أعمال فنية رفيعة فقط، هي التي تجعل من التاريخ معاصَرة، وللمعاصِر إحالات تاريخية. كأن لا فاصل بين ما حصل وما يحصل، في امتداد يجعل للحاصل صيغة لغوية أدق، أنه: الحاصل إلى حينه. لتكون هذه المسرحية (المونولوغ)، وهي عن مجزرة تل الزعتر، لا مسرحية أرشيفية بل راهنة في موضوعها المستمر، المتجدد، في مجزرة لا تزال تحصل، بأشكال وسياقات مختلفة.
لا تستحضر كريستيل خضر في مسرحيتها ونعيم دعيبس “سَجِّل”، أو بترجمة لعنوانها الفرنسي، “سكوت، عمنسجّل” (Silence, ça tourne)، تاريخَ مجزرة تل الزعتر التي ارتكبتها عام 1976 بحق مخيم للاجئين الفلسطينيين وفقراء لبنانيين، ميليشياتٌ يمينية مسيحية، برعاية من إسرائيل، لا تستحضره، التاريخَ، بوصفه حادثة سابقة، أو بوصف المسرح نوعاً من الاستعادة الفنية لأرشيف قديم.
نحن هنا في مسرح يشرح الأرشيفَ بوصفه حدثاً راهناً في زمن سابق، أي بوصفه تقريراً إخبارياً مبنياً على شهادات حيّة، لا تعود بالضرورة إلى زمنٍ منتهٍ، أو للدقة، لا تنحصر في زمن حدوثها الفعلي، ليست قديمة. ولا يعود ذلك إلى تزامن العمل المسرحي مع محاولة لمحو هوية لبنانيين على أرضهم، في الجنوب والضاحية تحديداً، بل يعود كذلك لتركيب العمل المسرحي، لنَصّه، وللإمكانية المفتوحة في مقاربته للمجزرة، للامتداد إلى تاريخٍ لبناني وفلسطيني مشترَك طويل في مقاومة محاولات المحو تلك. المسرحية المنحصرة في مجزرة تل الزعتر، زماناً ومكاناً، في طبقة أولى منها، مفتوحة وممتدة إلى اليوم في راهنيتها في طبقة ثانية، مارّةً بنصف قرن، منذ زمن المجزرة، بمحاولات محو، أو بما تبيّن ربّما أخيراً، أنها مسار طويل متعرّج من محاولة واحدة لإبادة فلسطينيين ولبنانيين.
هذا الامتداد في محاولة المحو، لم يكن فقط للظرف المستقر لأكثر من ربع قرن في لبنان، ولأطول من ذلك في فلسطين، إن كان بالوكالة عن إسرائيل بفعل ميليشيات فاشية عادت إلى المخيمات، كما لا تسهو المسرحية عن الإشارة، في مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982، أو كان بفعل دولة الاستعمار الاستيطاني بالأصالة عن نفسها، في ما ارتكبته وترتكبه بحق لبنانيين وفلسطينيين. وهذا الامتداد كان، كذلك، مسألة إخراجية.
التقاء التقنية المسرحية بكيف يُعرَض النص، مع النص نفسه، في “سجِّل”، كان تلقائياً، فلم يشعر به أحدنا، أو على الأقل كاتب هذه الأسطر بوصفه متفرّجاً، من بدايات المسرحية إلى نهاياتها، أقول بدايات وليس المشهد الافتتاحي، وأقول نهايات وليس المشهد الختامي، فالمسرحية كانت مفتوحة على ما سبقها في زمن المتفرّج وما لحقها، وكانت، لمتفرّج نموذجي كُنته كما أظن، قد وصلتْ بمفعول تام، إذ كنتُ أقلّب أخبار قصفٍ إسرائيلي لمناطق لبنانية لحظاتٍ قبل دخولي المسرح، لأعود إليها فور خروجي، كأن المسرحية، وهي كذلك، محطة ضمن مسار طويل، وكان للإخراج المسرحي (الميزانسين) مساهمته في ذلك.
دخل الجمهور إلى صالة “مسرح الباستي” الباريسي، لتكون كريستيل خضر جالسة، مسبقاً، على كرسي كان ضمن مسرح متقشف لا يشمل سوى طاولة ومسجِّل وعواميد وأشرطة كاسيت وزجاجة وكأس ماء ودفتر. دخلنا وجلس الجميع، بدأ يتوافد المتأخرون، كريستيل جالسة تتأمل الناس، وكان الدخول والجلوس من طرفنا والتأمل الصامت من طرفها افتتاحاً متدرّجاً للمسرحية التي لم أنتبه متى بدأت حقاً ولا متى انتهت.
تشرع كريستيل بالكلام كأنها تُقدّم المسرحية من خارجها، تقول إن أي ربط بين ما سنسمعه ونراه وبين أخبار راهنة هو من مسؤوليتنا، بدأت بالكلام كأنها تحضّرنا في ضوء السياق الحالي، وهو ما يصلح لأي زمن لبناني فلسطيني. لتدخل، وندخل معها، من دون فواصل أو قواطع، في نصّ المسرحية الذي أدّته كأنها تحكيه، وهذه إشارة لا بد منها، نحن هنا أمام حكواتيّة لا بالنصّ فقط بل بأسلوب الحكي وتقنية السرد، فالنصّ كان ثابتاً مسبقاً، مع ترجمة فرنسية على الخلفية السوداء، وهو سردٌ كذلك بالأشرطة، بالأرشيف، بالشهادات. بل بالشرائط ذاتها.
تَخرج من المسجّل شرائط الكاسيتات، متساقطة كأنها خيوط دماء سائلة. كثير من الشرائط مكوَّم على الأرض كأنها أحشاء في صورٍ من المجزرة، كأنها ركام بشريّ. هي كذلك، أحشاء الشهادات التي نسمعها من المسجّل، هي الشهادات ذاتها، المُغتالة. وكانت كريستيل تمرّر الأشرطة بين الأعمدة لتعلّقها، مع الوقت ستكون الخشبةُ ساحةً للمجزرة، مطوّقةً بالأشرطة المعلّقة، كأنها مسرح جريمة، لا مجال لدخوله، أو حتى الخروج منه، كأن الخشبة حلقة مفرغَة. بقيت الشهادات في مسرح المجزرة، بقيت الأصوات تحوم في فضاء المجزرة، بقيت الجريمة حيّة إلى اليوم، بذاتها وبتناسخها.
وكحال افتتاح المسرحية، كذلك لم يكن ختامُها بحركة واحدة احتفالية أو استعراضية. كانت كريستيل في عزّ كلامها، كنّا غارقين في شهادة نسمعها، نراها فجأة تخرج، ترقّبَ الجميع عودتها. صمتٌ مطبَق. حاول أحدهم التصفيق بتردد قبل أن يتوقف. لم تعد كريستيل. لم تُطفأ الأنوار. لا بد أن المسرحية قد انتهت لكن لا إشارة إلى ذلك، لم أكن أنا متأكداً. تجرأ اثنان أو ثلاثة على التصفيق لينهار التصفيق من المدرجات على المسرح، لتعود هي وندرك نحن أن المسرحية انتهت، ولندرك بذلك أن الحدث اللبناني الفلسطيني لم ينتهِ بانتهائها، وأن محاولات المحو التي كانت تل الزعتر محطةً فيها، معاصِرة بقدر ما هي تاريخية.
كأني، خارجاً من المسرح، تابعتُ التالي من تلك المجزرة في نشرات الأخبار.
في رمان
