★★★★★
قد يكون الفيلمَ الأكثر إقبالاً للإجماع من بين الأفلام الأفضل لهذه الدورة، الأقل إشكالاً، بخلاف أفلام أخرى تناولتُها هنا. وهو فيلم تليق به جائزة أولى، ذهبية. أي أنه متكامل في محاسنه، كتابة وتصويراً، وتمثيلاً لشخصياته الأربع الأبرز.
“ملكة عند البحر” (Queen at Sea) للأمريكي لانس هامر، يحكي عن سيدة مسنة مصابة بالخرف، غير مدركة لمحيطها، ولا لدواخلها. تعود ابنتها إلى البيت فتجد زوج أمّها يمارس الجنس مع الأم المريضة. تتصل بالشرطة بحجّة أن الأم في حالة لا تسمح لها بالموافقة على هذه الممارسة، فتدخل العائلة دهليزاً إدارياً هدّد بفصل الزوجين.
الفيلم أقرب إلى بعض سينما النمساوي مايكل هاينيكي، في تكشّف الفيلم عن عوالم المسنين، لا عن العجز الجسدي أو المادي، ولا حتى النفسي، بل قصور الآخرين عن المحاورة النفسية معهم، مع مسنين مهمومين بما يسببه العجز الجسدي من ألم نفسي، أكثر من همّ العجز ذاته.
الفيلم الرقيق، وهو برهافة مشاعر مسنين أقرب لتكون طفولية، وضعَ هذه المشاعر مقابل إجراءات إدارية وشرَطية باردة، بيروقراطية لا ترى في الفرد سوى رقماً اجتماعياً.
“ملكة عند البحر” المحدود في مواقع تصويره، فمعظمها في أمكنة مغلقة، البيت تحديداً، وهو بذلك أدخلنا، أكثر، إلى النفسيات المضيَّق عليها لشخصياته، المسنّين تحديداً، بصورٍ مقرَّبة، وهي وفيرة، على الملامح المستغرِبة، المخيَّبة، لما أوصلت إليه الابنة ولما يسعى إليه النظام البيروقراطي، من الشرطة إلى مراكز العناية ودور العجزة.
في الفيلم، الغني بانعطافاته إنما كلاماً لا أحداثاً، نعيش في المشاعر أكثر مما في غيرها، نعيش في عجز آخرين عن فهمها، عن إدراك الاحتياجات لدى المسنة، احتياجات لا للجنس بشكله المباشر، بل للطبقات تحت هذه الممارسة، للحميمية، للعاطفة، للاهتمام، كالبقلاوة التي تحب التهامها بشراهة مثلاً، واحتياجات السيدة لاستيعاب آخرين لتلك الرغبات والتصرف حيالها، من دون اضطرار السيدة إلى، ولا قدرتها على، التصريح بها. الفيلم يقدّم لا الرغبات بل حاجة أصحابها، وهم هنا مسنون، إلى استجابة الآخرين لها، إلى حساسية الآخرين تجاهها.
هذا ما أمّنه للمسنة زوجها الذي التقى بها لأول مرة في عمر متقدمة كذلك، وعاشا معاً ١٨ عاماً، وهذا ما لم تفهمه ابنتها المنغمسة بالمهنة والمشاغل العملية، وهي التي اتهمت الرجلَ بالاعتداء الجنسي على أمّها غير القادرة على التصريح برغباتها. الزوج يتصرف بحسب مشاعره المخاطِبة لمشاعر زوجته العاجزة عن التصريح لكن لا عن الشعور. أما الابنة، التي قتلت حياتُها الدنيويّة مداركَها المشاعرية، فتظن أن في أمها عجزاً عن الشعور طالما لم تعبّر عنه صراحة وبكلام مفهوم.
برهافة المشاعر، بصدقها، باجتهادها للبقاء رغم سطوة الإداريات والنظام الاجتماعي القاسي، يضع الفيلمُ الرغبات مقابل الاتهامات، الحب مقابل البلادة، الحميمية مقابل البرودة، الفرد مقابل النظام. ومن خلال حالة هي الأكثر هشاشة لذلك: مسنّان لم يبقَ لهما من الحياة الطويلة سوى المشاعر، وسوى بعضهما.
الفيلم، بذلك التقابل، يُظهر قسوة النظام الإداري غير المبالي تماماً برغبات الأفراد واحتياجاتهم النفسية، تحديداً لدى فئة أعجز من غيرها حتى عن التعبير عن تلك الرغبات.
في رمان
برلين السينمائي: في “ملكة عند البحر” لا ضرورة للمشاعر بالكلام
