1
اكتب تعليقُا

“سردية الماء”… امرأة تتعافى بنفسها

يمكن بسهولة الشروع في نقل قصة بأحداث وشخصيات تتحرّك، تفعل شيئاً، من نص مكتوب إلى السينما. مقابلها يصعب هذا النقل متى كانت النصوص منغمسة في نفسيات شخصية رئيسية، ولا تكون محاطة بغيرها كثير. نحن هنا أمام نموذج من نقل سينمائي بديع ومربك، وذلك لتجريبيته، لا لقصة واضحة المعالم ولا لشخصيات واحدها بتمايزه يسهّل إظهار الآخر، بل لحالة نفسية لشخصية رئيسية تسيطر على سير الفيلم.

السؤال عن كيفية تحويل نص نفسيّ، وصفيّ لتروما تعيشها امرأة تعرضت لاعتداءات جسدية ونفسية، أساسها التحرش الجنسي، السؤال يكون بإجابة مذهلة في براعة هذا النقل، بهذا الفيلم، “سردية الماء” (The Chronology of Water)، أو ما يمكن ترجمته حرفياً بـ “التسلسل الزمني للماء”.

الفيلم نُقل عن كتاب مذكّرات بالعنوان نفسه، حاملاً قلق امرأة تعرضت وتتعرض للاعتداءات النفسية واللفظية والجسدية، ورحلة تخطيها إياها، أو السردية المتصاعدة لهذا التخطي، أو التسلسل الزمني للماء المتعكّر، التسلسل الطويل إلى أن يستقر سطح الماء، لا قاعه، يستقر بهشاشة، مع اضطراب أقرب ليكون مزمناً في قاعه.

الفيلم مشارك في قسم “نظرة ما” في مهرجان كان السينمائي الأخير، هو الأول لمخرجته الأمريكية كريستين ستيوارت، الممتازة ممثلة، والموازية ذلك امتيازاً كما بدا هنا، مخرجة. وهو بأداء من ممثلة بدأ يطلع نجمها، بديعة هي الأخرى، الإنكليزية إيموجن بوتس.

من خلال صوت خلفي، يسرد الحال أكثر مما يسرد الأحداث، يسرد أكثر، اليوميات، لامرأة تعيش تروما اعتداءات في مجتمع أبوي، ورحلة، أو التسلسل الزماني، لتخطيها، الحذر، لتلك الحالة، لتكون كاتبةً وسباحةً وأماً، ومعافاة نسبياً في ثلاثتها. التروما هنا تتحول إلى آداب، إلى أنجازات شخصية في تحدٍّ للحالة المستعصية لآثار اعتداءات كبرت مع الشخصية، ليديا، وعاشتها في صباها، فأخرجتها كلمات على الصفحات، وعرضتها على العالم في مواجهة مع وحش لا تكون سوى بإخراجه علناً ومواجهته صراحةً. صداقات وعشاق تقتحم حياة ليديا، وتغادر، خسارات لا متناهية، أسى يغمر يومياتها، هذا كله تخطته ليديا كما تفعل سبّاحة أنهكها الحوض الشاسع قبل أن تصل إلى طرفه الأقصى. التروما من هذا كله يتحول إلى كلمات ملموسة، متخيَّلة، متحكَّم بها بالتالي، كأن تغلق ليديا الدفتر عليها فتختفي.

الفيلم مصنوع بمَشاهد من لقطات أقرب لتكون شظايا ذاكرة يحاول السرد الصوتي وصف مشاعرها، بصورٍ منفصلة أو تكاد عن الصوت، عن الكلام، أو أن الكلام، وهو انكشافات واعترافات وحكايات بصوت ليديا، يوصل الصور لا بظواهرها بل بدواخلها، كلام يلوّن المشاعر غير المرئية، يوصل الحالات النفسية لما تحتويه الصور. كلام يوصف التسلسل الزمني لتلك الحالات المكشوفة، والذكريات المكتومة، بالتعافي منها. والقلَق العالق في الحلق يُسحب خارجاً بخيوط من الكلمات والصور.

صور خلابة، أداء بديع، كلمات أقرب في أدبيّتها إلى القراءة منها إلى الاستماع. هذا كله كان أقرب لطبيعة فيلم بشكله التجريبي هذا، في نقل الحالة النفسية، حالة متكدّرة مستقرة في مكانها العكر، من خلال صور وأصوات وكلام حميمي، فلا يكون وصف الحالة كلاماً من خارجها، لسنا نصف كيف تتكلم امرأة أو تتحرك أو تسبح، بل كيف تشعر وكيف ينعكس هذا الشعور كلاماً وملامح ونظرات.

ليس في الفيلم قصة بمعالم يمكن صفّها هنا بالكلمات، هو ذكريات متقطّعة أحسن المونتاج إيصال هذا التقطّع. الفيلم هو الحالة النفسية لامرأة تعرضت لاعتداءات، لم يعطِ الفيلمُ مساحة كبرى لتلك الاعتداءات والتحرشات، وذلك لانغماسه في الحالة النفسية، التروما، التي تحدثها. السينما تهتم أكثر بالظواهر، بما يحصل ليس بالشعور حياله وبالنفسية من بعده. هنا، ترك الفيلم المظاهر من أجل تصوير وصوت آسرين، وتعمّق في رحلة الخروج، نفسياً، لامرأة تجاه تحقيق ذاتها، تجاه شفائها من أفراد هم رجال، ومجتمع هو أبوي، ممارِس، كأنه مرض مزمن، لاعتداءات يتناوب فيها اللفظي مع الجسدي مع النفسي. الفيلم رحلة شفاء نسائية من كل ذلك. الفيلم حالة نفسية، شعورية، لامرأة تتعافى، تتعافى بفضل نفسها وحسب، وذلك كافٍ.

في القدس العربي

فيلم «سردية الماء»… امرأة تتعافى بنفسها

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.