يمكن القول إن للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس مرحلة جديدة، أو نقلة سينمائية مكثفة أنجزها في ثلاث سنوات بثلاثة أفلام متتابعة، “أشياء بائسة” عام ٢٠٢٣، “أنواع من اللطف” عام ٢٠٢٤، وفيلمه الأخير، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي اليوم، “بوغونيا” (Bugonia).
إنتاج مكثف لا بكمّه فقط، بل بنوعه. كان يكفي لانثيموس أن يَخرج بهذه الأفلام المبهرة في فترة بين واحدها والآخر تكون بالأعوام لا بالأشهر. كأنها، الكثافة كماً ونوعاً، استعجال من المخرج الغرائبي، في الخروج من يونانيته أولاً، في أفلامه الأولى، ومن اغترابه ثانياً، في أفلام قليلة عرّفته كمخرج (آخر) وافدٍ إلى السينما الأمريكية باتباع اللغة الإنكليزية بالاعتماد على ممثلين بالانكليزية.
في أفلامه الثلاثة الأخيرة خرج من حالة الهوية اليونانية والاغتراب اليوناني في أمريكا، ودخل مقتحماً المجال الحيوي للسينما الأمريكية، محتفظاً ببصمته التي بدأها في أفلامه الأولى، اليونانية، في “دوغتوث”، واستمر بها مغامراً في أفلامه الناطقة بالإنكليزية، في “ذا لوبستر” و”قتلُ غزال مقدس”، قبل أن يكون فيلمه “المفضَّلة” نقلة حملته إلى ثلاثة أفلام أوجدت لانثيموس الجديد، المريع والعجيب، تكرّست فيها الغرابة أسلوبياً وانغمس بها هو، مبتعداً، في خط خاص به، في تحطيم للمنطق بقدر قد لا يتقبّله أحدنا من غيره.
الفيلم، ويشير عنوانه باليونانية القديمة إلى أسطورة حول خلق النحل من خلال جثة ثور، يحوم حول اثنين، أحمقين، يعتقدان أن البشرية تحكمها كائنات فضائية على شكل بشر، يعيشون بيننا ويحاولون السيطرة على الكوكب، يخطفان مديرة شركة، أحدهما عاملٌ فيها، ليجبراها على الاعتراف بكونها مخلوقة فضائية. ويسير الفيلم بمعظمه بين الثلاثة، في حوارات لمّاحة وساخرة، وفي محاولات الامرأة للخلاص.
تستهل الفيلم مشاهد للنحل، من مزرعة الأحمقين، مع شرح للطبيعة الاستغلالية التي تجمع بين الملكة والعمّال، أي النحل المنتج للعسل، ومنه تمر إشارات إلى نظريات مؤامرة، أساطير حول جائحة كوفيد وكروية الأرض وغيرهما. يتقدّم الفيلم مع إدراك تام، منطقي، بأن الرجلين أحمقان وأنهما من أصحاب نظريات المؤامرة وأن السيدة، المستغلة لموظفيها بكل الأحوال، الأقرب لموقع الملكة، أنها إمرأة تحاول النجاة بمسايرتهما في كونها فعلاً فضائية. يتقدم الفيلم في ذلك قبل أن يقلب المنطقَ واستنتاجاته، وتقبّلات العقل لما هو واقعي وقابل للحدوث ومحصور بين السخرية والجريمة، من دون جهد فكري أبعد، كأن لا يكون الرجلين فعلاً أحمقين وأن المرأة، كما نقبله من أي فيلم لانثيموسيّ، يمكن أن تكون، وإن بهيئة إيما ستون، كائناً فضائيّاً.
كان يمكن للفيلم أن ينحصر في السخرية من طرفين: حمقى يتطرفون في نظريات المؤامرة إلى درجة أنّ كانات فضاية تعيش بيننا على هيئة بشر، وامرأة مجسّدة لرأسماليةٍ نيوليبرالية تعيش بأقنعة على وجهها، أثناء النوم لتغمض عينيها وأثناء الركض لتشهق وتزفر وأثناء الاستلقاء لتعالج بشرتها، وبقناع آخر غير مرئي، هو الشاشة، في حديثها الدعائي، لشركتها، عن التنوع العرقي، وأخيراً قناع أقرب ليكون رأسها بكامله، حليقة، أشبه، فعلاً، بالكائنات الفضائية، وهو ما سيكون أخيراً موحياً إلى حقيقة واحدة لهذه السيدة، في ما يمكن أن تكونه أسوأ بدرجات من مديرة استغلالية (ملكة استعبادية)، فتكون، فعلاً، كاناً فضائياً سيبيد، أخيراً، الجنس البشري.
في الفيلم الكثير مما يقال، ولا تكفي مقالة قصيرة له في المهرجان، وهي الأولى وسيليها غيرها يومياً. من حسن الحظ، مثلاً، أن الفيلم التالي له، في المهرجان، كان سطحياً فلا اضطرار ولا رغبة في الكتابة عنه، هو “جي كيلي” لنوا بوماك. أما أن يكون فيلم ما في المهرجان، مع ضرورة الكتابة عنه خلال عشرة أيام يشاهد فيها أحدنا ما يفوق العشرين فيلماً، فهذا ما لا يستحقه فيلم عظيم كـ “بوغونيا”، فيه من السخرية والهزء، لا من المستحمَقين بل من المستحمِقين، لا من المستعبَدين بل من المستعبِدين. العالم هنا يمكن أن يكون أشد غرابة وبأساً من تسلّط رأسمالية بأساليب نيوليبرالية بغطاءات هي خطابات عن التنوع العرقي والجندري. هو، الأسوأ، عالم يكون فيه لهذه الرأسمالية منشأ فضائي، كامل التحكمّ، سيودي أخيراً إلى إبادة البشرية.
السخرية هنا مزدوجة، لا من نظريات المؤامرة، وإن بدا ذلك في ثلاثة أرباع الفيلم، قبل أن يقلب الفيلم أخيراً الطاولة على المسلَّمات، بل من إمكانية أن تكون هذه النظريات واقعية، وإن لم يتقبلها العقل، مع احتمال في كارثية تحقيقها، ما يعود بنا إلى سؤال أوّلي، هو عن المحرّض الأساسي في أن يخطر على بال أحدنا سؤال يستفتح نظرية مؤامرة، وهو يخص، بالضرورة، عالماً كالنحل، فيه أغلبية مستعبَدة من قبل أقلية مستعبِدة. لمَ قد يتطرّف أحدنا في الظن بآخرين متطرفين في الاستغلال؟
