1
اكتب تعليقُا

برلين السينمائي: في “الرجل الأوحد في المدينة” رثاء للذكريات

★★★★★

شاهدت أمس آخر أفلام المهرجان، وفي اليوم السابق له عُرض فيلم هو الأفضل بالنسبة لي على طول المهرجان الذي ترك مفاجآته لأيامه الأخيرة. “الرجل الأوحد في المدينة”، وإن لم يكن الأنسب أسلوبياً لجائزة ذهبية، يبقى الأقوى، الأروع، على طول هذه الدورة التي تتوزع أفلامها ما بين أقلية رائعة وأغلبية أقل من المتوسط، وفجوة ما بينهما.

فيلم الإيطالية تيتزا كوفي والنمساوي رانييه فريميل (The Loneliest Man in Town) يتناول، بتقشف حواراتي، رجلاً وحيداً اسمه آل كوك يعيش على ذكرياته يوم كان عازفاً مشهوراً في مدينته فيينا. المبنى الذي يسكنه يُعد للهدم، وهو الوحيد الباقي فيه والرافض إخلاءه. محاولات ابتزاز تطاله، وتضييقات كقطع الماء والكهرباء، إلى أن يرضخ في النهاية لكن لسبب آخر، فيترك كل مقتنياته، يبيعها، ويتحضر للسفر إلى الولايات المتحدة لتحقيق حلمه في عزف موسيقى البلوز هناك.

هو من المهووسين بإلفيس بريسلي، وجامع للتحف والكتب والمجلات والقصاصات والاسطوانات وكل ما يمكن أن يتعلق بـ “ملك الروك آند رول” وغيره، ليكون بيته متحفاً لهذه الموسيقى، وللبلوز، متحف قام بتجميع محتوياته على مدار قرابة نصف قرن. انتهى هذا النصف، وانتهت موسيقاه، والمبنى في طور الهدم، والمقتنيات، وهي الذكريات بشكلها المادي، في طور الفقدان. هذا كله لم يكن يعني لآل كوك سوى تلاشٍ لتاريخ فردي واجتماعي، وتبخرٍ لذكريات، للهوية الشخصية، لإدراكه لذاته.

اضطراره إلى ترك البيت الذي ولد فيه وكبر، وبشكل تعسّفي، فيه ترميز إلى تركه حياة كاملة، لا المكان وحسب بل الزمان كذلك، ولا الذكريات التي تشكلت فيه وحسب، بل كذلك الهيئة التي للمكان، فديكور منزله، حتى ملابسه وتصفيفة شعره، كلها تشي بزمن سابق، السبعينيات، كأن البيت عالق في الزمان، ومتمنّع عن التواصل مع أزمنة لاحقة تغيرت فيها الموسيقى، كما تتغير فيها العمارة، بإسقاط الجرافة للجدران كأنها من كرتون.

الفيلم، بمعظم مَشاهده، يوحي بزمن سابق، إشارات قليلة وحسب تدلّ على القرن الحالي، كعملة اليورو والتليفونات وغيرها قليل. البيت هو حرفياً وبالمعني المادي، ذكريات الرجل، أي زمانه. هدمه يعني حرقها، حرقها يعني انفصال الرجل عن كل حياته التي تمركز في شكل واحد هو موسيقيّ البلوز الفيينيّ المهووس بإلفيس، الانفصال يعني، أخيراً، السفر، وبتذكرة ذهاب لا إياب معها، بحقيبة واحدة فيها صور وأشياء أكثر مما فيها من ملابس. هناك في أقاصي الريف الأمريكي حيث سيبحث عن نوادٍ نائية للعزف فيها، وقد نفته عنها المدينة الأوروبية المتقدمة في حداثتها، المحتفية سياحياتياً بموسيقييها من موزارت إلى بيتهوفن مروراً بشيلر وهايدن. لم مكان للبلوز هنا، الموسيقى التي لم تُسلَّع إلى أيقونة تذكارية من البلاستيك.

هذا في مضمونه، أما شكله، فكان الفيلم أعلى، أرقى. كلام قليل، والقليل هذا ضروري. تناقضات ساخرة، عبثية، تثير الحنق في الوقت الذي تثير فيه الضحك، تناقضات مشاعرية استحضرها الفيلم بذكاء، وذلك بأداء رائع لمن أدى دوره، نفسه بنفسه.

الفيلم يستحضر روح أعمال المخرج الفنلندي الاستثنائي آكي كاريزماكي، صاحب الأسلوب السينمائي الأقرب إلى قلبي، حيث الصمت طويل، الإيماءة ساخرة، الكلام عزيز، الحركات متأنية، والعبث يحوم في الفضاء طوال الوقت، بإحالات اجتماعية لا غنى عنها. هذا فيلمٌ كاريزماكيّ بامتياز، والفيلم أحسن ذلك الاستحضار.

“الرجل الأوحد في المدينة” رثاء للموسيقى، للبيوت، للعمارة، للمدينة. هو رثاء للذكريات التي يقتلها التحديث.

في رمان

برلين السينمائي: في “الرجل الأوحد في المدينة” مرثاة للذكريات

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.