التاريخ حاضر في واقع الفلسطينيين، وعموماً في إنتاجهم المعرفي والفني، والسينما في آخر الرّكب. حاضر باستعادة دائمة للنكبة بوصفها مرحلة تاريخية مؤسِّسة، وما يسبقها في ظل الاستعمار البريطاني وما يلحقها في مواقع تاريخية مختلفة من شتات الفلسطينيين، كالحكم العسكري داخل البلاد ومجازر المخيمات خارجها، وغيرها من مراحل وانعطافات تاريخية في سيرة هذا الشعب، انعكست بشكل متواصل في عموم إنتاجه المعرفي والفني، في كتب وروايات وغيرها من المشاريع الفردية والجماعية. هذا كله، هذا الحضور للتاريخ في الحياة الواقعية والفنية والمعرفية للفلسطينيين، كان الفيلم الروائي متأخراً عنه، كان في آخر الرّكب.
أسباب تتشابك في الحديث عن التخلّف الذي طال السينما في الموضوع التاريخي. فتقل، جداً، الأمثلة التي دخلت في التاريخ من بين الأفلام الفلسطينية. يقابل ذلك أسباب في توغّل هذه السينما في الراهن، في “الآن هنا”، لمناطق فلسطينية، يُفضَّل الضفة دائماً، وبزمن لا يبتعد عن زمن إنتاج الفيلم. ثم، ما يتبع ذلك من صور وحوارات لا تتخطى سقف المتوقَّع من قبل شركات الإنتاج الكبرى أوروبياً لما هو فلسطيني، ثم، وأساساً، كيفية معالجة هذا المتوقَّع، وهو شأن سياسي تام.
هذا التوغّل ثم الغرق في “الآن هنا” حال، مع غيره من أسباب، دون تقدّم الموضوع التاريخي في السينما الفلسطينية، فلهذا التوغل ما يقابله، أي أسباب تدعو إلى، بل تجبر على، تجنب التاريخ لدى صنّاع الأفلام الفلسطينيين. فالتاريخ، دخولاً في النكبة تحديداً وفي ما يسبقها، يطرح سؤالاً عن شرعية دولة الاحتلال، ويكشف طبيعتها الاستعمارية والاستيطانية، فلا تاريخ فلسطينياً من دون إشارات إلى الاستعمار مع تدمير للأرض وتهويد لها، ولا من دون إشارات إلى الاستيطان مع هجرات صهيونية باكرة. هذا ما لا يريده أصحاب القرارات السينمائية في الغرب، المتنفذون من منتجين ومبرمجين وموزعين، مشجّعين على فيلم آمن لا يخرج عن الحالة الإنسانية الراهنة، بما يتوافق مع تقارير المنظمات الأممية، فنكتفي بمدني يُذل من جندي إسرائيلي عند حاجز، وآخر من شرطي إسلامي عند مطعم .
لكن، تبقى هنالك أفلام، على قلتها، إما كانت تاريخية تامة في موضوعها أو شمل موضوعُها مرحلةً تاريخية إضافة إلى الراهن. وتختلف الإحالات التاريخية في أزمنتها، أقربها زمانياً كان فيلماً واحداً هو “لما شفتك” (٢٠١٢) لآن ماري جاسر، وهو الأقرب مما يمكن اعتباره أفلاماً تاريخية، إذ تناول قصة في مخيم لاجئين ومعسكر فدائيين في الأردن إثر لجوء العام ١٩٦٧. هو، وبالتالي كل ما سأذكره في هذه الأسطر، فيلم تاريخي وإن لم يبتعد كثيراً في الزمن، لكنه صوّر مرحلة تاريخية مفصلية في مسيرة هذا الشعب، بأزياء وديكورات ما عادت موجودة وتطلّبت التصميم، وبفاصل ما بينها وبين راهننا يزيد عن نصف قرن.
توجد أفلام أخرى ابتعدت أكثر قليلاً، واصلة إلى فترة الحكم العسكري داخل البلاد، في الخمسينيات والستينيات، وهذه تمثّلت في ثلاثة أفلام حصرت قصصها بهذه الفترة: “كفر قاسم” (١٩٧٤) لبرهان علوية، “عرس الجليل” (١٩٨٧) لميشيل خليفي، “درب التبانات” (١٩٩٧) لعلي نصار. وللحكم العسكري، حتى اليوم، الحصة الأكبر في السينما الفلسطينية كموضوع تاريخي تنحصر فيه الأفلام من مشهدها الأول حتى الأخير. أما خليفي ونصار فهما من الداخل الفلسطيني ويصنعان أفلاماً من هناك، فالأكثر قبولاً لهما وتقبّلاً كموضوع تاريخي، سيكون فترة أفلت وصارت تاريخاً قديماً بالنسبة لأصحاب القرار من الإسرائيليين. أما علويّة فأسّس فيلمه على كتب وشهادات عن المجزرة هناك، وصنعه من الخارج، لبنان وسورية.
لكنها كلّها، عموماً، ليست ما تحتاجه السينما الفلسطينية في الحديث عن السينما التاريخية الجامعة لعموم الشعب، أي السابقة لتقسيمه وتشتيته عام النكبة. ما أقصده بذلك هي المواضيع التي تعود إلى جذور هذه القضية لا إلى تفرّعاتها، وجميعها هام، وضروري استعادته سينمائياً بين وقت وآخر. ما أقصده في الحديث عن الحاجة يكون بدءاًَ من النكبة ورجوعاً على طول النصف الأول من القرن العشرين، ونحن في ذلك أمام حدثين مفصليين: نكبة عام ٤٨ وثورة عام ٣٦.
كان للنكبة حضور تقديميّ، بوصفها مرحلة أولى من قصة طويلة تمتد إلى الراهن، في كل من الفيلمين “باب الشمس” (٢٠٠٤) ليسري نصرالله و”الزمن الباقي” (٢٠٠٩) لإيليا سليمان. فليس أي منهما تاريخياً لكنه تضمّن تقديماً تاريخياً لقصة تصل إلى راهننا. وكانت المَشاهد التاريخية في كل من الفيلمين الممتازين، عظيمة. ثم انقطعت السينما الفلسطينية عن الموضوع التاريخي إلى أن خرج فيلم “فرحة” (٢٠٢١) لدارين سلّام، في أول عمل للسينما الفلسطينية تناول النكبة في موضوع رئيسي للفيلم ووحيد، أي موضوعه التام لا مرحلة تاريخية ضمن غيرها. وهو، الفيلم، حتى اليوم، الذي تجرّأ، وحيداً، على استعادة النكبة في فيلم تاريخي من أول مَشاهده إلى آخرها.
هذا الكلام كله يحيلنا إلى العام ٢٠٢٥، وقد شهد اثنين من الأفلام العلامات الفارقة في مسيرة السينما الفلسطينية، واحد منهما تاريخي تماماً والآخر كان للتاريخ مراحل في امتداد القصة. وكلّي أمل أن يفتحا الباب على وسعه، من بعد العناوين التي سبقتهما، على إنتاج الفيلم التاريخي فلسطينياً، وتحديداً، وهذا ما كان وما بقي ناقصاً، الفيلم المتناول للنكبة الفلسطينية، وإن كره ذلك المنتجون والمبرمجون والموزعون الغربيون.
“اللي باقي منك” (٢٠٢٥) لشيرين دعيبس، تناول في ملحمة مستحقَّة، حكاية عائلة في ثلاثة أجيال، بدأت في النكبة قبل أن يلجأ أفرادها إلى مخيم في الضفة الغربية. هذا القسم التقديمي من الفيلم، هو في ذلك مماثل للقسم التقديمي في “الزمن الباقي”، كان بسويّة عالية امتدّت على طول فيلم هو واحد من بين الأبدع والأمتن عربياً في السنوات الطويلة الأخيرة.
“فلسطين ٣٦” (٢٠٢٥) لآن ماري جاسر، هو الفيلم التاريخي الفلسطيني، بأل التعريف. فإن جانبَ فيلمَ “فرحة” في كونهما الفيلمين الوحيدين، لا ثالث لهما، التامين بوصفهما تاريخيين. فيلمان حصرا القصة بين دفّتَي الفيلم من مشهده الأول إلى الأخير، في المرحلة التاريخية. فإن جانبَ الفيلمَ إلا أنه، “فلسطين ٣٦” نقل حدثاً مفصلياً في تاريخ الفلسطينيين، أي واقعة تاريخية، في وقت نقل “فرحة” قصة شخصية ضمن سياق من قصص جمعية، محصورة في بيت ومخزن في معظمه. “فلسطين ٣٦” انطلق إلى الحقول والمدن والقرى، إلى الخيول والبنادق والمعارك، كما يمكن لفيلم تاريخي أن ينقل حدثاً مفصلياً في تاريخ بلد بعينه. ثورة وإضراب العام ١٩٣٦ كانا تأسيسيين في تاريخ الفلسطينيين، كما هي النكبة من بعدهما وكما هو وعد بلفور ونتائجه المباشرة من قبلهما. فكان فيلماً تاريخياً جديراً بذلك الحدث.
رغم الزخم التاريخي في مسيرة الشعب الفلسطيني، إذن، ورغم الاستعادات المعرفية والفنية للتاريخ في مجالات متنوعة، تبقى السينما متأخرة لأسباب تتعلق أولاً بالطبيعة الصناعية والإنتاجية والتجارية للأفلام بالمقارنة مع غيرها، ثم لكونها، لذلك، معتمدة بشكل أساسي على المال الأجنبي، على القرار الغربي.
تبقى لهذه السينما، بكل الأحوال، أمثلة ممتازة، كان فيها التاريخ إما مرحلة مع غيرها تُقدّم القصة والشخصيات، كما كان لها، وهذا ما تحتاجه هذه السينما أولاً، مثالان يستلزمان المراكمة عليهما في سينما تاريخية تماماً، “فرحة”، و”فلسطين ٣٦”، وهذا الأخير لفت النظر إلى ضرورة نسخة منه، قريبة منه، تكون في زمن النكبة، تلك الانعطافة الكارثية في التاريخ الفلسطيني الحديث، تلك التي لم يشهد أي فيلم حتى الآن نقلاً تاماً لها، محصوراً بها، بوصفها حدثاً رئيسياً ووحيداً في الفيلم.
حتى الآن، رغم كل هذه الأفلام التي أغنت مسيرة السينما الفلسطينية وبعضها كان علامات فارقة، لم نشهد، بعد، فيلماً نكبوياً.
في القدس العربي
