All posts filed under: 1

«أورلاندو: سيرتي السياسية»… فيرجينا وولف معاصرة

للروائية الإنكليزية فيرجينا وولف، راوية تتحول شخصيتها الرئيسية جنسياً، في رحلة تاريخية تلتقي فيها برموز من تاريخ الأدب الإنكليزي. فيلمنا هنا، اتّخذ من كتاب وولف، Orlando: A Biography، منطلقاً إنما بشكله المعاصر، ليضيف إلى العنوان مفردة “سياسية”، فيكون عنوانه Orlando ma biographie politique، حاملاً التحول الجنسي من صفته موضوعاً أدبياً لسرد حكاية تتخطى الأزمنة، إلى واقع سياسي بقدر ما هو اجتماعي وحقوقي.

ترميم “باب الشمس”… كالعثور على فيلم مفقود

ليس ترميم فيلم المصري يسري نصرالله “باب الشمس” حدثاً سينمائياً عربياً وحسب، هو بالقدر ذاته حدث سينمائي فلسطيني خاص، للمكانة التي يشغلها الفيلم في عموم المسيرة السينمائية لهذا الشعب، وهي مسيرة تخللتها بل ساهمت في تأسيسها، أفلام عربية في صناعتها، إخراجاً وكتابةً وتمثيلاً وإنتاجاً. هي عربية تماماً كما هو حال “باب الشمس”، وهي، بانتمائها للقضية، فلسطينية تماماً، فالفنون الفلسطينية، كما كانت دائماً، تتخطى الفلسطينيين. أما مكانة الفيلم في عموم المسيرة هذه، فهي في كونه الأفضل شكلاً ومضموناً باعتباره عملاً سينمائياً متكاملاً، وهو، فوق ذلك، ملحمي. وإن كان ذلك يعود إلى حِرفية نصرالله السينمائية، فهو يعود بالدرجة ذاتها إلى الحرفية الأدبية والفكرية والسياسية لالياس خوري، مؤلف الرواية التي أُخذ الفيلم عنها.

«يوماً ما سنخبر بعضنا بكل شيء»… تجاورات محرمة

في ألمانيا العام ١٩٩٠، مع أخبار عن توحّد البلد وعاصمتها المقسمة إلى شرقية وغربية، في ما يبدو فيلماً حول أفراد عاشوا لحظة تاريخية لبلدهم، كأنّ الشخصيات خلفية للحظة تلك، يتقدم الفيلم بإيحاءات إلى تناقضات شقَّي ألمانيا، في الشرقية كانت الجدة تخفق الكريمة وتصنعها، بعد توحد البلاد صارت تشتريها مصنّعة، تعلّق ماريا، الحفيدة، لجدتها بأن كريمتها أطيب. إيحاءات كهذه تكثر في لحظة التقاء أحد الأبناء بعائلته، وقد هرب صغيراً إلى ألمانيا الغربية للدراسة والعمل.

«تشريح السقوط»… نفي الرواية الواحدة

تتخذ الأفلام لنفسها، بحسب الموضوع، مكاناً أو زماناً محددين، يحدّان بالتالي من طبيعة التناول وتطوره، منها أفلام المَحاكم التي يحكمها مكان محدّد يحتّم تشابهاً عاماً، في السياق، لهذه الأفلام، فتكون القصة في بدايتها مقدّمة لما سيلها في قاعة المحكمة التي تستحوذ على عموم الفيلم.

«بنات ألفة»… تداخلات الشكل والموضوع

لا يمكن للانطباع الأولي تجاه فيلم «بنات ألفة» إلا أن يكون مندهشاً لشدة البؤس الذي آلت إليه شخصيات الفيلم، كأنّ أجدنا يحاول تكذيب ما شاهده تفادياً للصدمة المتشكلة تباعاً على طول الفيلم. وذلك قبل استيعابٍ لاحقٍ لما حصل، فالحديث هنا عن شخصيات واقعية لاتزال تعيش ما بدأه الفيلم من حياتها.

«النادي صفر»… مصادفات سيئة

توسّلَ الفيلم موضوعاً غير عنيف في ظاهره، وإن لم يكن كذلك في نتيجته، لتصوير حالات التطرف والمغالاة مهما كانت دوافعها. ليس الموضوع دينياً هنا في شكله المباشر، لكن المشهد الأخير، الأغنية المرفقة والإشارات إلى المسيح في كلماتها، أحالت المغالاة التي بني الفيلم قصته عليها، إلى ما هو أبعد من التطرف في رفض تناول الطعام وحسب. انتهى الفيلم بلقطة حاكت لوحة “العشاء الأخير” لليوناردو دافنشي، والمسيح جالس إلى طاولة طعام مع أتباعه. في هذا المشهد تحديداً، تقول فتاة بأن ما يحتاجه أحدنا، للقدرة على الامتناع عن الطعام، هو الإيمان.

“الصيف الفائت”… تعقيدات الرغبات والمشاعر

ترتكز أفلام الفرنسية كاترين بريّا على العلاقات الحميمة بأشكالها المحرّمة، بلقاءات أولى لعلاقة جنسية لا يجب أن تكتمل، بالمعنى الأخلاقي العام والمشترَك، وليس بالمعنى السردي، إذ أن إشكالات وربما مآسٍ شخصية ستتطور نتيجة لتلك العلاقات، في كونا عنصراً سردياً يبنى عليها الفيلم. هي مبعث ذلك البناء، هي مبرّر الفيلم في النهاية، وبخلافها ستكون الحبكة رتيبة لا طلعات فيها ولا نزلات.

«أوراق متساقطة» لآكي كاريزماكي… ارتقاء الأسلوب

من يحب سينما كاريزماكي، سيجد الفيلم إضافة جميلة أخرى في أسلوب المخرج الفنلندني ومواضيعه. هنا، ارتقى آكي كاريزماكي في الأسلوب والموضوع الأثيرين لديه، في دمج استثنائي، وصار بصمة له، بين الرومانسي في أكثر الحالات رقة، والاجتماعي في أكثرها هشاشة. وجدنا ذلك في أفلام سابقة له هي Shadows in Paradise (١٩٨٦) و Ariel (١٩٨٨) و The Match Factory Girl (١٩٩٠). أتى كاريزماكي، أحد أجمل المخرجين الأحياء، برابعٍ لهذه الثلاثية، إلى المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي.

«مدينة آسترويد» لويس أندرسون… تلوين بالملل

ينغمس الأمريكي ويس أندرسون في شكل فيلمه، ينسى القصة والشخصيات ويُتبعها كلها بما يريد تصويره، كأنه يصنع سيركاً لا فيلماً. يمكن أن يكون ذلك جذاباً في بداياته إنّما تفشى الملل في أفلامه رويداً رويداً، إلى أن وصلها أخيراً في فيلمه المنافس في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، «مدينة آسترويد».

«مخطوف» لماركو بيلوكيو… تراجيديا الفاتيكان

الفيلم تراجيدي تماماً، بالمعنى المسرحي الإغريقي حيث تنال الشخصية الرئيسية حتفها مهما حاولت تفاديه على طول المسرحية/الفيلم، لارتكابات “لاأخلاقية” تسببت بالعقاب الرباني الحتمي. لكن كيف يكون ذلك في فيلم نالت الشخصية الرئيسية فيه ما أرادته، بالنهاية؟

“الحب والغابات”… حيث تفترق بدايات الحب عن نهاياته

يبدأ الفيلم بامرأة تلتقي صدفةً برجل في بار عزمتها إليه أختها كي تلتقي بأحدهم حضّرته الأخت لها، تلتقي الأولى، بْلانش، صدفةً بآخرَ لتبدأ العلاقة معه وبالتالي قصّة الفيلم. هذا استهلال عادي للسينما، حيث تلعب الصّدف دوراً في تشكيل مآلات الشخصيات ومساراتها. أما ما يجعل القصة، وبالتالي نسبياً، الفيلم، مثيراً للاهتمام فهو طبيعة التناول لما سيأتي لاحقاً. أي المسار والمآل.

«شمس المستقبل» لناني موريتي… نهايات سينمائية

عبر مسيرته الطويلة،  أوجد الإيطالي ناني موريتي أسلوباً خاصاً به، شيء من الكوميديا الإيطالية بأسلوب الفيلم الفني الأوروبي، مستمداً من تراث السينما الإيطالية ما بعد “الواقعية الجديدة”، فلّيني تحديداً، أساساً لما سيصير لاحقاً سينما ناني موريتي، وبـ “وودي ألِن” ـيّة ألصقت الأسلوب بصانعه، فحضور موريتي ممثلاً رئيسياً في أفلامه جعله، بملامح وجهه وطريقة كلامه، عنصراً مكوناً لهذا الأسلوب، كما هو الحال مع ألِن الذي فقدت أفلامه خلال العقدين الأخيرين سمة أساسية من أسلوبها حين توقف عن التمثيل فيها. والاثنان يشتركان في النّق الساخر في أفلامهما.

«أيام مثالية» لفيم فيندرز… فيلم كالقصيدة

حين يشاهد أحدنا فيلماً، منبهراً بكل لقطة فيه، وتخرج منه كلمة واحدة هي “تحفة”، لا تهم كثيراً التبريرات لهذا الحكم، ستشكّل نفسها بنفسها. في الأعمال الفنية العالية، التحف كما هو حال «أيام مثالية» للألماني فيم فيندرز، يكون على أحدنا البحث عن مبررات تلائم الحكم التلقائي. التحف لا تخطئها العين.

“عن الأعشاب الجافة” لنوري جيلان… تكريس الأسلوب بثرثراته

استطاع المخرج التركي نوري بيلجي جيلان أن يشقّ لنفسه أسلوباً سينمائياً خاصاً، ليس بالإلحاح عليه في أفلام متتالية وحسب، بل بتمكينه وتكريسه ضمن سينما ممتازة وإن لم تخلُ من مشاكل. هي أقرب لتكون سينما ما بين الإيرانية، وهذه الأخيرة متمايزة شكلاً وموضوعاً، والأوروبية، وهو ما يمَوقع تركيا ثقافياً عموماً وسينمائياً خصوصاً، بين الشرق والغرب. نذكر هنا روايات التركي النوبليّ أورهان باموك، الذي قارب ما بين المجتمع المشرقي المسلم من ناحية، والنزعة الأوروبية المستحدثة من ناحية أخرى. نرى ذلك في السينما التركية بشكلها الراهن والتي يمكن لأفلام جيلان أن تختصرها.

“ممرات”… ارتباكات العلاقات وسلاسة نقلها

تكثر الأفلام المتناولة لتعقيدات العلاقات فيما تحبّ تقديمات الموزعين وكتابات النقّاد تسميتها بالعلاقة الثلاثية، بمعزل عن طبيعة العلاقات الماثلة بين ثلاثة شخصيات في الفيلم، وهو ما لا يصح القول فيها إنها ثلاثية، كأن تنهي امرأة علاقة بأحدهم لتبدأ بأخرى، تكون مع رجل أو امرأة، تكون أو يكون على علاقة ما مع الأول، ومنفصلة في طبيعتها عن العلاقة ما بين الأول والمرأة. السينما الأوروبية تخوض جيداً في مواضيع كهذه.

“أن أمشي على جرحي… وأُقاوم”: الحكم العسكري في السينما الفلسطينية

نشر البحث في مجلة “قضايا إسرائيلية” (العدد ٩٠، صيف ٢٠٢٣) الصادرة عن “مركز مدار” في رام الله. أدناه أنشر المقدمة، ويمكن قراءة البحث كاملاً هنا… مقدمة لا تبتعد السينما الفلسطينية في موضوعاتها، عموماً، عن مساحة الأمان في تصوير قصّة فلسطينية، والمساحة هذه هي الراهن، الآن هنا. “الآن” محدودة جداً ومتماهية مع زمن صناعة الفيلم، و”هنا” يحكمها أمر واقع ومحدودية سياسية إما حصرته في مدن الضفة أو مرّت بها كضرورة لـ “تثبيت فلسطينية” الفيلم. هنالك دائماً استثناءات، وهي كالعادة دليلٌ على القاعدة. وبما أن الحديث هنا عن عموم موضوعات هذه السينما، يسهل استحضار أمثلة تكون الاستثناء المقصود، تعطي تنويعاً لكن يبقى محدوداً في أو محيلاً إلى مكان ما في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أي “فلسطين” كما قرّرتها علاقات القوة في العالم التي خضع لها الفلسطينيون ووقّعت بحكمها منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقيات تنازلية.

“نجوم في الظهيرة” لكلير دوني… التفاف الفيلم على بطلته

أخرجت الفرنسية كلير دوني العام الماضي فيلمين، واحد في مهرجان برلين السينمائي نالت عنه جائزة أفضل إخراج، هو “مع الحب والشراسة”، نزل إلى الصالات الفرنسية وتناولتُه في مقالة وقتها (“القدس العربي 4/10/ 2022). الثاني في مهرجان كان السينمائي العام الماضي، ونالت عنه الجائزة الكبرى، هو “نجوم في الظهيرة”. وقد يكون التوزيع سبباً في انتظار الثاني، موضوعنا هنا، لعام كامل كي ينزل إلى الصالات الفرنسية.

ما لم يقدّمه معهد العالم العربي إلى فلسطين

النظر إلى الحدث الذي استضافه معهد العالم العربي في باريس، بعنوان “ما تقدّمه فلسطين إلى العالم” يكون من زاويتين: الأولى (تُحسَب له) في ضرورة أن تحضر فلسطين من خلال معارض وفعاليات موازية في قلب باريس، ما يصعب توقّعه من قبل مؤسسات ثقافية أخرى وكبرى في العاصمة الفرنسية. الثانية (تُحسَب عليه) في تواضع الحدث، كمّاً ونوعاً، أمام ما “يقدّمه المعهد إلى العالم”، أو مقابل الأحداث الفنية والثقافية الأخرى في المعهد. قد يكون أحدثها إحياء “عيد الموسيقى” أياماً بعد إطلاق الحدث المتواضع عمّا تقدمه فلسطين إلى العالم، واضعاً هذا “التقديم”، في النهاية، بصيغة التقليل من فلسطين وعموم إنتاجها الثقافي والفني.

“فأل”… الخرافات بلسان أهلها

تنقل السينما عموماً وجهة نظر صانع الفيلم تجاه موضوعه. وفي عموم التقابل الثقافي، أو الصدمة الثقافية بين شخصيتين، واحدة من إفريقيا والأخرى من أوروبا مثلاً، تُنقل وجهات نظر تكرّست مع الزمن لمرجعيات صانع الفيلم الغربية في عمومها. في فيلمنا هذا، اختلف الأمر قليلاً، وقصته تدور حول رجل إفريقي من الكونغو يعيش في بروكسل، يعود إلى بلده في زيارة مع صديقته البلجيكية البيضاء، لتدخل معه متاهة عادات شعبية وخرافات عتيقة. هذا كله كان هنا، وهو ما ميز الفيلم، من وجهة نظر أبعد عن أن تكون أوروبية.

“إنها تمطر في البيت”… ماء وسماء وأفق مغلق

بالكاد تسمح أفلام المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي، ببعض الوقت للكتابة تعليقاً عليها، أو على ما أمكن مشاهدته منها، خلال فترة المهرجان، لتبقى الأيام التالية، من بعده، وضمن عروض تختلف أسباب إتاحتها وأشكالها، مفتوحة على غيرها من الأفلام التي مرت في تظاهرات أقل أهمية ورسمية، إنّما فيها قد تكمن إبداعات سينمائية يمكن أن تتخطى بعض أفلام المسابقة الرسمية أو معظمها. ومعروف أن الأفلام التي لا تجد مكاناً لها في المسابقة هذه، تندرج في غيرها وهي “نظرة ما” كمسابقة رسمية ثانوية، والتظاهرات الموازية غير الرسمية للمهرجان وهي “أسبوعا السينمائيِّين” و”أسبوع النقد” و”أسيد”.

متى يكون الفيلم نضالياً؟

لا يمكن للقارئ في مقالات وبحوث عن السينما الفلسطينية، إلا ملاحظة إسقاطات متكررة، وبأثر رجعي، مصوّبة إلى سينما الثورة التي تأسّست تدريجياً أواخر الستينيات. ويكون ذلك عموماً في حديث عن السينما اللاحقة التي بدأت مع ميشيل خليفي في الثمانينيات تحديداً، فيُقال إن أفلام الثورة، مقابل وثائقيات خليفي وروائياته، كانت، بالمقارنة، دعائية تفتقد الحسّ الإنساني. مرّت معي هذه الإسقاطات القاصرة عن فهم معنى كلٍّ من أفلام الثورة وأفلام خليفي، في أكثر من مقالة وكتاب ولأكثر من ناقد وكاتب جهلتْ نصوصُهم طبيعة الفيلم النضالي، أو تجاهلتْها، أو أخذت أصحابَها الحماسةُ تجاه أفلام خليفي وآخرين من بعده. وهو ما أحال ملاحظةَ هذا المرور لإسقاطاتٍ هنا وهناك، إلى ضرورة النقاش، لتصحيح صورة هذه الأفلام وتلك، أفلام الثورة وأفلام اللاحقين، وتصحيح تصوّر قرّاء تلك الإسقاطات، وكتّابها إن كان لا بد من ذلك، حول نوع الفيلم النضالي.

«غودار، وحدها السينما»: الفيلم بصفته يوتوبيا

“ما هي السينما؟ لا شيء. ما الذي تريده؟ كل شيء. ما الذي تستطيعه؟ بضعة أشياء.” هذه العبارة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، والتي تختم الوثائقي «غودار، وحدها السينما»، يمكن أن تلخّص مفهومه للسينما، في كونها لا شيء محدّد وبالتالي هي محاولات لانهائية للتجريب، تماماً كما بدأها في “الموجة الجديدة” وكما استمرّ بالخوض في أشكال ومضامين مألوفة ومألَّفة، في كونها دائمة التشكّل والتغيّر والتأقلم، هي لا شيء محدد. وفي كون السينما راغبة بكل شيء، ودائماً بمفهوم غودار، منفتحة على أنواع الفنون كلّها، شاملةً إياها، وعلى التاريخ والسياسة والاجتماع، في كونها عملاً فنياً وتحريضياً في الوقت عينه، وكما كانت دائماً لدى غودار. وفي كون السينما، أخيراً، مكتفية بتحقيق بضعة أشياء تبقى ضئيلة بالمقارنة مع ما تريده، فلا تكون الغاية في ما ستحققه السينما لاحقاً، بل في احتمالية ذلك، في الإعتقاد به، وفي الآمال والأحلام، حالَها، والحديث عن السينما العالِية، من حال الأعمال الفنية الأخرى، العالِية.

الثقافة السينمائية الفلسطينية بلغة أصحابها

في حديث لا ينتهي حول الثقافي والمعرفي في السينما الفلسطينية، تستدعيه أفلام طويلة وقصيرة، روائية ووثائقية، تشي بجفاف سينمائي فيها، تغطّيها تقنيات بصرية لا تحتاج ثقافة ولا فناً، مكتفية بتدريب تقني على استخدام آلة لا روح فيها ما لم تُبث من قبل مستخدمها، أما مبعث البث فلا يكون سوي الثقافة السينمائية الذاهبة أفقياً في سينما العالم، وعمودياً في السينما الوطنية. في حديث كهذا، يصفّ أحدنا مصادر المعرفة أمامه ليجد محدوديةً في كمّها بالإنكليزية، وكمّها ونوعها بالعربية.

عن الثقافة السينمائية الفلسطينية قبل الصّناعة

بمتابعة مسيرة السينما الفلسطينية، في أي مرحلة كانت ولأي نوع من هذه السينما، سنجد أن كمّ الأفلام في تزايدٍ واضح، تحديداً الروائية الطويلة التي تتطلب عملاً قد يصل لعشر سنوات من الكتابة حتى الإنتاج ثم التوزيع. بتقسيم هذه السينما إلى عقود، سنجد أن كل عقد يفوق سابقه في كمّ الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، وإن لم يكن لذلك علاقة بجودة الإنتاج من عدمها، لكن كثرة الإنتاج، وإن تتسبّب بتكريسِ نمطيّاتٍ في هذه السينما، فإنّها قد تتسبّب كذلك بزيادة احتمال خروج فيلمٍ ممتاز متخللاً الكثير من العادي والرديء. بكل الأحوال، كثرة الإنتاج فعلٌ ديمقراطي، والآراء الانطباعية والتحليلية والنقدية، مكتوبة ومحكية، يمكن أن تفي الفيلمَ حقه أينما كان موقعه في عموم هذه المسيرة. لكن، هنالك ما هو أبعد من هذه الآراء تستحقّه السينما التي يكاد عدد أفلامها يتضاعف بالنظر إلى كل عقد مقارنَاً بسابقه، تحديداً بعد العام ألفين وقد دخلت هذه السينما مرحلة جديدة بدأت الأفلام معها تكثر تباعاً.

“ليلة الثاني عشر”… تحقيق الرجال في مقتل نساء

يبدأ الفيلم بعبارات تشير إلى عدد حالات قتل النساء (فيميسيد) في فرنسا، وإلى أن أغلب عمليات التحقيق فيها لم تصل إلى نتيجة، وأن القصة في هذا الفيلم واحدة من تلك غير المحلولة. بذلك وضع الفيلم مُشاهده، بجرأة ومجازفة، أمام نهاية مصرَّح بها، في فيلم تحقيقات بوليسية، وهي أن التحقيق لن يفضي إلى شيء وأن الملف سيقى مفتوحاً. هو ما نقل الفيلم من حالته البوليسية التحقيقية إلى حالته الاجتماعية، محولاً المضمون وثقله، من: من هو القاتل؟ إلى: لمَ هي الضحية؟

«أميرة» لمحمد دياب… الفيلم كمزحةٍ سمجة

في سياقٍ سياسي واجتماعي، حيث الحالة في أشدّها توتّراً، كما في فلسطين وأي موقعٍ لحرب أو احتلال، تكثر القصص الإنسانية، تلك التي تحتمل تطرّفات في الحبكة وانعطافاتٍ يصعب تفادي جاذبيّتها عند المؤلفين، في السينما تحديداً حيث إنشاءاتٍ استعمارية مصوَّرة تكون احتمالاً لقيمة بصرية إضافية توازي القصة غير العادية في ظرفها غير العادي، في هذا كله، يمكن لعمل سينمائي أن يُنجَز بعناصر جاهزة في ترجيح العمل ليكون عالياً، فنياً وسردياً.

“امبراطورية النور” لسام ميندز… السحر في صالة السينما

في فيلمه الأخير، عاد المخرج البريطاني سام ميندز إلى أول أفلامه، أو ما يمكن اعتباره بداية مسيرته السينمائية، “جمال أمريكي” (١٩٩٩) حيث يُبنى الفيلم على نفسيات شخصياته، وتحديداً عزلتهم واضطراب نفسي يعيشونه. وقد فصلت بين الفيلمين أفلام عديدة كانت على الطرف الآخر في نوعها السينمائي، أفلام جيمس بوند وحروب وحركة، أهمها بعنوان “١٩١٧” الذي يحكي عن الحرب العالمية الأولى ونال عام ٢٠١٩ جوائز ونجاحات.

“آل الفيبلمان” لسبيلبرغ… السينما كتقليدٍ هوليوودي

يمكن القول إن ستيفن سبيلبرغ من بين المخرجين السينمائيين الراهنين الأكثر “نجاحاً” بالمعايير الهوليوودية المدرسيّة والتقليدية، والنجاح لا تعني الأفضل، لكن سبيلبيرغ راكم أفلاماً كثيرة كانت علامات في مسيرة السينما الهوليوودية، علامات لأنها مخلصة لطبيعة الصناعة الهوليوودية، منذ فيلمه الأول عام 1975، الذي صنع اسمه، Jaws الذي يُعتبر نموذجاً لكيفية صناعة الفيلم الهوليوودي، وبمسيرة طويلة كانت أساسية في رسم شكل الفيلم الهوليوودي ومضمونه. بكل ذلك، وبتراكم طويل زمانياً وعديد فيلمياً، ولكونه لاحقاً صاحب واحدة من أهم شركات الإنتاج في هوليوود، وهؤلاء هناك أهمُّ من المخرجين، كبر اسمُ سبيلبرغ وصار منذ سنوات أهم من عناوين أفلامه.

“الابنة الأبدية”… تيلدا سوينتون في براعة مضاعفة

يضع الفيلمُ مشاهديه في شروط فيلم الرعب من المشهد الأول، في سيارة تتجه ليلاً، في الصقيع، إلى فندق مهجور في منطقة معزولة. امرأتان في سيارة تاكسي يحكي لهما السائق عن امرأة ظهرت في صورة من خلف نافذة في الفندق ولذلك يتجنبه، وكانت شبحاً. هذا التقديم الكلامي والبصري للفيلم، يضعه ضمن شروط فيلم الرعب المبني على عناصر يعرفها مشاهد هذه الأفلام، من العتمة والبيت المهجور المسكون إلى أشباح وأصوات غريبة. وأكمل الفيلم في هذه الشروط إلى آخره، ما يمكن أن يجعله فيلم رعب عادي آخر أفضل ما فيه يكون تمثيل تيلدا سوينتون، ما يمكن أن يبرر مشاهدته. لكنه، الفيلم، كان في مكان آخر.

“بعد الشمس”…  كأنّ أحدنا يقلّب ألبوماً عائلياً

إن كان لا بد من تسمية اكتشافٍ سينمائي للعام الماضي، فسيكون هذا الفيلم. هو الأول لمخرجته الاسكتلندية شارلوت ويلز، شارك في مهرجان كان السينمائي، على هامشه، في تظاهرة “أسبوع النقّاد”. ومن بعد العرض الأول بدأ ينال اهتماماً نقدياً وصل أخيراً إلى تسميته من قبل مجلّات وصحف منها “سايت & ساوند” و”الغارديان” و”إندي واير” بأفضل أفلام العام. فيلم هو الأول لمخرجته الشابة، مغامر في شكله، شديد الحميمية، ولم يُفتَتح في أيٍّ من المشاركات الرسمية والأولى في المهرجانات الكبرى. التقدير الأساسي للفيلم كان نقدياً ومن هنا، من النقد، استحقّ الفيلمُ الاحتفاء اللاحق.