بقعة مظلمة حلّت على العاصمة الفرنسية في الخريف الفائت. لم يتعوّد المارّة من أمام مركز بومبيدو رؤيته كتلة صمّاء ومعتمة، ضخمة كأنها بناء مهجور، اختفت ألوانه وطغت الأعمدة الفولاذية. أغلق المركز أبوابه، وهو متحف للفنون الحديثة، لعمليات ترميم شاملة كي يُعاد فتحه في ٢٠٣٠.
ترافقت هذه العتمة مع حدثين يمكن أن يرمّما بعضاً من غياب مركز بومبيدو، هما افتتاح متحف القصر الكبير، الصيف الفائت، بعد ترميم دام ٤ سنوات، وافتتاح المقر الجديد لمؤسسة كارتييه للفنون المعاصرة.
أولهما، القصر الكبير، يتميز بساحة داخلية هي الأوسع من بين متاحف باريس. ثانيهما، مؤسسة كارتييه للفنون المعاصرة، هو الجديد كلياً في هذه المدينة، من بعد انتقال المؤسسة، وهي متحف، من مقرها الصغير جنوبيّ المدينة، إلى آخر بمساحات مضاعفة، لصيق أو يكاد، بمتحف اللوفر. أتاح، مع القصر الكبير، بعض الإضاءة للمدينة، وبعض الحيوية المتحفية، في الأشهر القليلة ذاتها التي شهدت الإغلاق التدريجي لمركز بومبيدو.
في النصف الثاني من العام الماضي، طرأ تغير كبير على المشهد المتحفي في باريس إذن، إغلاق بومبيدو لخمسة أعوام، وافتتاح القصر الكبير من بعد إغلاق لأربعة أعوام، وافتتاح مركز جديد للفنون المعاصرة، في مركز المدينة، سيكون اسماً ضرورياً في أي حديث فني ومتحفي لمدينة تضجّ بالمعارض الفنية.
بهذا العرض السريع، يمكن مَوقعة المقر الجديد لمؤسسة كارتييه، وهو بمكانة التأسيس له في المشهد المتحفي. للمبنى من خارجه واجهات العمارة الباريسية الهوسمانية، وبجدران زجاجية منفتحة على المدينة. من داخله، تمّ تصميمه خصيصاً، من أسسه، ليكون معرضاً واحداً شاسعاً بمساحة تصل إلى ٨٥٠٠ م، من ثلاث طبقات مفتوحة في المنتصف، لتكون مساحة العرض مستطيلة محاطة بالطبقات المطلة على بعضها بعضاً في فضاء متوسّط يمتد من الأرضية حتى السقف، يكون لاستيعاب الأعمال الضخمة. ولأن المؤسسة افتتحت بهذا المعرض في تشرين الأول/أكتوبر الفائت (ليستمر حتى آب/أغسطس ٢٠٢٦)، لم يهتدِ، بعد، الناس إليها، فكان، لحسن الحظ، الدخول انسيابياً مقابل صف طويل مقابلها، عند واحد من مداخل متحف اللوفر.
الافتتاح كان بمعرض بعنوان “المعرض العام”، بـ ٦٠٠ عمل معروض، وهذا الرقم الكبير لمعرض واحد، بمقتنيات بعضها بصغر حجم الكف وبعضها الآخر منحوتات عملاقة، جنح بالمعرض الافتتاحي للمؤسسة ليكون تائهاً، بلا نسق واحد أو فكرة بارزة تجمع محتوياته، وإن صحّ أمر هنا فهو العنوان ذاته، “المعرض العام”، وذلك بخلاف المعارض الفنية، في باريس مثلاً حيث لا تكون المعارض لملمةً لما توفّر. والعشوائية في المعارض تكون بنسبتها الأكبر، وهذا يحصل مراراً، عندما تكون بموضوع يخص جامع مقتنيات، لا تياراً أو فناناً أو فترة، فيكون المعرض متفاوتاً في مقتنياته وغير منسجم.
في “المعرض العام” بعثرة للمقتنيات، منها المبهر ومنها العادي، لكنها تأتي، أو نأتيها، وهي فرادى، وإن كان بعضها فعلاً مذهلاً، لكن كعمل منفرد. لا معنى للتنسيق والإخراج لهذا المعرض، وزائر المعارض الصغيرة السابقة لهذه المؤسسة، يدرك أن بعض هذه المقتنيات شكّلت جزءاً من معارض سابقة أقامتها في مقرها الأسبق، كانت وقتها محصورة بفنان بعينه. نمرّ بأعمال منها للفنانة الكولومبية أولغا دو أمارال، “جدران حمراء”، لوحة عملاقة مبهرة مغزولة من الصوف وشعر الأحصنة. وهو عمل أبقته المؤسسة في مجموعتها المؤقتة من بعد معرض أقامته للفنانة شتاء ٢٠٢٤. لكنه عمل منفرد، بديع بحد ذاته بمعزل عن باقي المعروضات. لا معنى للتنسيق والإخراج لهذا المعرض، واضح أن هذه التشكيلة استعادية للمؤسسة ذاتها، منها، كذلك، عمل للفنان الأسترالي رون ميويك، بأسلوب معروف بالواقعية الفائقة، أقامت له المؤسسة معرضاً صيف ٢٠٢٣ وأحضرت له منحوتة إلى معرضها هذا. وهنا كذلك أعمال أظهرتها مؤسسات متحفية أخرى في معارض لها شهدتها باريس في السنوات الأخيرة، منها عمل للفنان الكونغولي شيري سامبا ضمن معرض له في متحف مايول الباريسي شتاء ٢٠٢٣. أعمال عشوائية إذن شملها “المعرض العام” ململماً إياها من غيره.

المساحة الشاسعة، والمقتنيات الكثيرة، المبعثرة على هذه المساحة، منحت للمبنى ذاته، لتصميمه المعماري، أولوية على المقتنيات الفنية، فكانت الأخيرة، غير المنسجمة، أقرب لتشكل دليلاً للتقدم من صالة إلى أخرى وحسب، كانت أقرب إلى إشارات تدل على الطريق لقطع المساحة وتأمل جوانب المبنى، وصولاً أخيراً إلى المخرج. ذلك لأن لا مسار كوّنته الأعمال المعروضة سوى التقدم، لا مسار فيها، في تفاعلاتها، بل في كونها مصفوفة هنا أو هناك، بشكل يملأ قدر الإمكان هذا المبنى، ويتيح للناظر فرصة كافية للتأمل فيه، لا فيها.
لا تكون المعارض الفنية مكاناً لعرض أعمال لا علاقة تجمعها، هذا يحصل في المزادات العلنية، أما المعارض فتكون بفكرة واحدة تمر على كل الأعمال، أو تمر على المتلقي من خلال الأعمال المرتّبة بشكل يفسّر تلك الفكرة. الأساس هو أن تجمع الأعمالَ فكرة تبرّر المعرض، أخفّها هو ما أشرت إليه بأن تكون مقتنيات جامع تحفٍ ما، وأشدّها تكون معارض لفنان بعينه تُظهر من خلال أعماله المرتّبة باعتبارٍ للزمن، ما مرّ به من تحوّلات فنية وغير فنية.
لا شيء هنا يجمع بين فيديو عن لغات مهمشة لفئات قومية في العالم، وهو أهم ما وجدتُه في المعرض، للفرنسي ريمون ديباردون، وفي الفيديو، ومعه صور فوتوغرافية كذلك، نعرف عن لغات وثقافات في طور الانقراض بفعل سيطرة أخرى، في بلدان من كل القارّات. وبين مجسم كرتوني لنسخة متخيلة من مدينة كينشاسا للكونغولي جان بابتست، وهو عمل نحتي ملفت. ولا شيء يجمع بينهما وبين شجرة تعلوها قطة برونزية، للفرنسية آنييس فاردا، أو مجسم لغواصة، أو صور فوتوغرافية عشوائية، أو حجر صغير منحوت على شكل خروف، أو مجسم كاتدرائية من البلاط، وهي كلها أعمال منفردة قليل منها فقط يثير الدهشة والكثير يثير الرغبة في الإسراع بالمرور. أو، أخيراً، فيديو لا نرى فيه سوى وجه رجل مقرّب على الشاشة، حابساً أنفاسه، أركّز في عينيه تجاهي، يصرخ فجأة مفرجاً عن فمه، فترتعد فرائصي، فيشهق ليحبس أنفاسه مجدداً فيصرخ فيشهق. وهكذا إلى أكتوبر المقبل.
الأعمال الفنية هنا هي المكرَّسة لعرض المبنى وتصميمه، لا العكس. الغاية من هذا المعرض هو إظهار قدرة المؤسسة على العرض، على الاقتناء، أياً تكن الأعمال، كيفما اتفق. الفن هنا في خدمة المؤسسة، لا العكس. الأعمال مختارة بعناية لا لتشير إلى فنان أو فترة أو تيار أو غيرها، بل لتشير إلى المبنى ذاته، مترامي الأطراف. الأعمال الفنية هنا ديكور منزلي. هي مرآة لدى شركة السلع الفاخرة هذه، كأنها ساعة أو عقد ماسيٍّ على جسد المبنى، لغاية تزيينه وحسب.
في القدس العربي
