كأنها وصفة جاهزة لأفلام يمكن أن تلقى انتشاراً وترحيباً مضمونين غربياً، في قصص عربية، لا بفضل طرحها، الأفلام، لقضايا عادلة، وطرحُها ضروري، بل لكون ذلك الطرح يتلاءم والعقلية الأوروبية، وذلك لا لكونها مساوئ اجتماعية عربية وحسب، بل لكونها تُقدَّم كمقابل لمحاسن غربية.
فيلم التونسية ليلى بوزيد “بيّت الحس” (À voix basse)، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، يقدّم تلك الوصفة بمبالغة تخطّت ملاءمته النظرة الغربية. هو قصة تونسية بنظرة غربية، أوروبية، فرنسية، تماماً. لا يمنع ذلك عناصر قوية حضرت في الفيلم، القضية العادلة لمجتمع المثليين في البلدان العربية، التصوير الجميل للبيت المخضرّ بحدائق منزلية، وبأجواء تونسية زادته جمالاً، بالحضور النسائي الطاغي، في عائلة من النساء، وفي أداء ملفت لمعظم ممثلاته.
المشكلة في مكان آخر، لا في القصة بل في مقاربتها، في تفاصيل غير جوهرية لتلك القصة ولكنها، التفاصيل، أخلّت بمصداقية الفيلم، مصداقية مفقودة مبنية على مَشاهد لا موثوقية فيها، لكنها، كذلك في ذهنية، لنقُل، فرنسية. الفيلم يستجيب جيداً لتلك الرؤية للمشرق. هو، لذلك وبكلمة، فيلم استشراقي بالتمام. هو صورة الغربي عن المشرق.
في الفيلم تعود ليليا من باريس حيث تعمل، إلى بلدة تونسية إثر موت خالها، تعود مع شريكتها الفرنسية التي ستقيم في فندق، تخفي مثليتها عن العائلة. الخال مات بحادثة، لا تهم كثيراً، وهذا خلل في فيلم يقدم تفصيلاً حبكويّاً قبل أن ينساه. ما ينغمس فيه الفيلم هو الهوية المثلية للخال، التي سيقدم عناصر من الشرطة تلميحات مسيئة حيالها. ليليا ستبحث عن سبب الموت. صديقتها الفرنسية الشقراء تقرر الدخول إلى بيت أهلها خلال العزاء. أم ليليا تشك في علاقة بينهما، وتدور الأحداث. لا قصة ملفتة هنا، فقط مسألة اضطهاد المثليين مجتمعياً وقانونياً، مطروحة هنا إنّما، بما بدا من وجهة نظر الشريكة الفرنسية، المتفاجئة من عموم ما يحصل حولها، والرافضة باستغراب. كانت ليليا الشخصية الرئيسية، مع أم وخالة وجدة رائعات، لكن ما رأيناه كان، تقصّد الفيلم ذلك أم لم يتقصّد، كان كما رأته شريكتها. رأينا بعينين التونسية لكن كما رأته الفرنسية.
قد يبالغ أحدنا بالقول إنه فيلم إسلاموفوبي، لكن الفكرة تخطر في البال، مع معقولية القول إنه سيعجب الإسلاموفوبيين. التراتيل، لا القرآن، المتلوّة على جسد الميّت غريبة، طقوسية، تهيّب المسلم أكثر مما قد تفعل لغيره. هي كأن يحاول أجنبي تقليد صوت عربي يصرخ في الشارع مثلاً، عبارات تثير الذعر لا خصّ لها بتقاليد مشرقاً أو مغرباً. النكتة السمجة والبالية لأحدهم، في بار مثليين، بإمكانية أن يكون شريكاً لأربعة، لكن نساء فقط، هي بالية لكن مفعولها دائم للسامع الغربي. ثم، مواجهة ليليا للشرطي تدافع عن مثلي معتقل، تقول مواجهةً بأن يعتقلها “ويعتقلهم” جميعاً إذن. بعنترية بيضاء في بلد أسمر.
مؤسف أن يحمل الفيلم مسألة عدالة اجتماعية تحتاج المجتمعات العربية طرحها فعلاً، لكن بمصداقية تكون شديدة البعد عمّا يريد الغربي أن يراه، وتكون شديدة القرب مما يراه أصحاب العلاقة، أصحاب القضية. المثلية هنا سلعة سمراء لمشترٍ أبيض.
في رمان
