المهرجان السينمائي الثاني من حيث الأهمية عالمياً، بعد كان وقبل برلين، المعروف باسم المونسترا، أي المعرض، يقدم الأفلام كأنها أعمال فنية في صالة عرض، في صالات سينمائية أهمها غراندي ودَرزينا، في عروض أصحاب الاعتماد ومن بينهم، أو معظمهم، الصحافيون.
تُعرض أفلام المسابقة الرسمية في الصالتين الساحرتين، بالتناوب، فيلم في إحداهما صباحاً ثم ينتقل إلى الأخرى ظهراً مستبدلاً الصالة مع الآخر. وفي بعض أيام المهرجان تعرض صالة درزينا فيلماً مسائياً أو ليلياً لأصحاب الاعتماد، وأصحاب العزيمة من بعد يوم طويل من المشاهدة والكتابة. وتكون صالة غراندي حينها مهموكة في العرض الجماهيري الأول مع السجادة الحمراء وفريق فيلم كان عُرض مسبقاً لأصحاب الاعتماد. يصل أحدنا أخيراً إلى الصف لدخول الصالة، بعد إجهاد غير سينمائي، غير نقدي، تختص به فينيسيا.
المشوار إلى المهرجان، إلى جزيرة ليدو، يتطلب الباص المائي الواصل إليها من جزيرة فينيسيا ذاتها، وذلك لمن لم يجد أو لم يُرد مكاناً للإقامة في جزيرة ليدو، المملة خارج المساحة الصغيرة التي يتربع فيها المهرجان بصالاته وفعالياته، عند كازينو الليدو. لا بد في فينيسيا من استيقاظ باكر جداً لا يكون في مدينتَي كان وبرلين وغيرهما، سببه اضطرار الوقوف في صف طويل عند محطات الباصات المائية. انتظار صباحي لا بد منه ولا بدائل له، ثم مشوار بحري في قارب يتمايل تحت شمس تكون ساطعة مرّات، ووسط رطوبة تتميز بها المدينة. يصل أحدنا أخيراً إلى صف الانتظار أمام الصالة وقد بذل طاقةً واستغرق وقتاً لا يضطر إليهما في غير فينيسيا، في كان وبرلين حيث يبدأ نهاره بفيلم لا بمشوار بحري واحتمالات دائمة للتأخّر. هذا كله ما لم تمطر في فينيسيا، فلذلك ظرف آخر قد يلغي أياماً كاملة من المهرجان.
يبقى للمهرجان الإيطالي امتيازاته غير السينمائية، فإن كثرت المطاعم السياحية كالبعوض في الصيف، يبقى لأحدنا أن يهتدي إلى مطعم إيطالي محلي، لا سيّاح فيه، يعدُّ الطعام فيه ويقدّمه أصحابُه، لا يأبهون بك واقفاً لدقائق أمام بابه، في فسحة ضيّقة بين فيلمين، يتصارخ جميعهم من الداخل وفي الوقت ذاته، بالإيطالية، كأنهم جميعهم ناني موريتّي في مشهد واحد. تدرك أن وقوفك يجب أن يطول وأنك في المكان الصحيح. متى اهتدى أحدنا لذلك فليتوقف عن التجريب واختبار غيره بحجة التنويع. معظم المطاعم في الجزيرة السياحية بائسة.
أما الامتياز المضمون، فهو، ومن دون أي شعور بالذنب، إمكانية أن لا يمرِّر أحدنا نهاراً من دون كأس كوكتيل “كامباري”، فإن كان كوكتيل “أبيرول” حلو المذاق، للهواة، يكون “كامباري” وفيه بعض المرارة، للمحترفين. هذا الكوكتيل امتياز في المدينة أقرب إلى الشاورما والكنافة في برلين، كامتياز غير سينمائي وشديد الفنّية، لمهرجان برلين السينمائي.
وللمهرجان الإيطالي امتياز عن غيره هو كذلك غير سينمائي لكنه أكثر جديةً من كأس الكامباري اليومي، هو تزامن المهرجان مع واحد من المعرضين، الفنون والعمارة. فكل منهما يمتد لأشهر يتخللها المهرجان السينمائي، ويحتاج واحدهما يوماً كاملاً يوزَّع على أيام المهرجان.
لا ينتهي المونسترا فجأة، فالناقد، كما يُفترَض، يكون قد أعدّ برنامجه مسبقاً، أيّ فيلم للمشاهدة في أيّ صالة وأيّ ساعة، لكن انتباه أحدنا لانتهائه يكون فجأة. ذلك بالانتباه، في لحظة صباحية حال الوصول إلى الصف المنتظر للباص المائي، بالانتباه إلى أن الصف قد تقلّص أو اختفى. تصل إلى المحطة مع طلوع الشمس ولا تجد منتظرين فتدرك أن معظم أصحاب الاعتماد قد غادر المهرجان، قبل أن ينتابك الشعور الأول والتلقائي كقادم من فرنسا: اللعنة، إضرابٌ مفاجئ حلّ على المدينة؟
الأغلبية لا تحضر كل أيام المهرجان، صحافيون وغيرهم. يبقى، أخيراً، الناقد المقاتل، أول الحاضرين وآخر المنسحبين، الأكثر إخلاصاً لا للمهرجان، بل للسينما، للأفلام، للأعمال الفنية المعروضة. أعرف من يبقى ليومين بعد حفل الختام، يعود إلى الأطلال ويراقب العمّال يلفّون السجادة الحمراء، بعدما راقبهم، متلهّفاً، قبلها بأسبوعين وهم يفردونها. أفلام افتتاحية وختامية للمهرجانات تستحق ذلك، لضمان مشاهدتها، أذكر “الغفران” لباولو سورنتينو الذي افتتح المهرجان، و”صديق صامت” لإلديكو إنيدي الذي ختمه.
المحب للفنون والمتردد على المتاحف ومعارضها، يعير اهتماماً في المعرض الفنّي لآخِر عمل في الصالة، عند المَخرج، تماماً كما يعيره لأعمال كانت على مدخل الصالة أو في وسطها. يمكن لأحدنا دائماً أن يعامل المهرجان السينمائي كمعرض فني بمقتنياتٍ هي الأفلام، قيمتها الأولى تكون في عرضها لا في تنافسيّتها وفوزها. هو ما يُفترض أن يكون حال عموم المهرجانات السينمائية، وإن انفرد مهرجان فينيسيا السينمائي باسم “المعرض: المونسترا”. يبقى ذلك اسماً شكلياً وتبقى للمهرجان طبيعته التنافسية كغيره. لكن، المنافسة والجوائز اللاحقة لها لا تغير من جودة الفيلم المعروض كالعمل الفني والمضطر للخوض في منطق المسابقة والخضوع له. فقبل الجائزة وبعدها، بها وبدونها، الفيلم لا يتغير، عظيماً كان أم جيداً وحسب لكن محظوظاً بسياق مهرجاناتي منحه دون غيره الجائزة الذهبية.
في القدس العربي.
