يبدأ الفيلم بعبارات تشير إلى عدد حالات قتل النساء (فيميسيد) في فرنسا، وإلى أن أغلب عمليات التحقيق فيها لم تصل إلى نتيجة، وأن القصة في هذا الفيلم واحدة من تلك غير المحلولة. بذلك وضع الفيلم مُشاهده، بجرأة ومجازفة، أمام نهاية مصرَّح بها، في فيلم تحقيقات بوليسية، وهي أن التحقيق لن يفضي إلى شيء وأن الملف سيقى مفتوحاً. هو ما نقل الفيلم من حالته البوليسية التحقيقية إلى حالته الاجتماعية، محولاً المضمون وثقله، من: من هو القاتل؟ إلى: لمَ هي الضحية؟
كأي فيلم من نوعه، تنقل المَشاهد الأولى عملية القتل، لفتاة لم نعرف عنها شيئاً، ليبدأ الفيلم من بعدها بفريق تحقيق يتابع بكل الوسائل ما يمكن أن يوصله إلى الجاني. يشكّ الفريق بأصدقاء للفتاة وعشاقها، يحقق معهم. يشكّ بالجميع وبلا أحد. ينتهي الفيلم بمن كاد أن يكون الجاني، لكنه كان كذلك مشتبهاً به وحسب. ليقول المحقق أخيراً، مختصراً المسألة برمتها، إن الشباب المحقَّق معهم، كلهم جناة محتملون لجريمة كهذه، في كلهم أسباب تجعله كذلك، لكن أحداً منهم لم تصل التحقيقات إلى إدانته. ما يجعل الفيلم مرافعة بيّنة في حالة “الفيميسيد” حيث يستسهل الرجال، للمساحة الآمنة التي يوفرها المجتمع لهم، وبمبرر اجتماعي هو الغيرة أو “العار”، الاعتداء على النساء. هو ما صرّحت به صديقة الضحية في التحقيق معها، رافضة أي تلميحات لتعدد علاقات الضحية الجنسية والعاطفية، قائلة للمحقق الذي تطلب منه الكف عن ملاحقة علاقات صديقتها، إن السبب واضح، هي قُتلت لأنّها امرأة.
الفيلم (La nuit du 12) الذي نال 6 جوائز سيزار فرنسية من بينها أفضل فيلم، وشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الأخير، وأخرجه الفرنسي دومينيك مول، نقل قصة اجتماعية في سياق وعناصر الفيلم البوليسي، لاغياً من حسابات المُشاهد العنصرين الأهم في ذلك الفيلم، وهو هوية الجاني، والتي تكون غير متوقعة بالمرة، وطريقة الوصول إليه. عنصران تم نفيهما عن الفيلم الذي تحول إلى عمليات تحقيق عبثية مآلها معروف مسبقاً، فتغير الفيلم في نوعه ليصير اجتماعياً حقوقياً، عن ضحية مجتمع ذكوري استسهل الاعتداء على النساء وبالتالي قتلهن، في أقصى مراحل الاعتداء. لا إثارة في الفيلم مبنية على ضرورة معرفة الجاني، لا يبني بالتالي على أحداث تتتالى للوصول إلى النتيجة، كأي فيلم أو مسلسل جعل عملية التحقيق في جريمة موضوعاً للاستهلاك يصل أخيراً إلى نهاية سعيدة بمعاقبة المجرم، لا أحداث هنا بل حالة ممتدة على طول الفيلم، ضمن تحقيق ليس فيه ما يميزه، سوى ضحيته التي، بتماثلها مع غيرها، صارت رمزاً لنوع محدد من الضحايا، ضحايا المجتمع لا الأفراد وحسب، ضحايا حالة استسهال العنف والقتل، لا ضحايا فرد سيكون أخيراً مختلاً عقلياً أو نفسياً فتكون الجريمة مبرَّرة بشكل من الأشكال. الجاني هنا ليس مختلاً ولا هو فرد محدد. هو أيّ رجل استباح الاعتداء بصفته رجل، على الطرف الضعيف بصفته امرأة.
تغلق عمليات التحقيق بعد إخفاق في إيجاد الجاني، وبعد توقف الميزانية للإكمال حتى إيجاده. بعد ثلاث سنوات، تفتح قاضيةٌ جديدة، امرأة، الملف. وتنضم إلى فريق التحقيق امرأة، تخرج الأولى بفكرة تصوير القبر بالفيديو في الذكرى الثالثة للجريمة، وتحرص الأخيرة على البقاء صاحية للمراقبة طوال الليل، وهي التي تلقي على مسامع المحقق قولها مستغربةً في أن الجاني دائماً رجل، والمحقق كذلك دائماً رجل.
ما قالته المحققة الجديدة أثار غرابة في معادلة التحقيق في مقتل امرأة كان المحقق المتعاطف أساساً، مركّزاً على علاقاتها مع عشاقها وعلى احتمال أوّلي في أذهان المحققين هو أن الغيرة هي ما جعلت رجلاً يقتل امرأة، كأن في ذلك لوماً مسبقاً على الضحية. لعلّ حساسية ما لدى محقّقات نساء، لو حضرت في عمليات التحقيق الأولى، لاتّخذ التحقيق مساراً آخر غير العلاقات الجنسية لدى الضحية، لكان الجاني -والفيلم مبني على قصة حقيقية- حبيساً غير طليق.
