لبدايات الأفلام أحاديث تطول، هي مجالات دراسة لا تنتهي أمثلتُها في الأفلام الممتازة. الكلاسيكي منها يعطي لقطات بانورامية للجغرافيا، غير التقليدي منها ينطلق -بالعكس- من التفاصيل، من الضيّق إلى الواسع، بعضها يبدأ بحادثة لاحقة ثم يعود بنا، بالزمن، ليوصلنا إليها، بعضها يبدأ بسرد ممهد لما سنشاهده، وغيرها من البدايات التي يمكن أن تُوحي، مبدئياً، بجودة الفيلم الذي سيمضي أحدنا وقتاً معتبَراً أمامه. اقرأ المزيد
هنالك دائماً الكثير لقوله عن مارتن سكورسيزي، فهو نموذج خاص من المخرجين، هو أولاً صانع أفلام ممتازة إخراجياً وسردياً، غالباً ما ينال تقديراً نقدياً عالياً. هو ثانياً صاحب أفلام بجماهيرية عالية، ونعرف أن لسكورسيزي ثقافة سينمائية تسمح له بتملّك تلك الوصفة الجامعة بين النقدي والجماهيري، أذكّر هنا بالوثائقيين (كمثالين سريعين) الذين أخرجهما: «رحلة شخصية مع مارتن سكورسيزي عبر السينما الأمريكية»، ١٩٩٥، و«رحلتي إلى إيطاليا»، ١٩٩٩). واستطاع، إضافة إلى ذلك، أن يكون أحد أسياد نوع من أنواع السينما، وهو المافيا.
هي مهمّة شاقة أن يختار أحدنا الأفلام المفضّلة لديه خلال العام الواحد، وهذه جردة تقوم بها الصحافة السينمائية عموماً، لكن جردة أخرى أشدّ صعوبة (بعشرة أضعاف؟) هي اختيار الأفلام الأفضل خلال عقد من الزمان. أي في عُشر القرن. أي أن أحدها قد يكون في لائحة “أفضل الأفلام في القرن”، وهذا كلام كبير يُفضّل عدم الخوض فيه، خاصة إن تحدثنا عن اختيارات لشخص واحد، ذوقٍ واحد، وليس محصّلة آراء نقّاد كثر. لكنّي باطّلاعي المتأنّي على ما أحببت من أفلام نزلت إلى الصالات خلال هذا العقد، التي شاهدتها طبعاً، لم أستطع مقاومة عدم الإخبار بأنّها، هذه تحديداً، أحببتها أكثر من غيرها، فأقترح بذلك مشاهدتها، ببساطة. اقرأ المزيد
نقطة القوة في هذا الفيلم، وهي ما قد يعتبره البعض نقطة ضعف، هو جمعه بين الجماهيرية والنخبوية، فلاالأولى تدين الأخيرة ولا الأخيرة تحيّد الأولى، هنا. ولهذا السبب، غالباً، استطاع الفيلم أن يجمع بين أقصى التناقضات في الرأي حوله، وإن كنتُ -بعد- لا أفهم جيداً الآراء الحادة في سلبيتها تجاهه، فهو، وإن احتوى عنصراً أساسياً كان محبِطاً نوعاً ما، هو -مع ذلك- من تلك الأفلام الهامة التي يتخابط الناس في الرأي حولها فتنال تقييمات متطرفة في سلبيتها تجاهه، ليصير، بعد أعوام، فيلماً مرجعياً فنّياً، كحال أفلامٍ أشيرُ إليها في نهاية المقالة. اقرأ المزيد
ليس البريطاني ألفرد هيتشكوك من المخرجين المفضّلين لديّ، قد لا يخطر لي اسمه إن فكّرت الآن -مثلاً- بعشرة سينمائيين أحبهم. وليست أفلامه من تلك التي أبحث عنها بين وقت وآخر. لكن لا يعني ذلك أن ليس لهيتشكوك مكانة “المخرج العظيم” في تاريخ السينما، ولأفلامه المراتب الأولى في “أعظم” الأفلام في تاريخ السينما. المسألة هنا ذوقية تماماً، لا يلغي ذوقٌ الآخر. اقرأ المزيد
في فلسطين حديث عن السينما، حراك سينمائي جدير بالتوقف عنده، أفلاماً ومهرجانات. وفي فلسطين كذلك حديث عن الحياة والحقوق الجنسانية والجندرية، أنشطةً ومؤسسات. في الحديثين هنالك الأفراد، المنشّطون، الفنانون، العاملون في أحد الشأنين، على حدةٍ أو في كليهما مدموجين. وكل من الشأنين لا يقل، فلسطينياً، أهميةً عن الآخر. الأول فنّي والآخر حقوقي، يجمعهما علوّ الصّوت في تلك الأحاديث في السنوات الأخيرة، وهو المرجوّ والمأمول دائماً. صار للعمل السينمائي الفلسطيني صوته العالي، وصار كذلك للعمل الحقوقي الجنساني صوته العالي.
الحديث عن أفلام لحقت بمسلسلات تلفزيونية، قد يطول إن لم نشترط بأن يشمل الحديثُ الأعمالَ الجيدة، وذلك لوفرة الترفيهية السطحية من المسلسلات التي -لنجاحها لذلك- يقرر القائمون عليها إنتاج فيلم يستفيد من “جماهيرية” المسلسل. لذلك، سيكون المثل الذي أتخذه هنا، في الحديث عن فيلم «إل كامينو» (الطريق)، وهو الفيلم الختامي لمسلسل «بريكنغ باد»، سيكون مسلسل وفيلم «توين بيكس»، للأمريكي ديفيد لينش.
في عالم السينما، يوجد نوعان من المخرجين الكبار: من ينوّع في مجالات أفلامه، فيُخرج التاريخي والسيكولوجي والحربي والرومانسي والتشويقي وغيره، الأمثلة الأنسب لذلك هي ستانلي كوبريك ومارتن سكورسيزي وفرانسيس فورد كوبولا. النوع الآخر هو أن يكوّن المخرجُ عالمه، أن يكون صاحب مشروع فتحوم أفلامه بعمومها حول موضوع واحد أو مواضيع متقاربة، فتكون لها أجواؤها ومواضيعها وشخصياتها المتقاربة. الأمثلة من المخرجين الكبار على ذلك كثيرة، منها ألفرد هيتشكوك وفيدريكو فليني ولوي بونويل وآخرين كثر، فمعظم أهم المخرجين يبنون عالماً من خلال أفلامهم، عالماً واحداً تتلام فيه أفلامهم، من بين هؤلاء البريطاني كين لوتش الذي نزل فيلمه الأخير إلى الصالات الفرنسية مؤخراً، بعدما شارك في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي.
يُسعَد أحدنا، نحن محبّي السينما، حين يسمع تصريحاً من من أحد أهم المخرجين في العالم اليوم، مارتن سكورسيزي، يقول إن أفلام “مارفيل” ليست سينما. يُسعَد أكثر حين يسمع تأييداً، بل وذهاباً أبعد في الانتقاد، من أحدٍ آخر من أهم المخرجين هو فرانسيس فورد كوبولا. ولا يزال يستطيع أن يُسعَد -أحدنا- أكثر حين يسمع تصريحاً موازياً كذلك لأحد آخر -كذلك- من أهم المخرجين، هو كين لوتش.
كثيراً ما تُحال الأفلام في زمننا الراهن، إلى أفلام سابقة، قديمة، يختلف مدى قدمها، قد يكتفي بخمسين وستّين عاماً في الحالة الفلسطينية، ويمتد إلى مئة عام في أخرى في العالم. والحديث هنا عن أفلام سابقة من البلد ذاته، حيث الثقافة والاجتماع والسياق هي ذاتها التي تجمع أبناء البلد الواحد. هنالك طبعاً تأثيرات عابرة للحدود هي -أكثر- فنية وتقنية وأحياناً سياسية.
يمكن أن نقول أن هذا المسلسل هو النسخة التلفزيونية من الفيلم السينمائي «العراب» للأمريكي فرانسيس فورد كوبولا، وذلك من عدة نواح متعلقة بالسيناريو وبعموم الفكرة، فنحن هنا أمام عصابة تعتمد على العائلة، نقطة قوتها هي أولاً ذكاء زعيمها وثانياً علاقاته، وليس ذلك في السلاح والرجال، أو ليس في ذلك وحسب، فهنالك عصابات أخرى تفوق “بيكي بلايندرز” في ذلك، لكن النصر أخيراً، في نهاية كل موسم، يكون لهذه العصابة/العائلة.
قد يكون هذا هو الوقت الأنسب (هي كذلك مصادفة مؤلمة) لعرض هذا الفيلم، بعد حرائق غابات الأمازون ومحو مناطق شاسعة من الغابات، حيث بيوت حيوانات برّية، وكذلك قرى لأهالي محليين. وقد قرأنا الكثير، قبل ذلك وخلاله وبعده، عن إمكانية تدبير الرئيس البرازيلي اليميني لذلك، عن مصلحة شركات رأسمالية لذلك، عن عمليات إبادة تمر بصمت تقوم بها شركات عابرة للقارات (شوكولا نوتيلا مثلاً) في إبادة نوع من الأشجار لاستخراج زيوت، هي أشجار يعيش عليها نوع من القرود في غابات الأمازون، يتعرّض، لذلك، للانقراض.
قد يصعب الحديث عن المخرج التشيلي أليخاندرو خودورفسكي، كأي حديث عن أي سينمائي، فلا هو سينمائي وحسب ولا هي أفلامه سهلة التوصيف كذلك، أو حتى المُشاهدة، إذ تتطلب مشاهدة أفلامه جهداً من نوع خاص، من ذلك الذي -مبدئياً- يتقبّل مَشاهد سريالية دون رابط حكائي واضح، فلا يسأل أحدنا: لكن أين الحكاية؟ ليس هذا تقييماً، فهنالك المنجذبون لأفلام كهذه وهنالك النافرون منها. اقرأ المزيد
نستطيع القول، اليوم، إنّ الفلسطينيين يصنعون أفلاماً تنافس عالمياً، بشكل سنوي في أكثر من مهرجان، على جوائز المسابقات الرسمية وغيرها من البرامج في مهرجانات كفينيسيا وكان وبرلين وغيرها. لا يعني ذلك أنّ هنالك ما يمكن تسميته باطمئنان بـ “السينما الفلسطينية”، لكنّي كذلك أرفض التكرار الكسول للكليشيه القائلة “إنّ هنالك أفلاماً فلسطينية ولكن ليس سينما فلسطينية”، فما كان صحيحاً يوماً ما، ينبغي الانتباه إليه، مراجعته، وعدم ترديده أو تثبيته كمسلّمة متناقلة.
لعلّ أكثر ما يميّز أفلام الختيار الأمريكي وودي ألن، هو حضور عنصر السيرذاتيّ في أفلامه غير السيرية، أي أنّه لا يكتب -غالباً- فيلماً عن أحداث عاشها، بل يؤلّف الأحداث لشخصيّات عاشها (أو عايشها)، في مراحله الزمانية المختلفة. ولا يقتصر حضوره، كوودي ألن، في شخصية رئيسية وحسب، بل يتوزّع، هذا الحضور، على الشخصيات في الفيلم، على أكثر من شخصية لأكثر من جيل، هذا هو حال فيلمه الأخير، إذ يمكن أن نرى ألن -الذي لم يعد يظهر في أفلامه كممثل- في شخصيتين: الطالب الجامعي الذي تتركه حبيبته، والمخرج السينمائي الذي يرغب بترك فيلمه وقد شارف على إنهائه.
هذا السؤال علّقه، مبروَزاً، المخرج الأمريكي بيلي ويلدر في مكتبه، ليلجأ إليه كلّما احتار أثناء كتابة سيناريوهات أفلامه، ليفكّر فيما أمكن أن يفعله المخرج الأمريكي إرنست لوبيتش في حالة كهذه، في مشهد كهذا.
يمكن الحديث مطوّلاً عن الاستعارات (أو التناصّ) بين أكثر من مخرج سينمائي، ويسهل الحديث أكثر كلّما كان أحد الطرفيين (ويكون، غالباً، كلاهما) مُخرجاً “كبيراً”. قلتُ “كلاهما” لأن المخرجين الكبار كذلك يستعيرون من كبار آخرين. لسنا أمام معادلة استعارة صغارٍ مَشاهد من كبار.
طغى الأحمرُ على جدران صالات “القصر الكبير” وسط العاصمة الفرنسية، بنوعٍ فنّي بعيد عن محتوى المعارض الفنّية والمتاحف في العاصمة الباريسية، حيث تتكرّس أسماء كبيكاسو ورينوار ومونيه وتطغى تيارات فنّية كالرومانسية والانطباعية والتكعيبية على غيرها، بما يتعلّق بالمكان الباريسي، كمركز لهؤلاء ولتلك، خلال حقبات زمانية محددة، وتحديداً خلال النصف الأول من القرن الماضي، الزمن الذي انتشر فيه، على الجانب الآخر من العالم ذاته، في موسكو، نوع جديد من الفنون بأشكال ومضامين عدّة، كان لها ما يميزها جمعياً، وإن لم تكن بمستوى فردي بارز. لهذه الفنون أقام “القصر الكبير” في باريس هذا الصيف معرضاً سمّاه “أحمر”، هي الفنون التي أتت بها الثورة البلشفية عام ١٩١٧.
تفُوق أهمّية تارانتينو ككاتب سيناريو أهمّيتَه كمخرج، وإن كان من النوع الممتاز في المجالين، وهذا تحديداً السبب في عدم ارتقاء فيلمه الأخير إلى معظم أفلامه السابقة، إذ كان أقل مستوى كتابةً، وبالمستوى المعروف عن تارانتينو إخراجاً. هنالك متعة إذن في مشاهدة الفيلم، وإن لم تكن بالمستوى المتوقّع لمُشاهد أفلام أحد أفضل مخرجي هوليوود الأحياء.
المؤلّف السينمائي الإسباني بيدرو ألمودوفار، من أولئك المخرجين الذين إمّا أن تحبّ أفلامهم (أقول “تحب” ولا أقول “عجبك”) فيزيد انجذابك إليها فيلماً بعد آخر، وإمّا أنّك حيادياً تجاهها فلا يعني لك الكثير نزول فيلم جديد له. وذلك لسبب أساسي هو أنّه يكرّس أسلوبه فيلماً بعد آخر، شكلاً ومضموناً، سرداً وتصويراً.
السينما -في أحد أوجهها- صناعة، وجزء من هذه الصناعة هو التسويق. كأي منتَج، لا يمكن للفيلم أن ينال فرصةً للتقييم، كفيلم جيّد أو لا، أو مدى ذلك، دون الوصول، دون وصوله إلىمشاهدين من خلال مهرجانات وشاشات. هذا هو حال الفيلم المكسيكي «روما» الذي توزّعه شبكة نتفليكس، وبالتلي يتلقاه أحدنا من خلال شاشة (تلفزيون، كمبيوتر، تليفون…).
يمكن لأي مسألة إنسانية أن تكون موضوعاً جيّداً لفيلم سينمائي، أو لنقل أي أزمة إنسانية راهنة، خاصة إن كان الفيلم ينقل راهنيّةً ما وبالتالي يضمن مُشاهَدة ما، فهنالك نسبة من المشاهدين تتابع ما يجري حول العالم، أو في بلدانها، وهي بشكل أو آخر معنية بالعلاقة التي تخصّها، كمواطنين في بلد ما، بهذه الأزمة أو تلك، بالتالي، يكون نقل الفيلم، أي فيلم، لأي أزمة إنسانية، جاذباً لاهتمام المشاهدين هؤلاء، ما يجعل راهنية الفيلم نقطة إضافية تُحسب له جماهيرياً (لكن الراهنية ذاتها يمكن أن تكون عبئاً على الفيلم ما لم يكن الموضوع جيّداً).
في الحديث عن الأفلام والمسلسلات، هنالك عنصر أساسي في تكوين الشخصيات والحكاية لا بد أن تسبق عناصر أساسية أخرى، هي مدى إمكانية تماهي المُشاهد مع الشخصية الرئيسية، وخاصة في الأنواع حيث هنالك تصادم واضح ومباشر قد تُبنى عليه الحكاية، بين هذه الشخصية الرئيسية وآخرين. يتجلى الصدام في أشكال عدّة، من بينها المواجهة مع أجهزة الدولة من شرطة وجيش ومخابرات. وهذا هو حال المسلسل الإسباني الذي عُرض موسمه الثالث مؤخراً على شبكة “نتفليكس”.
حصلت كارثة إنسانية يوم ٢٦ أبريل/نيسان ١٩٨٦، في أوكرانيا، في الاتحاد السوفييتي، هي انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي. كأي كارثة إنسانية يمكن نقلها فنّياً (سينما، أدب… الخ)، كان لهذه الكارثة تمثيلات فنّية عدّة، قد يكون أبرزها لدى القارئ العربي هو كتاب «صلاة تشيرنوبل» (١٩٩٧) للبيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش. اقرأ المزيد
قد تكون الخدمة الأكبر التي يمكن لأي مؤسسة أو جامعة أن تقدّمها إلى اللغة، هو معجمٌ تاريخي لهذه اللغة، يقدّم سرداً تاريخياً لتطوّر كل مفردة فيه، مع اقتباسات من آداب تلك اللغة، مأخوذة من مراحل تاريخية متعاقبة، متسلسلة. ولا بد لفيلم أراد تناول موضوع كهذا، أي تأليف معجم تاريخي، أن يركّز على عناصر دارمية، غير اعتيادية، يُدخلها أو يسلّط الضوء عليها في حال كانت من صلب الموضوع أو الحكاية، وهذا حال”المجنون” في هذا الفيلم، أو دوره في تأليف المعجم.
لا بد بدايةً من توضيح بعض ما في العنوان: بونويل هو لوي بونويل، المخرج الإسباني السريالي وأحد أبرز السينمائيين في القرن الماضي، و«العصر الذهبي» هو عنوان فيلمه الثاني في مسيرته. ففيلمنا هذا، الأنيميشن (الرسوم المتحركة)، يصوّر فترة قصيرة من حياة بونويل ما بعد فيلمه «العصر الذهبي» الذي كان فضيحة لجرأته بالمشاهد الجنسية ولتوجهّه السياسي، إذ اتّهم بونويل بالشيوعية، وأساساً لعموم الشغل “البونويليّ”، في هذا الفيلم كذلك، وما فيه من سريالية صادمة لمدّعي الأخلاق والبرجوازية من الفرنسيين، وما فيه، لذلك، من نقد لاذع لهؤلاء.
قد يكون فيلم ما معنيّاً بحالة إنسانية، من خلالها ينقل الصراع الطبقي ضمن حكاية وشخصيات محدودة، وهذه حالة فيلم السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي في دورة العام الماضي، الفيلم الياباني «مسألة عائلية». نال الآسيويون هذا العام كذلك السعفة الذهبية، إنّما بفيلم «باراسيت» (طفيلي) للكوري الجنوبي بونغ جون هو، وهو كذلك فيلم معني بحالة إنسانية، من خلالها يظهر الصراع الطبقي في أشدّ حالاته احتداماً، بتقابل مباشر بين عائلتين، غنية وفقيرة، إنّما، الجديد هنا هو إدراج ذلك ضمن سياق فيلم جريمة بلمسات رعب سيكولوجي كانت ضرورية ليصل الاحتدام إلى أقصاه وبالتالي مبتغاه كفيلم سينما تتطوّر الأحداث فيه إلى لحظة السّقوط.
كأنّه، المخرج الأمريكي جيم جارموش، أراد أن يقول بفيلمه الأخير، أن لا يُخرج أحدٌ فيلماً عن الزومبي من بعدي. إذ لم يكنفيلمه فيلمَ زومبي (أي الموتى الأحياء) وحسب، بل، كان “ميتا-فيلم” عن الزومبي، كان فيلم زومي عن أفلام الزومي، وكان، كذلك وبذلك، فيلماً عن واقعنا، عن الكوكب، عن التغيّرات المناخية، عن الرأسمالية والاستهلاك، كأنّه أراد أن يُخرج أموات الزومبي من الفيلم إلى واقع مشاهدي الفيلم.
قد يخطر على بال أحدنا متى سمع عبارتين تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين، هما “السينما المستقلة” و”الأمريكية”، يخطر اسم جون كازافيتس (١٩٢٩-١٩٨٩) قبل غيره، وهو الذي تميّزبأفلام لها روحيّة واحدة، بمعنى يمكن من مشهد واحد، اختير عشوائياً للمُشاهدة، القول إنّه من فيلم لكازافيتس، كان على معرفة مسبقة بالفيلم أم لم يكن. يكفي أن يشاهد أحدنا واحداً من بين أفلامه، الممتازة منها لنقل، ليدرك أسلوبه المُعمَّم على باقي أفلامه، تماماً كما هو الحال مع فان غوخ أو موديلياني أو شيله أو أي فنان عظيم.
لا للوهلة الأولى، ولا العاشرة، تبدو الكتابة عن فيلم لإيليا سليمان سهلة، تحديداً الآن وقد عُرض فيلمه الأخير «إن شئت كما في السماء» في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” وصار بالإمكان الكتابة، أو محاولة ذلك، عنه.
قد يتذكّر أحدنا تلك اللقطات في فيلم «ويكِند» (١٩٦٧) للفرنسي جان لوك غودار، حيث نشاهد سيّارة على الطريق العام، تخرج عن الطريق، تسير على الحشائش متخطية خطّ السيّارات الطويل العالق، فتخرج الصّورةُ عن الكادر، متعمّداً بذلك -غودار- أن يُخرج الصورة عن مكانها وليس السيارة فقط عن مسارها. وهذا ترميز لعموم الشغل “الغوداريّ” في السينما، إذ لطالما كان خارج الإطار، خارج المسار العام، خارج المألوف، أسلوباً وموضوعاً، وغودار الاسم الأبرز في “الموجة الجديدة” الفرنسية التي كانت حركة ثورية في مسار السينما العام في العالم.