1
اكتب تعليقُا

“فيوريوسا: ملحمة من ماد ماكس”… لم يبلغ الملحمة

من ضمن أفلام مهرجان كان السينمائي الشهر الماضي، كان في برنامج المشاهدات لديّ الفيلمُ الجديد من سلسلة “ماد ماكس” للأسترالي جورج ميلر، وكان خارجَ المسابقة الرسمية للمهرجان. بالكاد تسمح زحمة أفلام هذه المسابقة بمكان لغيرها، لكني اخترت مشاهدة الفيلم لكونه لاحقاً لآخر كان تحفةً هو “ماد ماكس: طريق الغضب”.

وجدت للفيلم وقتاً، كان باكراً جداً، في الثامنة والنصف صباحاً، في صالة لوميير الكبرى في قصر المهرجان. دخلت إلى الصالة متأخراً، كان الفيلم في أول مَشاهده، سأعرف لاحقاً أن دقيقتين بحد أقصى قد مرّا. لكن، من دون تردد، ولتجارب سابقة، درتُ وخرجت، مع علم مسبق بأن عروض الفيلم في الصالات الفرنسية ستكون قد بدأت حين عودتي إلى باريس بعد الحادثة بأسبوع.

بعد العودة من “كان” بومين مررت إلى السينما وشاهدت الفيلم، وكان رد الفعل الأول أني، لحسن الحظ، لم أعطه ذلك الوقت وربما الجهد للكتابة، الضيقين في مهرجان لن يفلح أحدنا، وإن بالدخول إلى فيلمين وأحياناً ثلاثة يومياً، بمشاهدة جميع أفلام المسابقة الرسمية، ناهيك عن أفلام في تظاهرات موازية، تكون فلسطينية أو عربية أو غيرها، يمكن أن تنال اهتماماً خاصاً من ناقد لاعتبارات غير سينمائية أو مهرجاناتية.

ليس الفيلم، وهو الخامس من السلسلة، بهذا السوء، لكن امتياز سابقه جعله أولاً منتظَراً، وثانياً ما دون المتوقَّع إذ لم يحمل إضافات بل خفتَ في جانبه البصري -وهي نقطة الارتكاز في هذه السلسلة- عن “ماد ماكس: طريق الغضب” (٢٠١٥).

يعود “فيوريوسا: ملحمة من ماد ماكس” (Furiosa: A Mad Max Saga) إلى مراحل أولى من حياة بطلة الفيلم السابق، فيوريوسا، فنراها هنا من طفولتها إلى أن تكبر قليلاً وتبدأ معاركها. هي إذن مرحلة سابقة، ومن أراد مشاهدة الفيلمين لأول مرة، أفضلَ أن يبدأ بهذا، الخامس، قبل الرابع، خاصة أن الرابع أفضل من لاحقه. وإن أراد مشاهدة الأفلام الخمسة جميعها، فلا ضرورة للترتيب. أو ليكن ذلك بحسب زمن الإنتاج. 

هي أجواء قيامية، ما بعد انهيار الحضارات، في الصحراء أو أرض يباب، حيث يكون البترول وكذلك الماء، وتحديداً الفاكهة، مفقودة، وإن وجدت تكون كنزاً تتقاتل عليه القبائل، وهو حال الفيلم بأجزائه، وذلك بحرب طريق، أو بفيلم وسترن إنما بامتطاء عربات بمحركات ضخمة، لا الخيول، وباعتماد أساسي على السيارات والموتورات والشاحنات، الفانتازية في أشكالها وطاقاتها. كل ذلك، وغيره من الأمكنة المسكونة والمساحات الشاسعة الرملية والجبلية، يعطي للفيلم عوالم خرافية ما بعد انهيارات البشرية. وهذا حاضر في كافة أفلام السلسلة كما في آخرها.

في وقت ركّز الفيلم الأسبق على معركة بعينها، ركّز “فيوريوسا” على البطلة، في نقل لحكايتها ما قبل تلك المعركة، فأتى الفيلم أخيراً محدوداً بصرياً، متكئاً على سابقه، لتركيزه على قصة شخصية من طفولتها إلى سنوات لاحقة، فكانت الأحداث محدودة، وافتقد الفيلم إلى معركة حاسمة يمكن أن تُوظف فيها طاقات إخراجية وإنتاجية عالية كما رأيناها في “طريق الغضب” الذي كان حدثاً سينمائياً استثنائياً، لجودته أولاً ولحلوله سنوات طويلة بعد الأفلام الثلاثة السابقة، ٣٠ عاماً بعد آخرها. أما الفيلم الجديد، فأتى أقل من سابقه إنتاجياً وإخراجياً، وبعد ٩ سنوات فقط منه، ما أزالَ عنه انبهاراً كان متوقَّعاً، وذلك فقط مقارنة بسابقه. هو، بحد ذاته، فيلم ممتاز، بصرياً وسمعياً تحديداً.

الفيلم الجديد، وفيه معارك صغيرة متتالية، كان تكراراً أقل ابتكاراً من سابقه. وقصته بسيطة، وهو مطلوب في طبيعة فيلم كهذا يعتمد على جانبه البصري والإبهاري، إذ لا بد أن تكون القصة بإطارات عامة لا تفاصيل تغمرها، لتترك الأعينَ على راحتها، في متابعة الحاصل على الشاشة. نحن هنا أمام قبائل لكل منها ميزاتها، أشكالها، مساوئها، جميعها شرير بطبيعة الحال، بينهما تحوم فيوريوسا المخطوفة والتي كبرت وتعلمت القتال بينهم. لتبدأ عملية انتقام ستستمر لاحقاً إلى الفيلم الأسبق. انتقام من زعيم إحدى القبائل الذي عذّب أمها أمامها قبل قتلها. هذه القصة المبنية على تراث بشري للحكايات، كانت بداهتها ممهداً لانبهارات بصرية لم تكن بالمستوى المتوقَّع لفيلم يأتي ٩ سنوات بعد آخر كان مبهراً. لا يسيء ذلك إلى الفيلم الجديد ولا يتندّم أحدنا على ساعتين ونصف الساعة في الصالة لذلك، لكنه كذلك ليس عملاً استثنائياً يبني على سابقه.

الناجون هنا هم من لم يشاهدوا السابق فلا ترتفع توقعاتهم للاحق. لكن، وهذه ضريبتهم، تبقى مشاهدة سلسلة كهذه، بفيلميها الأخيرين، لازمة لصالة السينما، بإمكانياتها الصوتية والبصرية، لا لمنصات وشاشات منزلية.

«فيوريوسا: ملحمة من ماد ماكس»: لم يبلغ الملحمة

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.