1, الأولى
اكتب تعليقُا

 “الفداحة”… الأبوية نقيضاً للمرح

يمكن لأجواء، زمانية ومكانية، من خلالها ينقل فيلمٌ قصةً ما، يمكن لها أن تضيف جماليات بصرية هي ليست من صلب القصة التي يمكن أن تجري في سياقات أخرى، تكون بذلك قصصاً إنسانية، بسهوله نسخها من سياق إلى آخر. فتكون، الأجواء، عنصراً جمالياً إضافياً يحيط بالقصة وشخصياتها، ليس أساسياً لكنه يصير كذلك خلال المشاهدة وفي تلقي الفيلم بصفته عملاً جمالياً.

هذا هو حال فيلم المخرج الإيطالي إيمانويل كيرياليز، L’immensità، ما يمكن ترجمته بـ “الضخامة”، أو، الأنسب لسياق الفيلم، “الفداحة”. تجري أحداثه في سبعينيات العاصمة الإيطالية روما، في بيت طبقة متوسطة، لعائلة صغيرة، الأب فيها تقليدي وعنيف ومدير في شركة، الأم فيها حيوية وعفوية وربة بيت، وضحية نفسية وجسدية، هي وأبناؤها، للأب.

في أداء كان إضافة جمالية (هو حالها دائماً) للممثلة الإسبانية بينيلوبي كروز، تركّزَ الفيلم عليها، الأم المتماهية مع أطفالها، وعلى ابنتها الكبرى التي يحمل الفيلم من خلالها موضوعه الأساسي. تعيش الفتاة ازدواجاً في هويتها الجنسية، في تعريف لنفسها بكونها ولداً، تصلّي لربها كيف تصبح ولداً في جسدها، تمارس ذكورة مبكّرة في سيطرة على شقيقيها الصغار، تلبس الجينز وتتمتع بشخصية قوية بالمقارنة حتى مع أولاد في عمرها، أما الأبرز في كل ذلك فعلاقة حب طفولية وبريئة تتخللها قبلة بفم مغلق، تجمعها مع فتاة تعيش مع أهلها في سكن جماعي غير مستقر، لعمّال أجانب.

من خلال الأم المرحة وابنتها المرتبكة، ينقل الفيلم العنف الذكوري بصفته وسيلة للسيطرة التي تزيد، بنموّها، من العنف الذي تسبب بها، في حلقة مفرغة من سلوك للأب، كان النقيض مع مرح الأم وحيرة الابنة، كان مفسداً لما أمكن له أن يكون علاقة بين أفراد عائلة تحاول الابنة الكبرى فيها صناعةَ هويتها الجنسية في عمر مبكّر، بوعي لذاتها كولد في جسد بنت.

القصة، في إنسانيتها، عامة، لا تفاصيل ولا خصوصية فيها، الأجواء منحتها سياقها، في تصويرٍ “فانتاج” لعناصر اللقطات، بديكورات وملابس وألوان سبعينية، حارة، عكست حميمية كل من الأم وابنتها، مع نفسها ثم مع آخرين، وعكست مرحلة ما بعد الثورات الاجتماعية والنسوية في أوروبا، في تناقض داخل العائلة الصغيرة، على أحد أطرافها الأم الراضية باضطهادها حفاظاً على الأسرة وأولادها، ثم العاجزة، في مجتمع مازال ذكورياً ومقابل زوج معنِّف، عن اتخاذ موقف حامٍ لها ولأطفالها، وتحديداً ابنتها التي تجد في هذه الأم المؤازَرة اللازمة في مسألة الهوية الجنسية والجندرية عندها. على الطرف الآخر زوج متحرش بسكرتيرته التي تشتكي للزوجة، ولا يكون رد الأخيرة سوى أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال تحرشات زوجها.

يسأل الابن أمه في بداية الفيلم إن كانت ستخرج، لأنها لا تضع الماكياج إلا إن كانت ستخرج أو إن كانت تبكي. الأم في منتصف الفيلم تبكي متأثرة في صالة السينما، وقد انتهى فيلم تشاهده مع أطفالها، تبكي فينهض ابنها للخروج قائلاً لأمه، مواسياً، بأن تنهض وأنها تستطيع إكمال البكاء في البيت. ليست الأم متمردة على زوجها، بالكاد تغضب، هو غضب اللامبالاة المتحولة إلى عجز ورضى به، غضب المحكوم بمنظومة اجتماعية ورسمية تصفّ إلى جانب الزوج المتسلط في بيته والمتحرش خارجه. في ذلك يكون الفيلم واقعياً، فلا يقدم نهايات سعيدة متوقعة في فيلم يريد لمشاهديه أن يخرجوا من الصالة متنفسين الصعداء، فهو ليس كوميديا، كما أنه ليس تراجيديا تنتهي بكوارث تكون شخصياتها عِبراً أخلاقية للمُشاهد.

الفيلم الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي 2022، واقعي كأنّه يصور حالة رتيبة لعائلة معنَّفة في مجتمع أبويّ، ضمن حلقة لا مخرج منها، ما جعل للقصة وسلوك الشخصيات فيها ومآلاتها، موثوقية الواقع، بموازاة براعة التصميمات الداخلية للفيلم، الأوروبية السبعينية، وكلّه بموازاة الأداء المميز لبينلوبي كروز، التي نراها هنا في شخصية تناقض تماماً شخصياتها في السينما التي عرفناها من خلالها، للمعلّم بيدرو ألمودوفار، حيث الامرأة، الفتاة والعشيقة والزوجة والأم، في أبرز حالاتها قوّةً وتمرّداً وجمالاً. هنا كذلك برعت كروز في دور لم نألفه لها.

 

الفيلم الإيطالي «الفداحة»: الأبوية نقيضاً للمرح

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.