صحيح، هذه صورة لسيدني سويني، ولمقالة بعنوان يحمل اسم فيم فيندرز. البلاغة البلهاء في كلام المخرج الألماني عن السياسة والفن يقابلها صورة شديدة الفصاحة، كهذه للممثلة الأمريكية.
قبل يومين كان لفيندرز تصريح بغاية السيدني-سوينيّة، في المؤتمر الصحافي للجنة التحكيم التي يرأسها لهذه الدورة من مهرجان برلين السينمائي. طرح صحافي سؤالاً عن الموقف تجاه غزة، وعلاقة الدولة الألمانية بالحرب الإبادية، لتتنطّح منتجة بولندية بالرد بخطاب شعبوي لسنا في وارده، لقيمته السفلى، لكن فيندرز، أحد أفضل المخرجين الأوروبيين الأحياء في جيله، زادها من الشعر بيتاً قائلاً إن “علينا البقاء خارج السياسة، لأننا إذا صنعنا أفلاماً مسخّرة للسياسة، ندخل ذلك المجال… نحن نقيض السياسة”.
لا جدوى هنا من الرد على هذا الكلام، ففكرة أن السينما سياسية أصلاً، مهما كان موضوعها، سياسياً أو ما دونه، لا تحتاج إلى دفاع، كما أن فكرة “الفن للفن”، لا تحتاج كذلك لتقريع إضافي. ما يهمني من كل ذلك هو هذا التصادف المربك، هذا التقارب الزماني، بين تصريح مماثل لممثلة لا توحي إلا بالبلاهة، أو لا تقدّمها الصحافة إلا كجميلة بلهاء، أو لا تقدّمها الأفلام إلا بأدوارها لا توحي بغير ذلك، لا يهم، قد تكون كلها مصادفات. هي سيدني سويني التي شهدت انعطافة في شهرتها مع إعلان جينز “أميريكان إيغل”، الذي اتُّهم بالعنصرية، وأثنى عليه دونالد ترمب، في قولها إن الجينز الأزرق جينز عظيم، بتلاعب بالكلمات تشي بأن الجينات الزرقاء، كعينيها، جينات عظيمة، ونالت انتقادات بسبب ترويج الإعلان لفكرة “التفوق العرقي الأبيض”، و”تحسين النسل” (الفكرة خطرت كذلك لجيفري إبستين كما تسرّب أخيراً). لكنها قصة قديمة، تلتها أخرى كذلك تلقفتها الصحافة، لأن أي خبر يحمل صورة لهذه الآنسة سيحمل معها كذلك زيارات وفيرة، فكثرَ حضورها أخيراً، وتحديداً في كلام ذكّرنا به تصريح فيم فيندرز، إذ قالت“أنا في مجال الفنون، لستُ هنا للتحدث بالسياسة” لتضيف “أعتقد أن علينا جميعاً أن نحب بعضنا.”
لا يعنينا ما قالته ممثلة في مكانة ترفيهية (لا أقول سينمائية) كالتي تجسدها إحدى رموز الجمال لدى هوليوود ونتفلكس حالياً، بقدر ما يعنينا أحد أبرز السينمائيين المؤلفين المستقلين، فيم فيندرز، مكرراً كلاماً يليق بتلك الساحرة ولا يليق به وبأفلامه الساحرة، كلاماً يليق بصورة لها هي لا هو لهذه المقالة. هذا كله وما زلت أقاوم فكرة طرح أمثلة في أن السينما سياسة، في صناعتها كما في مواضيعها، فأخذ كلام فيندرز هنا بجدية يمنح الكلامَ شرعية مسبقة، تماماً كما أن أخذ كلام سويني عن الجينات الزرقاء أو عن أن الفن لا كلام سياسياً فيه، أخذه بجدية، يمنحه كذلك شرعية.
الآن وقد صار لفيندرز، بفيلمه العظيم “أجنحة الرغبة”، جينز سويني من ماركة “النسر الأمريكي”، أو صار للنسر الأمريكي أجنحة رغبويّة بدمج السينما بالإعلان، يمكن لأحدنا أن يقلب صفحة فيندرز (فيندرز، لا سويني)، وأن يبقى مع بازوليني القائل إنّ حتى السكس في السينما سياسة.
في رمان
