لم تكن، من قبل، قضيةٌ عالمية مسألةً محلية في أوروبا، وفرنسا تحديداً، كما هي القضية الفلسطينية في الأشهر الثمانية الأخيرة. فلسطين تفصيل محلي جداً بقدر ما هو دولي جداً لدى القوى السياسية في فرنسا، فمدى تقارب الأحزاب من بعضها أو تباعدها، يحدده أولاً الموقف من هذه القضية وقد صارت شأناً فرنسياً شهد وقفات تضامنية ومظاهرات احتجاجية في شوارع العاصمة وساحاتها، والبلد كاملاً، كما لم تشهده مسائلُ محلية ووطنية على كثرتها وزحمتها في بلد معروف بالإضرابات والاحتجاجات، ومجتمع وريث لثورة مايو الطلابية عام ١٩٦٨.
كمُّ التظاهرات التضامنية على أشكالها، ونوعها، جعل من فلسطين موضوعاً أوَّل يشكّل اصطفافات حزبية في هذا البلد النشط سياسياً. وهي، الاصطفافات، قرّبت اليمين المتطرف وحزبه من الحزبين الكلاسيكيين، الاشتراكيين والجمهوريين، ومن الحزب الحاكم، الماكرونية المصرفيّة. وهي كذلك، الاصطفافات، رفعت من شأن الحزب الفتيّ “فرنسا الأبية”، في أقصى اليسار، مقرّبةً إليه أحزاباً مجاورة في يساريتها، من الشيوعي إلى الخضر والجديد المناهض للرأسمالية، إضافة إلى جمعيات فاعلة في قضايا عدّة، من النساء إلى العمال والطلاب، والنقابات، تحديداً الكنفدرالية العامة للشغل.
منذ السابع من أكتوبر، والهجمات على “فرنسا الأبية” لم تتوقف، بدءاً من رفضها توصيف “طوفان الأقصى” بالعملية الإرهابية -وهو ما صار، التوصيف، عرفاً فرنسياً ضرورياً لاستهلال أي حديث عن فلسطين- مروراً بتصاعد خطاب تضامنها مع الفلسطينيين، شعباً ومقاومة، بل ونقله أصواتهم إلى فرنسا، شارعاً وإعلاماً وبرلماناً، وجعله الصوتَ متناً لفعلها السياسي اليوم، والوقوف بشجاعة وشراسة دفاعاً عن موقفها هذا، وليس انتهاءً -نكايةً ربما بالفاشيين وحاشيتهم- بترشيح الفلسطينية/الفرنسية ريما حسن على قائمة الحزب للانتخابات البرلمانية الأوروبية في التاسع من هذا الشهر.
منذ اليوم الأول من الحرب الإبادية، تحمل “فرنسا الأبية” لواء التضامن مع الفلسطينيين. يحضر العلم رباعي الألوان إلى جانب راياتها، بألوانها البنفسجية والوردية، في كافة تجمعاتها مهما كان موضوع هذه التجمعات. آخرها كان رفع نائب من الحزب للعلم في قاعة البرلمان، في وَسط مليء بالعدائية، من الماكرونيين رعاة الرأسمالية إلى أحفاد المتعاونين مع النازية، وبقايا الحزبين البرجوازيين المهترئين.
في تجمعات حزب “فرنسا الأبية” الجماهيرية، في لقاءات أعضائه الإعلامية، في صفحاته على وسائل التواصل، فلسطين حاضرة بوصفها واحدة من العناوين الأولى والكبرى التي يمثلها هذا الحزب، الذي صار في تمثيله القضية الفلسطينية أوربياً، نموذجاً لباقي دول هذه القارة وقواها اليسارية. أدمج الحزبُ القضيةَ في برامجه وخطاباته لتكون مكوناً أساسياً لها، وأدخل إلى قائمته ابنة مخيم النيرب التي ستحمل إلى الاتحاد الأوروبي مشاريع من الآن بدأت التحضير لها، هي اقتراحات إجراءات عقابية على إسرائيل.
لا يمثل “فرنسا الأبية” الخطابَ التضامني مع فلسطين في فرنسا وحسب، ولا يكتفي بتوسيع ذلك إلى أوروبا من خلال علاقاته الرفاقية مع تيارات يسارية مجاورة، بل سيحمل من خلال ترشيح ممثلة فلسطينية، قضيةَ الفلسطينيين إلى البرلمان، لتمثّل ريما حسن فلسطينَ بقدر ما تمثل فرنسا، ويمثل الحزبُ من خلالها هي وباقي مرشَّحيه، برئاسة مانو أوبري، فلسطينَ بقدر ما يمثل فرنسا. وليس الحديث عن تضامن عاطفي وتلقائي أو انتقائي وموسمي. بل هو جوهري ومستديم في سياسة أقصى اليسار الأوروبي والفرنسي تحديداً، وعلى الأخص منه هذا الحزب الذي تأسس حديثاً، عام ٢٠١٦.
مستويان من التضامن مع القضية الفلسطينية تشهدهما أوروبا وباقي العالم. أولهما التضامن التعاطفي مع الضحايا، أتى متأخراً من بعد عظمة الأرقام وفداحة الحرب وبشاعة صورها وحقائقها، كما بدأت تصل خلال أول شهرين من الحرب، لتكثر التظاهرات وتتخذ أشكالاً عديدة، لكنها في عمومها تضامن مع الضعيف الخاضع لمحاولة إبادة، وهذا نراه لدى الحذرين من اتخاذ مواقف، من فنانين وإعلاميين ودبلوماسيين وغيرهم، بعضهم يوقّع على بيانات وبعض آخر ينشر “بوست” أو “ستوري”، وآخر يضع دبوساً لبطيخة أو للعلم الفلسطيني. مقابلهم يكون التضامن الواعي لذاته ولموضوع التضامن، وهو سياسيّ وكفاحيّ وفكريّ وتاريخيّ وليس إنسانياً بمعنى التعاطف والاستعطاف، ويكون أساساً من أقصى اليسار.
لا دبابيس لبطيخ على قمصان برلمانيي “فرنسا الأبية”، بل المثلث الأحمر، ليس الآن وحسب بل من الأشهر الأولى للحرب، مع بروز المثلث كرمز لا للقضية الفلسطينية بوصفها مسألة مستضعَفين معرّضين لحرب إبادة، بل بوصفها، كذلك وأولاً، قضية عدل وحق، لها مقاتلوها وفدائيوها، لها فصائل مقاوَمة أبرزُها يصنع عملاً إعجازياً في مقاتلة المستعمِر الحربي، جعل من خلال تسجيلاته لعمليات المقاومة، المثلثَ الأحمر رمزاً للقضية الفلسطينية بوصفها قضية مقاومين وأصحاب كرامة تتمناها الشعوب. ليكون التضامن، كما نراه على صور وفيديوهات قائد “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون، ورفاقه من قيادات الحزب وبرلمانييه وناشطيه، واصلاً أقصاه إلى حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة وإن نفّذتها كتائب إسلامية، لا ماركسية، بتعليق المثلث الأحمر على صدورهم.
التضامن الأكثريّ مع القضية الفلسطينية، غربيّاً، يكتفي بموقع الضحية لأهالي هذه القضية، ومنه من يرفض فعل المقاومة الذي يمكن أن يعكّر على التضامن المسالم وغير المستلزم لوعيٍ فكري، والمكتفي بالعاطفة. ولا بأس به عموماً. أما التضامن الأقلّيّ فهو لموقع المقاوم، تضامنٌ واعٍ لحق المتضامَن معه في المقاومة، بما فيها المسلحة. يقدمه ويشرحه ويجادل من أجله، ويعلّق رمزه على صدره. يحمله من منصة إعلامية إلى مقعد برلماني، إلى شوارع المدن وساحاتها.
لفلسطين اليوم عالميتها. هي حالة إنسانية تمثيلية للحق والعدل، وكذلك للمقاومة من أجلهما، وهذا كله اليوم جزء من هوية اليسار الأوروبي، “فرنسا الأبية” تحديداً.
