1
اكتب تعليقُا

ثلاثة أفلام فلسطينية من سوء حظ مشاهديها

في الأعوام الأخيرة، أمكن ملاحظة ارتفاع منسوب الأعمال السينمائية الفلسطينية على اختلاف أشكالها، ارتفاع نوعي وكمي، وإن كان النوعي منها ملاحَظ بشدة، بحيث طغى الحديث عن أمثلتها عليه عن غيرها، مما شمله المنسوب الكمّي، فإن للكمّ في الإنتاج الفيلميّ الفلسطيني مساحة مستحَقة للتناول، بغض النظر عن مستوى الأعمال التي شملها الكمّ واستثناها النوع.

إن كان للعام ٢٠٢٥، حالة خاصة في إنجازات سينمائية فلسطينية، لأفلام طويلة وقصيرة، فإنه، العام، شهد كذلك محاولات فيلميّة تفاوتت في تواضعها، أختار منها هنا، سريعاً، ٣ أعمال متفاوتة في أشكالها: الوثائقي الطويل “مع حسين في غزة” لكمال الجعفري، التجريبي القصير “تشريح السيطرة” لمحمود الحاج، الروائي القصير “مهدد بالانقراض” لسعيد زاغة.

هذه نماذج ثلاثة لما أمكن، بقليل من الحظ، تفاديه في السينما الفلسطينية، ولكلٍّ مسوّغاته.

في “مع حسين في غزة”، يواصل كمال الجعفري النمط الذي يصنع به أفلاماً، متكئاً على “فلسطينية” الموضوع، بخطابية سياسياً، وارتجالية سينمائياً. بتعجّل في طرح موضوع غزّي تشي به، التعجّل، رداءةُ العمل حتى بالمقارنة مع الأفلام الأخيرة للجعفري، متواضعة المستوى بدورها. في عموم أفلامه اتكاء ثقيل على اسم فلسطين. هنا، في الأخير، اتكاء غليظ على اسم غزّة، ليكون الفيلم استثماراً لا لمَشاهد أرشيفية أُلصقت معاً لتصير فيلماً، بل لاسم غزة “الرّابح” كيفما حلّ، فتتلطّى من خلفه أعمال يغطي هذا الاسم الناصع في العنوان والموضوع، “غزة”، على رثاثة في تلك الأعمال.

الفيلم مبني على مَشاهد أرشيفية لصانع الفيلم خلال زيارة له إلى قطاع غزة عام ٢٠٠١، محاولاً، الفيلمُ، تقديم شهادة من القطاع في زمن سابق، متعجّلاً في نعْيه، في عزّ الحرب عليه، بتقديم شهادة لما كان عليه القطاع ولم يعُد. الرداءة في الفيلم كانت في تنفيذه، لا فكرته، إذ يمكن للمَشاهد الأرشيفية أن تكون اكتشافاً ثميناً إن أُحسن القصُّ منها. ما كان في الفيلم هو اللصق أكثر منه القص. أمكن للفيلم الطويل نسبياً والمصاب بالإطناب، بمدة ساعتين إلا ربع، بمَشاهده الممطوطة التي لا تغذي سوى الفضول بما كان موجوداً وتدمَّر، كأن الفيلم استثمار لذلك الدمار، أمكن للفيلم أن يتخلى عن كثير من مَشاهده فلا تكون الرداءة مفرودة على مساحة واسعة، وتكون أكثر قبولاً أو تفهّماً. لا نرى ما يثير اهتماماً في الفيلم على طوله، سوى مَشاهد ناعيةٍ للقطاع، بشكل مفتعَل، بسردية رخوة أساسها التعجّل، بمعنى أن أياً يكن عن غزة، فليُصنَع في حينه، سريعاً، وإلا لما كان للفيلم قيمة خارج السياق الراهن واللاحق للحرب الإبادية على غزة. الفيلم استثمار سينمائي يصل حد الانتهازية في مقاربة الحرب الإبادية على غزة، بمَشاهد شديدة الطول والفراغ والرثاثة.

ليست الحال أفضل في الفيلمين القصيرين، بل مؤسف لكوننا أمام مثالين استهلاليين. إن كان كمال الجعفري قد أنجز عدة أفلام طويلة وضعت لنفسها سقفاً يصعب توقُّع علوَّ أعمالٍ تالية له عنها، بمعنى أن هذه أفلامه وهذا سقفها وانتهينا، فإن أعماله الأولى كانت باحتمالات تبعث على تفاؤلٍ قُضي عليه في أفلامه الثلاثة الأخيرة.

هنا، في الفيلمين التاليين، “تشريح السيطرة” لمحمود الحاج و”مهدد بالانقراض” لسعيد زاغة، أعمال أولى لكنها خالية من احتمالات تفاؤلية. فالأول لا يعدو كونه مَشاهد تُقدِّم عنف الاحتلال الإسرائيلي على أشكاله، التكنولوجية منها تحديداً وعند الحواجز، مرفقاً بنصّ يقرأه الحاج معلّقاً على ما نراه. أسلوب كهذا أمكن له أن يأسر المُشاهد، السامع والناظر، بلقطاتٍ لا تزيح عنها العين وتعليقاتٍ موزونة كلمة كلمة، تحديداً في فيلم قصير. لكننا أمام سماجة في السرد هنا، صوراً وكلاماً، وهذا الإسهاب غير المبرَّر، كارثي في فيلم قصير. هو كذلك في الفيلم الطويل أعلاه لِما يسبّبه من تراكم بلادةٍ حدّ إرهاق المُشاهَدة، لكن الحشو في الفيلم القصير يكون أشد ظهوراً، الإطناب فيه أشد فضحاً، لصقٌ للصور وصفٌّ للكلام، أيّ شيء، ورصُّها بعضها إلى بعضها الآخر ليسعها فيلم تقل مدّته عن ثلث ساعة.

الأفلام الثلاثة أمثلة فلسطينية مؤسفة على الركاكة السينمائية. بقليل من الصبر، أو بكثير منه، يمكن، في أي فيلم طويل، تقبّل التكرار غير المجدِّد في السرد، فيقول أحدنا إنه بطيء، ممل وحسب وهذا ليس كارثياً، وإنه على الأقل يحكي عن غزة فيستحق بحسب البعض رأياً مهادِناً، إلا أن الفيلم القصير لا يتمتع بهذه الرفاهية من رحابة الصدر. إن احتاج الفيلم الطويل وقتاً ليكتشف أحدنا الرداءة فيه، أو مَداها، فإن الفيلم القصير أكثر كشفاً وأقل مواربة، يرمي سريعاً بضاعته في وجه مُشاهده.

هو كذلك حال “مهدَّد بالانقراض”، مثال آخر وأخير هنا في سوء الحظ. الفيلم حالة ادّعاء مزدوجة، طموح لأن يكون فيلمَ تشويق، لكنه يدور تائهاً حول ذاته، فيه فكرة جيدة تمرّ بدقيقة، لكن الفيلم، لخوائه، اضطرّ إلى مطّها، بإطناب كسابقَيه، ومن دون أي انعطافات يحتاجها العمل التشويقي. الموسيقى فيه تصرّ على المتفرّج أن يظنّ نفسه فعلاً أمام فيلم تشويق. فيه محاولة بائسة للترميز، لا تكفّ عن الإلحاح على المتفرّج حيال فكرة واحدة تتكرر بشكل استطاع أن يكون مملاً في فيلم قصير، في ثلث ساعة، وبحوارات تحوم حول معنى واحد وتعود إليه. يكاد الرجل في الفيلم يخاطب المتفرّج إن فعلاً وصلته الفكرة ليطمئن كي يتقدّم في الكلام. في الفيلم ادّعاءان، التشويق وكانت الموسيقى والإضاءة من سوء حظه، والمثليّة وكانت الحوارات من سوء حظها.

في الفيلم امرأة تتعطل سيارتها، يتوقف رجل لمساعدتها، سندرك أنه يحاول ابتزازها واستدراجها للعمالة مع الاحتلال. أما التلميح، من ذلك النوع الملحّ فيكون أشد صراحة من التصريح عينه، بالميول المثلية للمرأة وعلاقتها الموثَّقة مع صديقة لها، والكلام الأقرب إلى قصة ذات مغزى للفتيان، عن الخنازير والذئاب، فهو ادّعاء آخر كان مقحَماً، غير محاولة التشويق تلك، لترتيب مواضيع في فيلم بشكل يستيسغه مُشاهد غربيّ هو ذاته الذي يستسيغ فيلماً عن غزّة بوصفه، الفيلم، بيان نعوَة. “مهدد بالانقراض” عملٌ كاريكاتوري، مبالِغ في الموسيقى، في رمزيةٍ مدَّعاة تخللت الحوارات، مبالِغ في العتمة والأضواء وألوانها، هو جهل بالجماليات. فيلم ثقيل على القلب من كثر إلحاحه واصطناعه، شكلاً ومضموناً.

إن كان “مع حسين في غزة” حالة انتهازية مترهّلة لظرفٍ طارئ متوتّر، فيكون اسم غزة سهماً رابحاً في الفيلم، فإن “تشريح السيطرة” محاولة متعثرة أو رمية نردٍ بائسة، و”مهدد بالانقراض” محاولة ناجحة لسماجة ادّعائية. هي ثلاث علامات فارقة في الإنتاج الفلسطيني للعام الماضي، ثلاثة أفلام كانت من سوء حظّ مشاهديها.

في القدس العربي

ثلاثة أفلام فلسطينية من سوء حظ مشاهديها

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.