1, الأولى
اكتب تعليقُا

“إنها تمطر في البيت”… ماء وسماء وأفق مغلق

بالكاد تسمح أفلام المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي، ببعض الوقت للكتابة تعليقاً عليها، أو على ما أمكن مشاهدته منها، خلال فترة المهرجان، لتبقى الأيام التالية، من بعده، وضمن عروض تختلف أسباب إتاحتها وأشكالها، مفتوحة على غيرها من الأفلام التي مرت في تظاهرات أقل أهمية ورسمية، إنّما فيها قد تكمن إبداعات سينمائية يمكن أن تتخطى بعض أفلام المسابقة الرسمية أو معظمها. ومعروف أن الأفلام التي لا تجد مكاناً لها في المسابقة هذه، تندرج في غيرها وهي “نظرة ما” كمسابقة رسمية ثانوية، والتظاهرات الموازية غير الرسمية للمهرجان وهي “أسبوعا السينمائيِّين” و”أسبوع النقد” و”أسيد”.

اكتشافات يصعب أن تلحقها الكتابة النقدية المتابعة للمهرجان وأفلامه، تحضر هنا وهناك في هذه التظاهرات، الأسماء الكبيرة الحاضرة في المسابقة الرسمية، وأهمية جوائزها، وكثرة أفلامها، وضرورتها الصحافية، وطبعاً الوقت اللازم للكتابة عنها، جميعها يزيح الناقد في المهرجان عن حضور ما يرغب به من أفلام قد تكون أولى ولمخرجين لا سوابق سينمائية لهم، في هذه التظاهرة أو تلك. لكنها، الأفلام، لا تتوه عن عين الناقد لاحقاً وتنال وقتها المستحق في المشاهدة، ومثال في ذلك لا يزال راهناً هو فيلم”بعد الشمس” Aftersun، الذي شارك في تظاهرة “أسبوع النقد” العام الماضي ونال جائزة “اللمسة الفرنسية” ثم صنفته عدة صحف ومجلات بأنه الفيلم الأفضل للعام.

في الدورة الأخيرة من المهرجان، أيار الماضي، نال فيلمٌ الجائزة نفسها، هو “إنها تمطر في البيت” وهو، كسابقه، العمل الأول لمخرجته، البلجيكية بالوما سيرمون داي. ولا يبتعد الفيلم كثيراً عن “بعد الشمس” في تصويره وقت إجازة وفي منطقة سياحية وبعلاقة عائلية، إنما ابتعد أكثر في جانبه الاجتماعي الوجودي لفتاة وأخيها، مقابل العلاقة الحميمية بين أب وطفلته في فيلم العام الماضي.

الفيلم، Il pleut dans la maison، يخالف سابقه بعلاقة متأزمة بين الولدين وأمهما. من البداية، نلحظ أماً عاطلة عن العمل، مهملة في بيتها، مسؤولة، نظرياً على الأقل، على ابنتها التي ستدخل الثامنة عشرة وابنها الذي يصغر أخته بثلاثة أعوام. الشخصية الرئيسية هي الفتاة، وفي ظلها تحضر الأم، أو تغيب، فنراها غائبة لأيام قبل أن تعود ثملة، وبعد أن اتصلت ابنتها بمؤسسات اجتماعية لتخبر عن فقدان أمها. الفتاة هي الشخصية الرئيسية التي يتمحور حولها الفيلم، في محاولاتها الخروج لا من سيطرة أمها، بل من عالمها المأزوم مع هذه الأم، بانتظار أن تدخل الثامنة عشرة لتستطيع عملياً الاستقلال، وإن أجّلت دراستها الجامعية كي تعمل بالتنظيف، فلا مصدر دخل آخر لهم، وإن كان أخوها عبئاً غير مباشر عليها، فهو من ناحية بدأ يميل، في سن المراهقة، إلى انحرافات عنيفة قد تودي بمستقبله.

الفيلم يتطور برتابة الحياة في مدينة سياحية صغيرة في بلجيكا، بملل ظهيرة صيفية للفتاة وأخيها، وبمحاولات شبه يائسة في إيجاد عمل أو حتى إيجاد عزاء عاطفي لدى صديقها الذي يرفض عملها كمنظفة في فندق. هذه الرتابة الصيفية تمتد وتسيطر على الأجواء، في لقطات شبه فارغة لحياة ريفية قد تشغل البحيرة والسماء والأفق المفتوح معظمها. هذا كله بالتوازي مع خلاء في راهن الفتاة ومستقبلها كما يمكن النظر إليه، من دون دراسة جامعية ولا مهنة مستقرة، يستمر الفيلم في هذه الأجواء، بحوارات قليلة، تثير الحزن والغضب في آن، بما يشبه ما نراه في سينما البلجيكيين الأخوين داردين، حيث الظرف الاجتماعي يضيق على الشخصيات المحاولة، على طول الفيلم، إيجاد حل لمعضلة شخصية تتعلق بالنظام الاجتماعي الرأسمالي ليست الشخصيات مسببةً أصلية لها، وهو ما نرى جذوره في التراجيديات الإغريقية. ما يجعل الفيلم واقعياً اجتماعياً تحتملها جماليات الصيف مياهاً وسماءً، وأفقاً يجعل الفتاة تتخذ قرارات لشقّه.

الفيلم من الاكتشافات اللاحقة، غير المتأخرة بكل الأحوال، لفيلم يفوق في جمالياته السردية والبصرية بعض أفلام المسابقة الرسمية، وقد تكون زحمة المهرجان حالت دون الالتفات إليه في حينها. وهذه حالات متكررة في أفلام “أسبوع النقد” و”أسبوعا السينمائيِّين” الأقرب لبرنامج Off موازٍ (كما هو الحال مع مهرجانات موسيقية ومسرحية وراقصة) حيث تتخلى الأعمال المشاركة عن كلاسيكية المطلوب من منظمي المهرجان، ويذهب الفنانون بأعمالهم إلى آفاق إبداعية وتجريبية تحمل جماليات قد لا تسعها الأطر والأنظمة المتكرّسة في الحضور الرسمي ومسابقاته، في “كان” وغيره من مهرجانات السينما، وغيرها من مهرجانات الفنون على أنواعها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.