الأولى
اكتب تعليقُا

لأنّ غزة همّ محليّ

أوّل ما حاولتْه إسرائيل منذ النكبة، واستمرّت عليه وكان أولويّة دائمة، حتى اليوم، هو نزع الهوية الوطنية الجامعة لكافة الفلسطينيين عنهم وتحويلهم لمجموعات سكّانية في مناطقة منفصلة عن بعضها، لكل منها همومها «المحلّية» المعزولة تماماً عن الهم الوطني، أو عن هموم باقي المجموعات، فلا يوجد بذلك هم وطني واحد لجميع الفلسطينيين.

مع الزمن الممتد لما يقارب السبعين عاماً ونشوء أجيال فلسطينية ولدت وكبرت في مناطقة مختلفة داخل الوطن وخارجه، كان هنالك ضرورة سوسيولوجيّة تجعل لكلّ تجمّع فلسطيني، أو مجتمع، همومه «المحلّية». لكن، وهذا ما لم ترده إسرائيل، هنالك وعيٌ جمعي (متفاوت) بأنّ الهموم المحلّية هذه ليست بديلاً عن عموم هموم الفلسطينيين كشعب، إنّما تتكامل كلّ هذه «المحلّية» ليصير مجموعها «القضيّة الوطنيّة».

هذا الوعي لا يتجسّد إلا باعتبار كلّ مجتمع فلسطيني لهموم المجتمع الآخر مكمّلاً لهمومه ومشكّلاً معه والمتجمعات الأخرى الهمّ الوطني العام، وهذا الاعتبار لا جدوى فعلية له دون التصرّف على أساسه، أو النضال على أساسه، فيكون فكّ الحصار عن قطاع غزّة همّاً بالنسبة لفلسطينيي الداخل لا يقلّ «وطنيّةً» عن نيل حقوق مدنيّة كاملة داخل إسرائيل. الأمر ذاته بالنسبة لمأساة فلسطينيي المخيّمات السوريّة الآن.

آخر التجسيدات هذه كانت قرار المشاركة للنائب عن حزب التجمّع باسل غطّاس في أسطول الحرّية المتوجّه من أوروبا إلى غزّة لكسر الحصار المفروض عليها من قبل إسرائيل (وللضرورة أشير إلى النظام المصري كطرف أسوأ في الحصار وإلى تصفيق السلطة الفلسطينية للحصاريْن).

ردود الفعل الإسرائيلية والتحريض على غطاس، الذي يذكّر بالتحريض والاعتداءات التي تلاحق النائب حنين زعبي منذ شاركت في أسطول الحريّة قبل سنوات وإلى اليوم، وبالعودة إلى زمن سابق نقول أنّ ما يتعرّض له غطاس وزعبي يذكّرنا كذلك بما تعرّض له عزمي بشارة قبل خروجه إلى منفاه، كل هذه الردود تشير إلى خطورة وحساسيّة ما يقوم به بشارة وزعبي وغطاس بالنسبة لإسرائيل، بالنسبة لما حاولته دولة الاحتلال منذ نشوئها إلى اليوم، أي تحويل الفلسطينيين إلى مجموعات سكّانية لكل منها همومه المنفصلة عن هموم التجمّعات الأخرى، فكانت من التهم الأساسيّة الموجّهة لبشارة عمله على جمع (أو لمّ شمل مؤقّت) فلسطينيين في المخيّمات بأهليهم في الداخل، وتهمة زعبي وغطاس هي مشاركتهم بأسطول الحرّية وتأكيدهم بذلك على أنّ الفلسطينيين شعب واحد، وأنّ حصار غزّة هو همّ أساسي لفلسطينيي الداخل، همّ «محلّي».

وإن كان للزمان (سبعون عاماً) والمكان (تشتّت الشعب) تأثيراً بنيوياً في تشكّل المجتمعات الفلسطينية، إلا أنّ القرار الواعي بأنّ كل هذه المجتمعات تشكّل شعباً فلسطينياً واحداً، والتصرّف على هذا الأساس هو ما يؤكّد لإسرائيل بأنّها كانت على خطأ في فكرتها، منذ البداية.

أمّا «التصرّف على هذا الأساس» فهو، أخيراً، قرار باسل غطّاس بالمشاركة في أسطول الحرّية. فلا غرابة من «الخطورة» التي تراها إسرائيل في ذلك.

في فصل المقال

This entry was posted in: الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.