1
اكتب تعليقُا

المتحف الفلسطيني والاضطرار إلى المنفى

بين وقت وآخر نقرأ عن مأساة فلسطينية، ضمن كثير غيرها، وقعت عام ١٩٨٢، تمثلت في سرقة الجيش الإسرائيلي محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني، إثر اجتياحه لبيروت. وحتى اليوم ليس لدى الفلسطينيين سوى فرضيات قد تكون أكثرها ترجيحاً احتفاظ جيش الاحتلال بتلك المحتويات في خزائنه، وثائق وكتب ومجلات وأفلام وما يمكن أن يحفظه مركز أبحاث.

وتدور بين الفلسطينيين مخاوف من تكرار ذلك، بل من استسهاله، من الجيش القادر على اجتياح أي موقع في كل فلسطين ومصادرة محتوياته. ولا تتغذى مبادرات البحث والحفظ والترميم وحتى الإتاحة لأي أرشيف فلسطيني مكتوب أو مرئي أو صوتي، إلا، أولاً، من تجربة مركز الأبحاث، من الفقدان الثقافي والمعرفي الذي نال الفلسطينيين بالاستيلاء على مركزهم البحثي الرسم. هذا الحال يستلزم طرحاً دائماً للسؤال عن مقتنيات اليوم للمؤسسات البحثية والثقافية، ما يمكن أن يكون أرشيفاً للمستقبل. هو سؤال عن مدى جدوى حفظها في متناول يد الاحتلال وبندقيته.

يعود هذا السؤال اليوم، بعد خبر نُشر قبل أيام عن فوز المتحف الفلسطيني في بيرزيت بجائزة الممارسات المتحفيّة المتميّزة لعام ٢٠٢٥ عن معرضه “غزة الباقية”، كما أعلنت اللجنة الدولية للمتاحف والمجموعات الفنية الحديثة (CIMAM) التي سوّغت ذلك بالتقدير لدور المتحف في “إعادة تعريف وظيفة المتاحف بوصفها فضاءات للبقاء والمقاومة، وتعزيز الذاكرة الثقافيّة الفلسطينيّة في ظلّ الحرب والدمار المتواصلَين.”

في ذلك جانبان، أولهما التخوّف الذي تلبّس العقلية الفلسطينية، في مدى الجدوى من أن يوجد متحف في الضفة الغربية يتقصّد المقتنيات، وكغيره من المتاحف في العالم يُبنى على مجموعات دائمة ومعارض مؤقتة. أما التشكيلة الدائمة فهي ما يمكن فقدانه في أية لحظة بأي اجتياح إسرائيلي للمتحف المستباح تماماً. وأما المعارض فيتساءل أحدنا عن نسبة زائريها، في الضفة الغربية التي تعيش تقطيعاً لطرقها وقراها ومدنها، مع خطورة التنقل لما هو أكثر جوهرية من زيارة معرض، في بلد تقبع تحت احتلال وتعيش واحداً من أبشع فصوله في الضفة اليوم.

طبيعة معرض “غزة الباقية” يمكن أن تقدّم بديلاً للشكل التقليدي للمتاحف والمعارض. هو لا يقام في المتحف وبالتالي لا يمكن مصادرته، أهميته تكمن في فتحه آفاقاً إلى العالم، إلى المنفى الفلسطيني، هناك حيث لا احتمال لاجتياح بقرار عسكري لا قرارَ أممياً أو دولياً يمكن أن يحيّده. فخلال حرب الإبادة على قطاع غزّة، اضطرّ المتحف الفلسطيني إلى إغلاق أبوابه أمام الزوّار بفعل القيود السياسيّة التي يفرضها الاحتلال على الحركة. بذلك، لا جمهور للمتحف. انتقل التركيز خلالها على الأرشيف الرقمي للمتحف، الذي شهد ارتفاعاً في الاستخدام تجاوز عشرين ضعفاً. وبحسب البيان الصحافي للمتحف، أعاد من بعدها تعريف دوره بوصفه “مصدراً معرفياً متاحاً للجميع، لا وجهةً مشروطة بالوصول الجغرافي، وتحوّلت فضاءاته إلى شبكة ممتدّة تتجاوز صالات العرض الداخليّة، لتصبح أيّ مساحة تستقبل الرواية الفلسطينيّة حول العالم.”

المتحف صار بهذه الصيغة متحف منفى، و”غزة الباقية” صار معرض منفى، لا مجال لمصادرته، هذه أولى ميزاته، ولا مجال لحصره بالقليل من الزائرين، من أراد واستطاع الانتقال بين الحواجز والمستوطنات ليذهب إلى معرض، لا مستشفى أو جامعة. أما طبيعة المعرض، فهي في إمكانية التنزيل والطباعة والعرض في كل العالم لمحتوياته. ومنذ إطلاقه، “عُرض في أكثر من ٢٣٠ موقعًا وفي ٤٨ دولة، ضمن فضاءات متنوّعة شملت المتاحف والجامعات والمؤسّسات الثقافيّة والمقاهي والشوارع.

هي ليست المرة الأولى للمتحف في إقامة شراكات لمعارض خارج فلسطين، خارج الأسوار، ولا يقتصر الأمر على المتحف، فبعدما حالت الحرب الإبادية دون إقامة مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” في مدن فلسطينية، انتقل المهرجان في دورتيه الأخيرتين إلى العالم، هناك حيث المنفى الفلسطيني من ناحية والساحة التضامنية من ناحية ثانية، ونالت، كما هو حال المعرض، إقبالاً واسعاً، فقد وصل المهرجان في دورة هذا العام إلى “أكثر من ١٠٣١ عرض في ٤٢٥ مدينة في٨٣ دولة.” مُرجَّح ومأمول أن يستمر ذلك، في السينما كما في الفنون، خارج الأرض المحتلة، حتى وإن هدأت الأوضاع في الداخل بنسبة تسمح لعودة الأنشطة، مهرجانات ومعارض.

الاضطرار تسبّب للمهرجان وللمعرض بالبحث عن طريقة لمواصلة العمل بالالتفاف على المنع الإسرائيلي، لكن هذا الالتفاف استطال وابتعد واستكشف ساحات جديدة كانت المؤسسات الثقافية داخل فلسطين عزلت نفسها عنها. هذا اضطرار قرّب بين المقيَّدين في شكل الممارسات الثقافية في الوطن، وبين جمهور خارجه، ويحتاج كلٌّ من المؤسسة والجمهور أن يكون هذا الاقتراب ممارسة لا بديلة ومؤقتة بل أساسية ودائمة، تكون واعية لضرورة التواصل والاشتباك مع ساحتين أساسيتين لكل مؤسسة ثقافية في فلسطين: الفلسطينيون خارج الوطن في المخيمات والشتات، والمتضامنون العرب والأجانب وقد تبيّن خلال العامين مدى فعاليتهم وتأثيرهم. تكون المؤسسات الثقافية الفلسطينية بذلك مرجعاً معرفياً ومورداً فنياً تعوزها تلك الساحات.

في أوروبا والولايات المتحدة متاحف منفى فلسطينية، أو محاولات لذلك، في العالم كذلك مهرجانات سينما فلسطينية، ولهذه وتلك مكانة أولى في تقديم الفنون الفلسطينية للعالم، كما هو حال “غزة الباقية” الذي نال قيمته الكبرى من إطلاقه في الهواء الطلق ليتلقّفه كل من أراد تنظيم معرض فني فلسطيني يكون في كل العالم، بجمهور من كل العالم، ففلسطين صارت اليوم أكثر من أي وقت مضى، مسألة عالمية، معياراً عالمياً للعدل، وبهذا تستجد مسؤوليات على المؤسسات الفلسطينية.

في العربي الجديد

https://www.alaraby.co.uk/culture/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A1-%D8%A7%D8%B6%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%81%D9%89

 

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.