1, الأولى
Comment 1

تلك هي التهمة، تلك هي الأوامر

ليست حادثة المخرج الفلسطيني سعيد زاغة في مصر قبل أيام، استثناءً. دُعي إلى مهرجان الجونة السينمائي، فاحتُجز هناك ورُحّل عائداً إلى لندن، لسبب واحد (بات مملاً) هو فلسطينيّته. سبقته حوادث أخرى آخرها كانت مع الممثل علي سليمان. هم فلسطينيون يقبلون دعوة لمهرجان عربي فيرتطمون بواقع هو عربي تماماً: في المطار مع أجهزة أمنية تعيدهم إمّا إلى شتاتهم أو إلى شظايا الوطن الذي أتوا منه.

الممثل والمخرج محمد بكري لم يتمّ تكريمه في المهرجان كما بُرمج، بسبب “تغييرات طرأت على مواعيد رحلة الطيران”، فتفتّقت أذهان المنظّمين بالتذرّع بخبر رحيل والدته (الراحلة قبل عشرة أعوام). قرّر بكري مقاطعة المهرجان، في إثره وإثر حادثة زاغة الذي أُوقف لساعات طويلة في مطار القاهرة، ممنوعاً حتى من شرب الماء، حسب “التعليمات” -كما قال- ورافَقه ضابط مصري في الرحلة إلى لندن ليسلّمه جواز سفره، فقط، هناك. قرّر بكري المقاطعة “لوقف مهازل إهانة الفنان الفلسطيني أيّاً كان”.

في سياق هذا كلّه نجد فلسطينيين يتجوّلون بين صالات المهرجان وممراته دون كلمة نسمعها في تضامنهم مع زاغة وبكري وقبلهما سليمان. لكن أين يكمن البؤس في كل ذلك؟

النظام المصري الذي تمثّله هذه المهرجانات (الجونة والقاهرة وغيرهما) بصفة ما، هو (وفنّانوه وصحافيّوه ومخبروه) المثال الأوضح لمرحلة الانحطاط العربي الذي نعيشه اليوم، لمرحلةِ ترسُّخ الثورات المضادة المتلازمة مع التطبيع (بل التحالف) مع إسرائيل، والمتلازمة في الدرجة ذاتها مع تضييقٍ وقمعٍ واستباحةٍ للفلسطيني في كل مناسبة، ومن الذباب الإلكتروني إلى رجال الأمن.

لا حرج، إذن، على أنظمة كهذه في سلوكها تجاه الفلسطيني، وتجاه كل ما يجسّد رغبة شعوبها في نيل “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”، وهذا ما كان ومايزال يمثّله الوجودُ الفلسطيني منذ ثورته واستعداء الأنظمة العربية، على أنواعها، لها، حتى اليوم. لا حرج على أنظمة كما لا حرج على استعمار استيطاني إسرائيلي يحتلّ ويرحّل، وإن كان هو المطرقة، فتلك الأنظمة سَندانها.

أين يكمن البؤس إذن؟

هو هنا، بيننا. في فلسطينيين يقدّمون أوراق اعتمادهم لمهرجان هو أقرب لكرنفال في ظل ديكتاتورية، يقدّمونها (كلّ عام) كطلّاب نجباء مَرضيّين يجتهدون لإقناع النّظام وأيٍّ من واجهاته، هذا المهرجان أو ذاك، هذا الضّابط أو ذاك، بتمايزهم عن “الفلسطينيين” الآخرين، بتمايزهم عن عموم التراث والهويّة الفلسطينيَّين، برؤوس واطئة وصمت هو صدى لحنقٍ فلسطيني في أروقة المطارات.

لا تُسأل الأنظمة ولا مهرجاناتها عن استباحة أي فلسطيني، بل الفلسطيني الطيّع والمهذّب. هو المساءَل عن “حسن سلوكه”، كطالب في مقاعد الصف الأوّل، صامت ومكتَّف علّه ينال مكافأة في نهاية الحصّة. ولا لهذا ولا لذاك ظهرٌ يحميه، يكون في سفارة أو دولة أو مؤسسة فاعلة. ليس لهؤلاء كلّهم (وتهمتهم واحدة) من حمايةٍ سوى موقف واحد جمعٍّي موحَّد يحمي الأفراد الحامين له.

البؤس الكامن في هذا الحال الفلسطيني لا يُردّ عليه سوى بإجابةٍ عن سؤال: لمَ، بعد، لم نقاطع، جماعةً وأفراداً، هذه المهرجانات، من مصر إلى السعودية إلى كل مسيء للفلسطينيين؟

لمَ هذه الاستباحة للهوية الفلسطينية في البلد الشّقيق؟ ما الذي يمكن أن يفعله زاغة أو بكري أو غيرهم، في المهرجان المصري، سوى الحديث عن السينما (الفلسطينية) وتقديم أعمالهم؟ لنسأل من زاوية تعنينا أكثر: لم هذا القبول بتلك الاستباحة لدى فلسطينيين آخرين؟ وتبعاً لذلك: لمَ لا يتّخذ الفلسطينيون (العاملون في السينما وعموم المجال الثقافي) موقفاً واحداً في مقاطعة الأنشطة الثقافية في مصر ما لم تعدّل الدولة (ولا أقول النّظام، فلا شيء يُعدَّل فيه( من سلوكها تجاه الفلسطيني، المدعوّ، بكل الأحوال، كضيفٍ، إليها؟

هذه الأسطر دعوةٌ صريحة إلى جميع العاملين في المجال الثقافي والفني الفلسطيني لإحقاق تضامنهم تجاه بعضهم كأفراد ومؤسسات (لم نقرأ بياناً من مؤسسة فلسطينية -وما أكثرها بالمناسبة- تنتقد ما يحصل)، وهي دعوةٌ لأن يتمثّل هذا التّضامن، أولاً، في مقاطعة الأنشطة الثقافية المصرية إلى أن تُسقِط الدولةُ، صراحةً، عن الفلسطينيين امتيازَ المنع والحجز والترحيل.

كتب محمود درويش الحوار التالي في مقالة نشرتها «اليوم السابع» في يناير عام ١٩٨٧. ولا شيء تغيّر، منذ ما قبله إلى يومنا:

“سألتُ الضابط: هل وجدت خطأ في جواز سفري الدبلوماسي يا سيدي الضابط؟

قال: لا.

قلت: هل اسمي مدرج على قائمة المسموح لهم بالدخول إلى بلادكم؟

قال: نعم.

قلت: هل أحتاج إلى تأشيرة دخول لأدخل؟

قال: لا.

قلت: إذاً، هل تأذن لي بأن أسألك لماذا توقفني، ولا تأذن لي بالمرور الكريم؟

قال: لأنك فلسطيني.

قلت: أمن الضرورة أن تجرحني؟

قال: أنا لا أجرحك.

قلت: لماذا إذاً تؤخّر دخولي، وتوقف أولئك العجائز الفلسطينيات منذ ساعات؟

قال: لأنكم فلسطينيون.

قلت: هل تلك هي التهمة؟

قال: تلك هي الأوامر.”

 

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

تعليق واحد

اترك رداً على Ahmad Hegab إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.