إن فكّر أحدنا بالمشهد الختامي الأروع، من الروعة شكلاً والترويع مضموناً، لسينما هذا العام، لاختار، من دون إجهاد في التفكير، “هامنت” للمخرجة صينية المولد كلوي جاو، صاحبة الفيلم البديع “نومادلاند” (٢٠٢١) الذي نالت عنه جوائز أبرزها الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا، وأوسكار أفضل فيلم. “هامنت”، وإن لم يشارك في مهرجان سينمائي بارز، يفوق فيلمها السابق مكانة، فنياً وأدبياً. وهو، بمعزل عن مشهده الأخير، من بين الإنتاجات الأقوى سينمائياً هذا العام.
الفيلم المأخوذ عن رواية بالعنوان ذاته، يستحضر الشاعر والمسرحي الإنكليزي ويليم شكسبير إلى عالم الخيال، منطلقاً منه إلى واقع لشكسبير الذي ألّف مسرحية “هاملت” رثاءً لابنه هامنت، كما هو مرجَّح. استحضر الفيلم ذلك موثّقاً إياه في الخيال، ناقلاً تلك القصة المأسوية، التحضيرية لتحفة شكسبير المسرحية، قبل أن يختم الفيلمَ مشهد مسرحي من “هاملت”، يرثي فيه الأب ابنه، في عالم تراجيدي تام، على مقطوعة موسيقية تحفة هي الأخرى، “عن طبيعة ضوء النهار” للبريطاني ماكس ريتشر. لتجتمع في الفيلم عناصر روائية وهي أصل السيناريو، ومسرحيةٍ من عمل “هاملت” شكسبير، وموسيقية وبالأخص الختامية منها، وسينمائية، يجعل جميعها من الفيلم تحفة متكاملة جمالياً.
في الفيلم يلتقي ويل، أو ويليام، وهو مدرس للغة اللاتينية في القرية، بأنْيس، وهي معالجة ولها صيت الساحرة بين الأهالي فيتجنبونها. تجمع بينهما علاقة شغوفة، هو بشاعريته وهي بجنونها، علاقة جمعت بجمال بين واقعية سحرية، ريفية، وعوالم شكسبيرية، بغياب راهن للأب يستبق غياباً مقبلاً وأبدياً لابنه.
سيغادر ويل إلى المدينة لإنجاز مسرحيته. يتزوجان هو وأنْيس، ينجبان، يغادر هو ويغيب مراراً للعمل، يموت طفلهما مريضاً بالطاعون، يعود الأب فيفجع به. مشهد الموت وحده، قمة مشاعرية سينمائية، أداءً وتصويراً. يعود الأب، فيصنع مسرحية هي رثاء أخير لوداع لم يكن، للأب المكلوم. في نصف ساعة ختامية للفيلم، ستكون الأم في الصف الأول من الجمهور، سترى طفلاً آخر يشبه فقيدها، ستظنه هو، ستتداخل فيها الخيالات والذكريات بالواقع أمامها، الواقع هو كذلك خيال، مسرحية زوجها الذي استحضر ابنه خيالاً مكتوباً، ومنه إلى واقع على الخشبة. سيتداخل الأمنية بالخيال والخيال بالواقع. ستظنه ابنها، تكاد تنهار، ستدرك غير ذلك. سيراها زوجها، فتتعاظم فجيعته برؤية زوجته ترى خيالاً استحضره هو لطفلهما على الخشبة.
بتصوير عظيم، في الريف الإنكليزي والقرن السادس عشر، كأن الشخصيات تختبئ بين أجذاع الأشجار وأوراقها، من هناك كانت الأم تمارس سحرها لتطبيب الآخرين من دون ابنها، الأم التي داوت بالسحر، والأب الذي داوى بالمسرح، لم يجدا عزاء بفقد هامنت لا في السحر ولا المسرح.
في “هاملت”، المسرحية، يرثي شكسبير ابنه بقصة أمير يافع يلقى نهاية تراجيدية، يقدم الفيلم لنا هذه الواقعة منغمساً لا في المسرحية بل في حقيقة أن التحضير لها كان ممارسة عزائية للأب، لويل الذي عاد إلى بيته الفارغ، زوجته تنتظره يائسة، من دون طفلهما. حاول ويل الذي لم يجد فرصة لوداع طفله، باستحضار الطفل مسرحياً متيحاً لذاته، ولزوجته، وداعاً حقيقياً، أو يوهم بحقيقيته، لكنه أبدياً، في مسرح ومع جمهوره في المدينة، لا في بيت ريفي معتم يخنقه الفراغ والفقدان.
الفيلم حالة عالية من الرثاء، بالحوارات المخنوقة، التي تكتم مأساة قبل حدوثها، الممتدة على طول الفيلم. الأداء الذي وازى ما بين المسرحي والسينمائي لكل من بول مسكال وجيسي بكلي، بسينماتوغرافيا خلّابة، هذا كله إضافة إلى الطيف التراجيدي الشكسبيري الذي يحوم على طول الفيلم، كأنّ شخصياته تدرك مسبقاً ما سيحصل من دون تغييرها، كأنها شخوص إغريقية تدرك أن لا فرار من القدر. وما ستفعله هو، وحسب، هو محاولة التفكير بما دونه ومواصلة الحياة، تمرير الوقت انتظاراً للفاجعة، مواصلة المشاهد والحوارات، إيهاماً بأن نهاية أخرى ممكنة، غير تلك التي نحسّها في أنفاس الشخصيات وملامحهم. ذلك قبل أن ندخل إلى مشهد الموت، الفجائعي بشاعرية، أو الشاعري بفجائعية، لا فرق فالفيلم ماهى بين الحالتين. ومن بعده، مشهد الموت، مشاهد الرثاء الأبدية للأب والأم، مشاهد جعلت من الرثاء حالة شعرية عظمى.
في القدس العربي.
كُتبت المقالة قبل نيل الفيلم جائزتَي غولدن غلوبز لأفضل فيلم دراما وأفضل ممثلة.
