في فيلمه الأخير، عاد المخرج البريطاني سام ميندز إلى أول أفلامه، أو ما يمكن اعتباره بداية مسيرته السينمائية، “جمال أمريكي” (١٩٩٩) حيث يُبنى الفيلم على نفسيات شخصياته، وتحديداً عزلتهم واضطراب نفسي يعيشونه. وقد فصلت بين الفيلمين أفلام عديدة كانت على الطرف الآخر في نوعها السينمائي، أفلام جيمس بوند وحروب وحركة، أهمها بعنوان “١٩١٧” الذي يحكي عن الحرب العالمية الأولى ونال عام ٢٠١٩ جوائز ونجاحات.
الفيلم الأخير لميندز، “امبراطورية النور”، ابتعد عن معظم أفلامه، في موضوعه ومقاربته الأقرب للفنية، في صناعته كفيلم مستقل، في أول تجربة كتابة وإخراج له، وفي موضوع أقل جماهيرياً وأكثر نخبوياً، هو السينما، في ما يمكن تسميته رسالة حب للسينما كادت أن تكون رسالة رثاء.
لماذا رثاء؟ لأنه يحكي عن أزمة تعيشها صالات السينما كانت، سياقاً لصيقاً بالشخصيات والأحداث، ولماذا حب؟ لأن صالة السينما في الفيلم كانت مسرحه الرئيسي وذات حضور علاجي وساحر لشخصياته. أبرز هذه الشخصيات هي المديرة الإدارية للسينما، هيلاري. تحب عملها رغم تحرشات واعتداءات مديرها الجنسية عليها، علاقتها بالمكان تتخطى العاملين فيه، علاقتها معهم رتيبة لكن هيلاري، وهي المديرة، تساهم في بيع التذاكر والحلويات وكذلك تنظيف الصالات وقد انتشر البوشار بين كراسيها. ينضم شاب أسود إلى فريق العمل، تقيم علاقة جنسية معه تتحوّل إلى اهتمام ثم حب، من طرفها. يلتقي هو بأخرى، وتتأزم مشاكلها في العمل، وفي لحظة حاسمة للصالة التي ستشهد حدثاً افتتاحياً لفيلم، لأول مرة، بحضور العمدة، في مدينة ساحلية جنوبي بريطانيا، تنقلب حياتها وتُجرّ المرأة مجدداً إلى مصحة نفسية. في خلفية الأحداث الشخصية هذه، نقل الفيلم سياقات بريطانية لعام ١٩٨١، بتفشي العنصرية، في بدايات عهد مارغريت تاتشر، الذي تفشت فيه كذلك البطالة.
في جانبين تاريخيين تعيشهما الشخصيات، العنصرية والبطالة، كانت صالة السينما، “إمبايَر” شبه فارغة، صالات علوية مغلقة بسبب ذلك، الصالات المسرحية والشاسعة، العريقة في تصميمها، بستائرها وكراسيها المخملية وتماثيلها على جوانبها، كانت شبه مهجورة، فالناس يبحثون عن عمل أو يقتصدون في مصاريفهم بدل شراء تذاكر، أو هم عنصريون يحطمون واجهات الصالة في مسيرة عنصرية (نازية جديدة) للدخول والاعتداء على الموظف الأسود الجديد، وعلى باقي الفريق. السينما إذن في مأزق سببه سياسات ليبرالية اقتصادياً ومحافظة اجتماعياً، وما يرافق ذلك من مدّ لنزعات عنصرية هي نقيض للسينما بصفتها فناً متنوعاً ومنفتحاً.
تصعب مشاهدة الفيلم بمعزل عن “التهديدات” التي طالت صالات السينما في السنوات الأخيرة، فمع كل أزمة نعيشها، آخرها الجائحة الصحية، تكون الصالات من أولى الضحايا، ويكون التردد إلى صالات السينما كممارسة ثقافية اجتماعية وفردية، وكعملية تلقٍّ جمالي، أولى الضحايا. هذا ما شاهدناه في الفيلم وهذا ما عشناه أخيراً. لا تشاهد هيلاري أفلاماً، لا تعرف الصالات إلا بأنوارها المضيئة وشاشاتها المنطفئة والصامتة، ففي ساعات عملها لا فرصة للمشاهدة، والساعات القليلة لها خارج العمل لن تمضيها في موقع العمل ذاته. أصرّ عليها أحدهم أن تدخل لتشاهد فيلماً، فعلت وكان أقرب للعلاج النفسي، أقرب لتغيُّر سحري في نفسيتها وعلاقاتها مع زملائها. قبل أن تتعقد الأمور من حولها وتجد أن الحياة اليومية بما فيها من علاقات وتأزمات أصعب من أن تحلها مشاهدة لفيلم داخل الصالة.
الفيلم، Empire of Light، يستعيد العلاقة بين صالة السينما في أزماتها، وزوّارها، بين الفيلم في الصالة المظلمة والمتآلفين معها، في علاقات وحوارات هادئة وخفيفة، لا إثارة ولا كوميديا ولا تراجيديا مبالَغ فيهما، فيلم يحكي ببساطة عن صالات السينما كجلسة علاج نفسي، كسحر ممتد إلى ما خلف أبوابها. وأحياناً تكون رسائل الحب الناجية من حالة الرثاء، أجمل بعفويتها وبساطتها، وبهشاشة الشخصيات التي تعيشها.
