هذا ما يحصل لمن يفوّت فيلماً في العرض الأول له في مهرجان سينمائي. في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، في أيار مايو الفائت، كان، كما يجب، في برنامجي مشاهدة جميع أفلام المسابقة الرسمية، ما يعادل فيلمين أو ثلاثة يومياً. لسبب ما، للقاءٍ جانبي، اضطررت إلى إلغاء تذكرة فيلم وددت فعلاً مشاهدته، هو “ماسترمايند” (أو: العقل المدبّر) للأمريكية كيلي ريتشارت. من بعدها بأشهر قليلة، تمت سرقة متحف اللوفر بباريس وأحالت صفحات سينمائية لصحف أجنبية إلى الفيلم من دون أن أجدني صالحاً للكتابة عن هذه المقاربة، في أن فيلماً، لم أشاهده، تنبّأ بسرقة متحف. أقصى ما استطعته هو انتظار فرصة مشاهدة الفيلم، أشهراً بعد ذلك.
لكن، صار أن شاهدته قبل أن ينزل إلى الصالات الفرنسية، من خلال منصّة جوائز “غولدن غلوبز”، لأجل التصويت. شاهدته إذن، متأخراً، وإن قبل أن ينزل إلى صالات أوروبية. والنشر عنه سيكون متأخراً أكثر، انتظاراً لدوره ضمن قائمة من المقالات عن أفلام أخرى تنتظر النشر. لم أكتب إذن عن الفيلم إثر عرضه الأول من المهرجان، وبالتالي لم يُنشر في يوم الكتابة أو اليوم التالي، بحسب الحظر الذي يفرضه المهرجان على النقاد والصحافيين في نشر مقالاتهم، فلا بد أن يكون النشر من بعد العرض الجماهيري الأول، أي بعد نهار كامل أحياناً من العرض الصحافي إن كان صباحياً. لكن، تبقى الكتابة والنشر من المهرجان آنيّين، إذ لا تُباعد بين كل من المشاهدة والكتابة والنشر سوى ساعات لن تضطر إلى الامتداد إلى اليوم التالي.
إذن، هذه ميزة لدى الناقد، نشر مقالته بعد ساعات من عرض الفيلم، وإن لم يفعلها سيكون محكوماً بما أفعله الآن مع “العقل المدبر”، أي الكتابة اللاحقة، واضطرار المقالة لأن تصفّ في طابور من مقالات لأفلام أخرى لكاتبها، كي تُنشر، وذلك كله بعد قرابة عشرة أشهر من العرض الأول في المهرجان.
عموماً، الفيلم (The Mastermind) المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، لم ينَل فيه أو في غيره جائزة معتبرة، لكن ذلك لا ينفي عنه امتيازه، خصوصيته، والسرد الهادئ فيه وإن كان لعملية سرقة. الفيلم حمل قصة اعتاد أحدنا على مثيلاتها أن تكون مغلفة بالضجيج والصراخ، بالمونتاج السريع، بالتأثيرات الصوتية والبصرية، وأهمها بالتشويق والاحتمال الدائم بالمواجهة المودية، بالضرورة لطبيعة تلك الأفلام، إلى طلقات نار ودماء مبعثرة وتحذيرات رجال الشرطة بأن ألقِ سلاحك قبل أن تأتي الطلقة بغتةً من خارج المشهد، من آخر لم نعرف كيف وصل إلى هنا، لم يكن في بالنا أصلاً. ولن يستغرب أحدنا إن تنطّحت “نتفلكس” لإنتاج فيلم عن سرقة متحف اللوفر ذاتها. هذه الوصفة المتناوبة على الكثير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، إذن، غير حاضرة في “العقد المدبّر” في فيلم عن سرقة متحف. هي سرقة، كما هو الفيلم، فنّية.
نحن هنا أمام تناول هادئ، ساخر، عبثي أحياناً، لخطة واقعية جداً، لسرقة متحف صغير، عام ١٩٧٠، حيث يقوم مهندس معماري فاشل وعاطل عن العمل، بسرقة أربع لوحات، في وضح النهار، من دون عنف ظاهر، بل بالحد الأدنى، الضروري، منه. يقوم بها أفراد عصابة، شلّة من الفشلة، وبتخطيط منه. العبث هنا يكون في تفاصيل العملية، كتعطّل السيارة المنتظرة في الخارج، كسهولة السرقة أصلاً والمنفّذة ببلاهة، كالخلاف من بعدها على الإجابة عن سؤال، ما العمل الآن؟ هذا كله بسخرية، بأسلوب السينما المستقلة الأمريكية، وغير البعيدة عن السيرة السينمائية لريتشارت، مهما كان سياقها، الغرب الأمريكي في “البقرة الأولى” (٢٠١٩)، أو تحديات عائلية لفنّانة في “حضور” (٢٠٢٢). هنا، في فيلمها الأخير، واصلت المخرجة أسلوبها الهادئ إنما حاملة إياه إلى سياق آخر، مختلف، يتطلب، بحسب ذاكرة المُشاهد السينمائية بفعل ما شاهده من أفلام، ضجيجاً لا هدوءاً. لكن الفيلم، بوتيرته، بصوره التي حملته فعلاً إلى ذلك الزمن، وبالتقطيع المريح للفيلم، بالسخرية التي جعلت من عملية السرقة حدثاً واقعياً تماماً، لا خيالياً مبالَغاً في إمكانات منفذيه وفي إنتاجه سينمائياً. كأن الفيلم اتخذ من عنوانه دليلاً لذلك، فالسرقة هي مسألة عقل مدبِّر أكثر من كونها مسألة تنفيذ مسلَّح.
الفيلم تجربة مختلفة في إنتاجات السينما الأمريكية، هو النموذج لما يمكن أن يكون عليه الفيلم المستقل. لماذا؟ لأنه لم يأت بموضوع اجتماعي مثلاً، عُرفت به السينما المستقلة، بل بموضوع لسينما جماهيرية بإنتاجات ضخمة، ثم قدّمت مقاربة مختلفة، من خلال العبث والكوميديا المركَّبة، لرجل فاشل على كل الأصعدة، حتى بالسرقة، بغض النظر عن النتيجة، وإن كان موصوفاً بما هو عنوان للفيلم. أتت كيلي ريتشارت بموضوع هوليوودي أثير وأعادَت صنعه وتقديمه من خلال السينما المستقلة. الفيلم هو وجهة نظر السينما المستقلة في كيف تكون السرقة في الفيلم.
في القدس العربي
