروك للنصف الثاني من المهرجان.
فيلم التركي إلكير تشاتاك، “رسائل صفراء” (Yellow Letters)، جيد، أفضل ما فيه السيناريو، وهو بإحالات قد لا تعني غير المكترث بمكانة المسرح من جهة، والموقف السياسي للفنان من جهة أخرى.
زوجان مع ابنتهما بعمر المراهقة، في أنقرة، هو كاتب مسرحي وأستاذ جامعي، وهي ممثلة ترفض من أول المَشاهد أن تتصور مع إحدى شخصيات الدولة. يبدأ الفيلم بمسرحية يجمع بينهما يحققان فيها نجاحاً، قبل أن يدعو هو طلابه إلى المشاركة في مظاهرة ترفع أعلام المثليين وأعلام فلسطين وأعلاماً حمراء. لكليهما موقف انتقادي للنظام في تركيا. يُفصلان من عملهما ويبدآن حياة جديدة بتحدياتها. هو متمسك بما قال إنه سينقذ العالم بمسرحياته وهي تريد إنقاذ العائلة وابنتها.
الفيلم مواجهة على مستويين: مبادئ الفنان وأخلاقه الفنية والسياسية، بينها وبين براغماتيته وعزله لنفسه عن الناس والشأن العام. هذا المستوى الأول، أما الثاني، فكان تجسيداً أكثر وضوحاً للأول، أو تطبيقاً عملياً له، إذ كانت المواجهة بين المسرح وما يمثله، وما مثّله تاريخياً، من حالة احتجاج فني على نظام سياسي واجتماعي واقتصادي قائم، وبين التلفزيون ومسلسلاته وما تمثله من سيطرة على الجمهور ودعم من النظام وأجهزته الإعلامية، المسرح بوصفه مستقلاً والمسلسل بوصفه ملحَقاً. الزوجة تترك مسرحية زوجها الانتقادية للنظام لحظة خبر قبولها لأداء دور في مسلسل مدعوم من قناة حكومية، إضافة إلى ما يمثله المسلسل من مادة استهلاكية تواجه حدّ التناقض، فنية المسرح.
أحسن الفيلم تقديم هذا التناقض في قصة عائلية تتمحور حول الابنة وتربيتها: الأخلاق والمسرح من جهة، بأن يكون الوالدان مثار فخر لها أمام صديقاتها كما نرى، والالتزامات المادية بضرورة إبقائها في مدرسة خاصة وإكمال دروس الموسيقى، وغيرها مما يستلزم تنازلاً عن الأخلاق سياسياً والمسرح فنياً.
والقصة العائلية هذه حملت المواجهة المزدوجة في الفيلم بشكل هادئ، لطيف، لا تراجيديا هنا، فقط بعض المشاهد المتوترة بين الوالدين في عز أزمتهما. وكان لنغمات بيانو شبه متواصلة مكانة الدليل لمسار الأحداث، مساراً واصل هدوءَه، لغاية أولى لدى الزوجين، هي حماية ابنتهما، معنوياً قبل أن يكون مادياً.
في رمان
