لست أكيداً، لكني أظن، وليس في ذلك إثم، أنّ هذا البرنامج، باسم “فلسطين”، ضمن المهرجان الباريسي “سينما الواقع” (Cinéma du réel)، بعنوان “أشكال الرفض”، لست أكيداً أنه فريد من نوعه في عموم المهرجانات الأوروبية، وحديثنا هنا عن واحد من بين الأبرز ضمن مهرجانات السينما الوثائقية في العالم.
من متابعة غير حثيثة، للمهرجانات الوثائقية، أفترض أن هذه الفرادة واقعة، وأن لها طبقة ثانية من الخصوصية، تعود إلى كون وقوعها في باريس، واحدة، وليس هذا الظنّ آثماً، من بين أكثر العواصم -من دون أدنى منافسة مع برلين- التي عاقبت وتعاقب على تصريح تضامني مع فلسطين يمكن ليُّ عنقه وتحويله إلى جريمة يقاضى عليها.
قد يكون البرنامج الخاص بفلسطين في المهرجان بدورته الثامنة والأربعين (٢١-٢٨ آذار/مارس) فريداً، أما خصوصيته فتأتي من كونه فرنسياً، في أجواء رسمية وإعلامية نموذجية لتوصَف بـ “معاداة-الفلسطينية”.
عنصر جوهري، لا شكلي، ذاتي لا موضوعي، يُضاف هنا ويجعل من المناسبة حدثاً محورياً في تحوّل صورة الفلسطيني في الغرب، يُضاف لا لأن هنالك برنامجاً خاصاً في مهرجان، ولا أخذاً بعين الاعتبار السياق المعادي للفلسطينيين، بل لطبيعة الأفلام المعروضة، وهي ذات دلالة خاصة، إذ تنقل صورة الفلسطيني بالشكل الذي مورست محاولات عنيفة لمحوها، عنيفة مادياً ومعنوياً. برنامج كهذا سيكون ضرورة لاستعادة بعض من صورة الفلسطيني كما هو يريدها، في فرنسا. أما الأفلام في هذا البرنامج فهي ما تجعله، فوق ضرورته، انقلابياً مقابل الصورة التي يعممها الإعلام الفرنسي.
بعد أيام من السابع من أكتوبر كتبت مقالة هنا بعنوان “نواحٌ إباحيّ أبيض” من بين ما قلته فيها كان أن الأوروبي لا يقبل للفلسطيني سوى صورة الضحية، يقبله وقتها من خلال الشفقة والعطف على ضعيفٍ لا حق له برد الصفعة، وإن فعل، ونال مليون صفعة من بعدها على إثرها، تبقى صورته محصورة بصفعة ما كانت من حقه فاستحق المليون صفعة التالية. مُحيَت صورة الضحية ليومين فامتد رفض صورة الفلسطيني، حتى الضحيةَ منها، لعامين ونصف إلى حينه. في فرنسا خلال عامين من الإبادة، حتى صورة الضحية المثيرة للشفقة لم تكن تشفع للفلسطيني. التعاطف معه والإشفاق عليه كانا احتمالاً مقاربِاً للجريمة، أو مقبولةٌ مقاربتُه للجريمة. صورة الفلسطيني التي كانت محصورة أوروبياً بالضعيف، ثم حُرم من هذه الصورة ليتمّ محوه تماماً، إذ لا صورة له، من بعد رفض مبدئيّ له كمقاوم ثم رفض حدَثيّ له كضحية، استطاع المهرجان بدورته الحالية، وهو ما كان مستحيلاً في العامين السابقين، أن يصمم برنامجاً باسمٍ دال هو “أشكال الرفض”، وبتشكيلة أشد دلالة من الأفلام تكشف حقاً فلسطينياً، بصراحة، في سرد أصل الحكاية منذ النكبة وما قبلها، بأفلام ذات أعوام إنتاج سابقة تمتد إلى الثمانينيات، كما تكشف صورةً فلسطينية مقاوِمة، بأفلام من زمن الثورة في السبعينيات.
المهرجان استعاد ببرنامجه هذا صورة للفلسطيني كانت منطلقاً في تأسيسه لسينماه. نعرف أن عنصراً بنيوياً في تأسيس السينما الفلسطينية أواخر الستينيات، في زمن الثورة، كان تصحيحاً لصورة الفلسطيني في الصحافة والإعلام الغربيين من ناحية، لكن من ناحية جوهرية، كانت في تغيير صورته في وعي أبنائه في المخيمات، من صورة اللاجئ والمشرّد إلى صورة الفدائي والرافض، أو كما قالها غسان كنفاني على لسان أم سعد في روايته، في أن خيمة عن خيمة تفرق، خيمة اللاجئ التي كانها الفلسطيني، عن خيمة الفدائي التي صارها. تأسست سينما الثورة إذن وغيرت في وعي الفلسطيني تجاه ذاته، وفي تصوّر الغرب تجاهه بكونه مقاتلاً لنيل حريته لا منتظراً حصّته من طحين الأمم المتحدة.
برنامج بهذه المصارحة، في مهرجان بهذا المستوي، لم يستعِد -أو حاول استعادة- وحسب بعضاً من صورة الفلسطيني المغيَّبة والمرفوضة، بل المجرَّمة، في فرنسا وأوروبا، بل أطّرها فنّياً، فلسنا هنا أمام مؤتمر سياسي عالي السقف، بل أمام مهرجان سينمائي، تظاهرة فنّية، بمصداقية ومكانة عاليتين في مجاله، نقلَ علناً، في دار سينما “سان آندريه ديزار” بقلب الحي اللاتيني بباريس، ببرمجة نهارية ومسائية، لا آخر الليل أو أول الصباح، نقلَ صورةً يتجنب آخرون، مهرجانات سينمائية أو مؤسسات ثقافية بمختلف تخصصاتها، الهمسَ بها، أو حتى الإنصات لهمس آخرين بها.
أفلام مثل “ليس لهم وجود” و”تل الزعتر” و”لماذا المقاومة” و”مئة وجه ليوم واحد” كانت صريحة تجاه حق الفلسطيني في المقاومة المسلحة. أفلام مثل “الذاكرة الخصبة” و”معلول تحتفل بدمارها” و”عالم ليس لنا” و”الحلم” كانت صريحة تجاه حق الفلسطيني في أرضه فيقاوم لاستعادتها. فيلم مثل “محمود درويش: الأرض تورث كاللغة” شديد البلاغة في الحق الفلسطيني بكافة أشكاله. وغيرها من الوثائقيات القصيرة والطويلة، أشدّها راديكالية فيلم جان لوك غودار الذي افتتح البرنامج، “هنا وهنالك”.
هنا برنامج استعادَ صورة للفلسطيني، لا تلك التي لا يتلقّى غيرها الغربيّ، بل تلك التي لا يريد إلقاء غيرها الفلسطيني.
في رمان
