1
اكتب تعليقُا

برلين السينمائي: في “كلنا غرباء” عودة للابن الضال

★★★

للسينما الآسيوية أسلوب خاص في الاجتماعي من أفلامها. تناولها هادئ، وإن تطرّفت أحياناً الظروف، كتفاوت طبقي واضح وبأفراد متقاطعة طرقها.

فيها مشاعر إنسانية، انتقاد لنظام رأسمالي من خلال العائلة، وتأثير البطالة والفقر على جميع أفرادها، وقد ينقلب ذلك إلى عنف مفرط كما في سينما الكوري الجنوبي بونغ جون هو أو مواطِنه بارك تشان ووك، وقد يكون النقيض منها في التناول، فتكون هادئة رغم صخب الظروف، كما في سينما الياباني هيروكازو كوريدا.

هنا، يبدو المخرج السنغافوري أنتوني تشين، وهو من جيل أصغر من باقي الأسماء، اتخذ خطّ كوريدا، بفيلم هادئ عن ظرف صاخب.

الفيلم، “كلنا غرباء” (We Are All Strangers)، بساعتين ونصف، يحكي عن عائلة، من أب صاحب مطعم شعبي وبأسعار رخيصة، وابنه العاطل عن العمل والمهمِل. الأب سيقع في حب امرأة، نادلة أتت من ماليزيا للعمل، وتنتقل للعيش معه في بيته الصغير، في الوقت الذي ستحمل صديقةُ ابنه جنيناً في بطنها، وتجبرهما أمها على الزواج. الفتاة وأمها من طبقة عليا، الأب وابنه من أخرى دنيا، والتناقض الاجتماعي والسلوكي بيّن في كل مشهد يجمع بينهما. سيصاب الأب بالسرطان وستنقلب حياة العائلة، أما الولد فسيجد أعمالاً مختلفة قبل أن يعود ليفتح مطعم أبيه.

الفيلم ممتد زمانياً لما يقارب عشر سنوات، بادئاً بمشهد تكاد رائحة الطعم تفوح منه، للأب يطبخ لزبائنه، بصورة مقربة على المقلى، لينتهي بالمشهد ذاته للابن متخذاً مكان أبيه بعد جولات طويلة من الأعمال سريعة التكسّب لكن سريعة الخسارة كذلك. كأن يعمل مرة كمندوب مبيعات لشقق فاخرة، ومرة كبائع أدوية مهرّبة، يروج لها عبر فيديوهات تيك توك. لا يفلح الولد أخيراً إلا بعمل فعلي، وبزبائن حقيقيين.

نحن هنا أمام قصة عائلية واقعية، بفيلم ممتع، طويل لكن غير صالح للاقتطاع منه. هو من بين الأفضل في هذه الدورة إلى حينه. لمن يحب الواقعية الآسيوية فإن الفيلم اختيار ممتاز، ولمن يحب السينما الهادئة فإنه فيلم مثالي. هو كذلك فيلم يتخطى صفته الاجتماعية ليكون فيلماً عن العائلة، بحضور أفراد منها وبغياب آخرين، بأثر ذلك الغياب. هو فيلم عن الحب العابر للأعمار والطبقات، مهما ضاق الجيب وصغر البيت.

الفيلم، بذلك، حميمي، رقيق، مكتوب بحيوية رغم هدوئه، فلا يمر مشهد لا ضرورة له، ولا يتساءل أحدنا متى ينقطع المشهد أو ينتهي الفيلم.

الفيلم، إضافة إلى الحب والعائلية فيه، هو، كذلك، اجتماعي واقعي انتقادي لمجتمع صار يسعى إلى الربح السريع، مقدّماً، الفيلم، ببساطةِ حكايات الأطفال، نهايات نموذجية وبدائل كانت في عودة الابن الضال إلى مسار أبيه، وفتحه المطعم المغلق، ومتابعة المهنة المتوارثَة.

كما في كثير من السينما الآسيوية، هنالك دروس أخلاقية، لكنها، هنا، أتت بسلاسة، بلطف، وكذلك بخفة ظل.

في رمان

برلين السينمائي: في “كلنا غرباء” عودة للابن الضال

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.