1, الأولى
اكتب تعليقُا

«ذي إيدي» قصة نادي جاز في باريس من خلال موسيقييه

هذا مسلسل آخر جيّد، يستحق المتابعة، على شبكة نتفلكس الممتلئة بالمحتوى المكرّر لذاته والخالي من الابتكار. وليس الجديد في هذا المسلسل هو الابتكار وحسب، بل الأسلوب في الإخراج (تصويراً ومونتاجاً) وقبله في السرد. ومسلسلنا هذا يأتي مخرجوه من خلفيات سينمائية، بل هم أصحاب أفلام جيدة وممتازة، فكان مسلسلهم بهذه الجودة ضمن بحر من المسلسلات المتماثلة في سطحيتها على الشبكة ذاتها.

أحكي بصيغة الجمع لأنّ للمسلسل المحدود «ذي إيدي» أربع مخرجين، كل منهم أخرج حلقتين، ولكل منهم تجربة سينمائية متميزة: داميان شازيل («لا لا لاند» في ٢٠١٦ و«ويبلاش» في ٢٠١٤)، هدى بنيامينا («ديڤين» في ٢٠١٦)، ليلى مراكشي («ماروك» في ٢٠٠٤ و«روك ذا كاسبا» في ٢٠١٣)، ورابع أقل أهمية.

لنجاح المسلسل، عموماً، عناصر عدة، من بين أهمها السيناريو والحوارات، ويصير لهذا قيمة أكبر إن كان العمل يعتمد على حكايته، خاصة حين تكون مأخوذة من أعمال أدبية، أو يعتمد على عنصر التشويق والتحقيقات وتكون عموماً مسلسلات مأخوذة عن قضايا حقيقية. لكن ليس هذا حال المسلسل، ما يميزه هو “كيف” نقل القصّة وليس القصة ذاتها أو “ما هي” القصة. وهذا اعتماد أساسي على المخرجين وليس الكاتب.

شازيل آت من سينما موسيقية، فيلماه المذكوران مثالان جيدان على ذلك، وتحديداً «لا لا لاند» الذي استحق تقييماته العالية وجوائزه، المخرجتان بنيامينا ومراكشي آتيتان من خلفية عربية ضمن المجتمع الفرنسي، ما يجعل للمخرجين الثلاثة، من حيث أتوا، نقاط قوة معرفية في نقل القصة العادية في هذا المسلسل الذي كان بإخراجه وحواراته اليومية البسيطة، وموسيقاه، أكثر من عادي.

كي فهم ذلك، أذكر شيئاً عن القصة: نادي جاز في باريس، وفيه فرقة مكونة من ستة أفراد ليسوا فرنسيين “بيض”، في الحلقة الأولى يُقتل أحد شريكين في النادي وهو من أصول عربية، يعرف الشريك الآخر، وهو موسيقي مشهور، بوجود مال مزوّر وعلاقات لشريكه مع تجار مخدرات أودت إلى ذلك فيحاول الكشف عن حقيقة الأمر، يحاول في الوقت ذاته رعاية ابنته التي وصلت من الولايات المتحدة، وعلاقته معها متوترة، وفي موازاة ذلك يحاول إبقاء النادي مفتوحاً والحفاظ على أعضاء الفرقة وإبرام عقد مع أحد المنتجين لتسجيل اسطوانة، والحفاظ على سلامة ناديه من تخريب العصابة، وأخيراً التعامل الحذر والمرتبك مع الشرطة التي تحقق في ذلك.

الموضوع موسيقي إذن والمسلسل ممتلئ بموسيقى الجاز التي تضيف تأثيراً صوتياً جميلاً على أجواء المسلسل، وهي ساحة شازيل كما عرفنا. وبيئة المسلسل مهاجرة، فشخصياته من أوروبا الشرقية وإفريقيا. لكن في المسلسل كذلك قصص آخرين من بيئات عربية ومسلمة في باريس، وهي حاضرة من خلال الشريك المقتول، وزوجته وآخرين، وهذه ساحة المخرجتَين بنيامينا ومراكشي ونجدها في أفلامهما.

ينال بذلك المسلسل موثوقيته من خلال التفاصيل الموسيقية والاجتماعية التي يعلمها جيداً مخرجو المسلسل. فكانت تفاصيله في المجالين بلا ثغرات ملحوظة وكانت لذلك داعمة للقصة العادية، مانحة إياها تسلسلاً واقعياً للأحداث يحتاجها المسلسل كما يحتاج الكتابةَ المدركة لأجواء الشخصيات.

قلت إن ما يميز هذا المسلسل (The Eddy) هو “كيف” نقل القصّة وليس “ما هي” القصة. في الإجابة عن “ما هي؟” يمكن كتابة جملة واحد: علاقة متوترة بين صاحب نادي جاز باريسي مع كل من ابنته وحبيبته وفرقته والشرطة والعصابة. ما أعطى المسلسل ميزة خاصة هو كيف نقل القصة، بصرياً وسردياً، سأشرح ذلك.

ليس لأن مكان الأحداث مدينة باريس، بل لأنّ التصوير الخارجي فيها كان واقعياً، في شوارع مفتوحة، ولأنّ الكاميرا كانت محمولة غير ثابتة، لها حركات سريعة وفي كل الاتجاهات، بإطارات متداخلة، ولأنّ المونتاج كان سريعاً في مواقع معينة، والأداء أقرب للتلقائية كأن لا إدراك للممثلين بوجود الكاميرا حولهم، لكل ذلك يذكّرنا المسلسل بـ “الموجة الجديدة” الفرنسية، وبنسبة ما، يذكرنا بأسلوب الأمريكي جون كازاڤيتس. وهذا يُحسب للمسلسل الذي حاول بكل ذلك منح موسيقى الجاز (الارتجالية في بعضها) فيه مقابِلاً بصرياً سينمائياً. إن أردتُ، في هذه المقالة النّاصحة بمشاهدة للمسلسل، قول ما أجده نقصاً فهنا مكانه، وهو أنّ الكتابة (تَطوّرُ الحكاية تحديداً وليس الحوارات) لم تكن بتلك التلقائية والوتيرة السريعة التي كانت للصوت (الموسيقى) والصورة (الكادرات والمونتاج)، لكن فنّية الصورة والمتعة المتسبّبة بها موسيقى الجاز على طول المسلسل، إضافة إلى وعي المضمون اجتماعياً، يعوّضان ذلك.

سأضيف إلى ذلك أمراً آخر يتعلّق بالسردية، وهو نقل الحكاية من خلال شخصياتها. فكل حلقة كانت باسم إحدى شخصيات المسلسل، وهذه لفتة ذكية في “كيف” تُنقل القصة، الإجابة كانت، سردياً، من خلال مواقع شخصياتها في شبكة تفاعلها مع بعضها، كل حلقة تركز على إحداها في علاقتها مع الآخرين، كأنّنا أمام شبكة من الأحداث تقودها شخصياتها حول مركز واحد هو نادي الجاز “ذي إيدي”. وهذا الأسلوب في نقل قصة المسلسل، المبني على قصص شخصياته، عنصر جمالي آخر، سردي، أضيفه إلى البصري والسّمعي.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.