★★★★
لا يجهد أحدنا بالتفكير ملياً قبل أن يقول بقلب مطمَئن، في فيلم عبدالله الخطيب “وقائع زمن الحصار”، إنه من بين الأفضل ضمن الأعمال الروائية الطويلة الأولى الفلسطينية في الربع قرن الأخير. منذ العام ٢٠٠٠، أخرج الفلسطينيون ما يقارب ٣٠ فيلماً كعمل أوّل لأصحابها. من بين هذه الأفلام، إن اختار أحدنا أفضل أيّ عدد (خمسة أو حتى ثلاثة)، سيكون هذا الفيلم من بين الأفضل. وبجهد أكبر، لضرورات الكتابة، وبالعودة إلى العناوين واحداً وراء آخر، لا يسع أحدنا سوى تثبيت ذلك الافتراض، مع تعديل خفيف هو حذف كلمة “خمسة” والإبقاء على “ثلاثة”.
يجمع الفيلم بين شكل وموضوع ممتازين، بأسلوب ذكي في السرد وحساس تجاه شخوصه، وهو امتداد لتجربة سابقة ممتازة، استثنائية في الوثائقي “فلسطين الصغرى”، إذ بنى الخطيب فيلمه هذا على نقاط قوة في سابقه، نقاط ارتكاز ليكون الروائي طبقة أخرى فوق الوثائقي في سردية واحدة. بناء محكَم رغم مغامرة اختيار قصص متقطّعة، موصولة في نهاية الفيلم. هو أسلوب سردي قد يربك المُشاهد، لكن الإلمام التام للخطيب بقصته، وخوضه ذلك التحدي السردي من منطق ابن القصة وراويها في الوقت عينه، جعل مما يختاره مسارات لشخصياته، شديدة الموثوقية، لا بحكم خارجي، كما يخطر لمتفرّج أو ناقد، بل بمعايشة داخلية، وهذا ما ميّز عمل الخطيب الوثائقي الأول، وهو ما يميز عمل الخطيب الروائي الطويل الأول. هذه أسباب أولى تجعل من الفيلم واحداً من قلة قليلة تكون أعمالاً أولى امتيازية، وواحداً من بين الأفضل، في عموم الأفلام الفلسطينية منذ العام ٢٠٢٠.
لا ينقل الخطيب قصصاً قرأها أو سمعها فدوّنها لمشروع قادم، ولم يؤلف قصصاً من الخيال يدمج بها عناصر فلسطينية، ولم يمرّ صدفةً بخبر في صحيفة فبنى عليه قصته. “وقائع زمن الحصار” هو قصص شخصية للخطيب، عاشها، هو وغيره في مخيم اليرموك المنكوب في دمشق. لذلك تكون أدق التفاصيل في الفيلم شديدة الموثوقية، هو ابن القصة قبل أن يكون راويها. العارف بتلك البيئة وذلك السياق، لصدفة يكونه كاتب هذه الأسطر، يدرك مدى التماهي ما بين واقع المخيمات في سوريا والخيال في هذا الفيلم الذي جعل من ذلك الواقع، بأصغر التِفاتاته وإشاراته، حالة إنسانية كبرى، وهذا عنصر تالٍ يرفع من الفيلم، إذ وازن الفيلم بين موثوقية شديدة لا رياء فيها ولا مراءاة، وبين أفق فلسطيني وإنساني يتخطى اليرموك إلى كل العالم.
الفيلم، وإن لمّح، بخفّة وذكاء، إلى اليرموك فيكون فيلماً من هناك وعن هناك، خلال حصاره من قبل أكثر من جهة متصارعة خلال الحرب الأهلية السورية التي أتت على الثورة كما أتت على المخيم، وخلال قصفه من قبل نظام الأسد آنذاك، تبقى، للفيلم، إمكانية تعميمه على الفلسطينيين، إذ يصلح تماماً ليكون فيلماً من غزّة وعنها، خلال حرب إبادتها، كما يمكن، بغض النظر عن بعض الدلائل الزمانية، أن يكون عن حصار لأي مخيم في الضفة الغربية، وبغضٍ أكبر للزمن أمكن له أن يكون يوميات من حصار بيروت ومنظمة التحرير فيها، ثم عن الحرب التي شُنَّت على المخيمات هناك. بغض أكبر لأساسيات فيه، كاللغة والملامح، أمكن له أن يكون فيلماً ببعد إنساني تام، عن حصار أي حيّ في مدينة يغطيها الطيران الحربي ويمطرها بالقذائف. حساسية خاصة تجاه العناصر شديدة المحلية، وإدراك تام لها بدرجة إدراك ابن الحيّ لشارعه، وذكاء وأسلوبية سينمائية سردية محكَمة امتلكها الخطيب، سمح للفيلم بأن يحمل محليّة شديدة البروز، مقابل إسقاطات إنسانية تحتاج قسطاً من التماهي، والتراخي في الشروط، حتى تكون الحالةُ في الفيلم كونية، وبالتالي يكون هو حالة إنسانية تامة.
هذا القول في الفيلم الروائي الأول للخطيب، من بعد “فلسطين الصغرى”، وما بينهما روائي قصير هو “سوكرانيا ٥٩”، وباكراً في مسيرة سينمائية انطلقت استثنائية فلسطينياً، شكّل الخطيب لنفسه مشروعاً سينمائياً هو مدرك لحيثياته للأسباب التي أشرتُ إليها أعلاه، فهو ابن القصة وهو راويها. والنسق الواحد الذي تسير فيه الأفلام، تجعل لصاحبها موقعاً ثابتاً في ما يقوله وكيف يقوله. وبخصوص الـ “كيف” هذه، نجد ميزة قد تكون صادمة في كل من العملين، هي في جرأة القول ذاته، جرأة الشكل والمضمون. فكما بدأتُ هنا، اتخذ الفيلم لنفسه أسلوباً مربكاً للكثير من المشاهدين في سرد قصصه، هو حاضر سينمائياً، الأجمل منها برأيي هو سلسلة “ديكالوغ” للبولندي كريستوف كيشلوفسكي (وبدرجة أقل، وله كذلك: “ثلاثية ألوان ثلاثة”)، حيث تتقاطع شخصيات من أفلام السلسلة وتلتقي، شخصيات رئيسية في فيلم تكون ثانوية في فيلم آخر تكون شخصياتٌ غيرها فيها رئيسية. في مضمون الفيلم وشكله إذن، في مقولته وأسلوبه، أحكم الخطيب على فيلمه الذي خرج أخيراً شديد المتانة والرهافة والذكاء، ثلاثة سمات يصعب اجتماعها في فيلم، وتحديداً في عملٍ أوّل. الفيلم تراجيدي بالقدر الذي هو فيه كوميدي، هذه مغامرة سينمائية خرج الخطيب منها سالماً.
من عنوانه، يتناول الفيلم خمس قصص أو وقائع تشي بأنها منفصلة، قبل أن تلتقي في نهاية الفيلم، بشخصيات لا يجمع بينها وبين بعضها في القصص سوى الظرف الإنساني المتطرف. خمس لوحات تكتفي واحدتها بذاتها لتكون قصة قصيرة منفصلة، فتضيف بصفّها إلى غيرها قيمة لها وتستضيف قيمة منها. يبدأ الفيلم بمشهد توزيع الخبر في المخيم، نرى بعض الشخصيات في مشهد تالٍ فيه صاحب استديو لتأجير الأفلام يعاني من فقدان أدويَته ومن الجوع والعطش، نرى آخرين في مشهد تكسير جدران بين البيوت للبحث عما يفيد في حالة الحصار، ليجدوا أنفسهم في استديو لبيع أشرطة فيديو، قبله مشهد قصير لسرقة ثلاجة من بيت مهجور، وسيجارة والهرب بها، وأخيراً مشهد لقاء عشيقين إذ يتابع أصدقاء الشاب مسيرَ حبيبته من خلال ممرات آمنة من القناصة والقصف. يجتمع الجميع أخيراً في مشهد ختامي في مستشفى ميداني، البعض يموت في وقت ولادة جديدة كانت في خطر، وإن كانت الساعة متوقفة تماماً على طول الفيلم، بدأت، مع الولادة، بالتحرك. ينتهي الفيلم بدقات ساعة أعطت للحصار بعداً زمانياً.
الحصار تخطى المكان والزمان فصار حالة، واتخذ الفيلم من هذه الحالة أسلوباً تصويرياً (طلال خوري) وصوتياً (رنا عيد). فكانت المشاهد ضمن جدران أربعة، وبعدسات مقرَّبة غالباً، بدا السقف واطئاً كما بدت الغرف ضيقة. أصوات الطيران والقصف في الخلفية زادت من ذلك الوطء والضيق، حتى في المَشاهد الخارجية إذ كان الركام جدراناً يقطّع الممرات ويحصرها. التخطي الوحيد لذلك كان بالهروب السريع لسارق السيجارة. كان بلامبالاة متطرفة تتحدّى المساحة المقطوعة وقنّاصيها، من أجل سيجارة. هنا ندرك تبادل أولويات الحياة التي كانت عادية، وإعادة ترتيب الجوهري من التافه في يوميات المحاصَر. هنا ندرك عبثية معنى الزمان والمكان في الحصار، ومعنى ما يمكن فعله في إطارهما.
للفيلم، “وقائع زمن الحصار” (Chronicles From the Siege)، عنوان بيّنٌ في دلالته، هو وقائع متفرقة لشخصيات متقاطعة يجمع بينها زمن الحصار ومكانه. فالحصار لا يكون للأمكنة وحسب بل للأزمنة، تحديداً لدى القابعين تحت الحصار. والإشارة إلى الساعة المتوقفة دليل واعٍ للقيمة المعطوبة للزمان المتوقف. المكان مصادَر هنا وكذلك الزمان. والوقائع، أي الحركة، لا بد لها من زمان يتقدم كي تحدث، ومكان يتغير. كلاهما كان بقيمة معطوبة، كلاهما كان صفراً، في فيلم لم يكتفِ بالحساسية تجاه حيثيات قصصه بل امتد إلى عمق المعنى في تلك القصص، اليرموكية/الفلسطينية/الإنسانية. نحن هنا في اليرموك عام ٢٠١٥، وفي كل مخيم فلسطيني وكل بقعة فلسطينية ومكان محارَب ومحاصَر في العالم.
الفيلم المشارك في مسابقة “وجهات نظر” (Perspectives) في مهرجان برلين السينمائي الأخير، ونال باستحقاق في المهرجان جائزة أفضل فيلم أوّل، وهي أول مرة تذهب هذه الجائزة البرلينالية إلى فلسطيني، الفيلم إضافة أولى من عبدالله الخطيب إلى السينما الروائية الطويلة الفلسطينية. كما أن الفيلم، بمعزل عن جائزته، إضافة كبرى، خاصة ومختلفة، إلى مواضيع السينما الفلسطينية ومقارباتها، فمن بعد قرابة ٦٠ فيلماً روائياً على طول مسيرة هذه السينما، نقع أخيراً على فيلم يتناول، لأول مرة في هذه المسيرة، المخيمات خارج البلاد مكاناً رئيسياً للأحداث، واللاجئين في المخيمات خارج البلاد (سوريا هنا تحديداً) شخصيات رئيسية، على طول الفيلم. هذا بحد ذاته قيمة عليا. أما حقيقة أن الفيلم، كذلك، بإمكانية أن يمَوضع قصصه في غزة خلال حرب الإبادة أو في أي بقعة فلسطينية في أي مكان، فهذه قيمة عليا موازية، تجعل للسياق اليرموكي بعداً غزياً/فلسطينياً، ولهذا البعد أفقاً إنسانياً.
ذلك كله، يحققه فيلم امتيازي، يقولها أحدنا باطمئنان، وباستحقاق لهذا العمل النوعيّ بجميع عناصره، والحديث ما يزال عن فيلم أوّل.
في القدس العربي
«وقائع زمن الحصار» لعبدالله الخطيب… مخيم اليرموك بوصفه العالم
