الشعراء في السينما، سيرةً أو خيالاً، يكونون إما حالات انتصارية، أو بطولية لا تصل الانتصارية بالضرورة، لكنها تبقى نماذج عالية إنسانياً، نماذج مثالية يحول العالم القاسي دون تحقيق مثالياتهم، أو دون تآلفها مع محيطها.
أفلام مثل “نيرودا” للارّان، “باترسون” لجرموش، “نجمة متألقة” لكامبيون، “لون الرمّان” لباراجانوف، وحتى “أورفيه” لكوكتو. هذه كلها من الأفلام الممتازة التي تناولت الشاعر شخصية رئيسية لها، وكثير غيرها يحصل أن نتعثر بها هنا وهناك تكون أقل جودة من هذه. لكنها، جميعها تماماً، حملت للشاعر صورة من خارجه، صورة أيقونية يراه بها الآخر، القارئ، بعيداً عن المآسي الداخلية لهذا الكائن الهشّ، والتي تمزقه وتمزق معه حياته وعلاقاته.
هي، إذن، الشخصيات، نمذجة سينمائية للصورة العامة للشعر كما يراه ويقرأه الناس من خارجه، أي صورة الشعر كما يراها كاتب الفيلم ومخرجه. أما الصورة من الداخل، الشاعر وذاتيته، الشاعر لا القصيدة، فهذا نادر سينمائياً. فيلمنا هنا واحد منها.
“شاعر” (A POET) للكولومبي سيمون ميسا سوتو، فيلم شعري ولا شاعري. فلندخل أكثر في اللغة، هو ليس شعرياً بمعنى أنه لا يتناول الشعر موضوعاً، لكنه كذلك ليس شاعرياً بمعنى أنه لا يتوسل الشاعرية أسلوباً في سرد قصته. هو، لنبتكر إحالة مختلفة لكلمة “شاعريّ”، هو شاعريٌّ بمعنى أنه يتناول الشّاعر، شخصية تكون شاعراً، الفيلم إذن شاعريٌّ بالإحالة إلى الشخصية وهي شاعر، من دون مقاربة تكون شعرية أو شاعرية بالمعنى المألوف للكلمة. هذا نادر سينمائياً، وهذا امتياز أوّل لفيلم رائع يغوص في دواخل إنسان هو هنا من بين الصور الأكثر مصداقية وهشاشة وحميمية للشاعر، في تاريخ السينما.
بعيداً تماماً عن جماليات فيلم يمكن وصفه بالشاعري أو الشعري، الفيلم اتخذ أولاً نوع الروائي مضموناً والوثائقي شكلاً. الصورة والأداء والمونتاج، كلّها حملت الفيلم إلى عالم وثائقي، الأداء للشخصية الرئيسية من بين الأروَع في سينما هذا العام عالمياً. وهو ليس لممثل محترف، فالغالب صاحب الأداء، لروعة فِعله، أدى دورَه نفسَه بنفسِه. هذه الوثائقية في نقل الحالة الروائية، إضافة إلى المصداقية العالية للفيلم، الآتية أولاً من الأداء المريع (مريع من روعة) لمؤدي شخصية الشاعر، أوسكار، وثانياً مما أفترضُه معرفة عالية واستثنائية لدى المخرج، للدواخل، لحالة الشعراء اليائسين البائسين، النوع من الصعاليك المعاصرين.
الفيلم الذي شارك في مهرجان كان السينمائي هذا العام، في تظاهرة “نظرة ما”، خارجاً منها بجائزة لجنة التحكيم، ثم جائزة “آفاق” في مهرجان سان سيباستيان السينمائي، يحكي عن شاعر، فقير ووحيد، يعيش مع والدته التي تفيض تجاهه حباً يغنيه عن العالم كله، وإن كانت قساوة هذا العالم ستطغى، في لحظة ما، على ذلك الحب. يعاني أوسكار مع دار نشره التي لا تبيع كتبه جيداً، يعاني من فقره ولا تسمح له أحلامه الشعرية باتخاذ أي عمل ممكن، يعاني مع ابنته التي تحتاج أباً يدعمها لا تدعمه. سذاجته المتجاورة مع غباء وعناد، وعفوية وعنف أحياناً، مع اضطراب واضح في نفسيته، كلها مغلّفة ببراءة حمقاء، وهذه كلها توصيفات لا تقييمات له، كلها، جعلت منه ضحية نموذجية لظروف بائسة ستحمله من مصيبة إلى أخرى، يثير الحزن والشفقة لا أكثر، لكن في لحظات تتكرّر، يثير الإعجاب لتشبّثه بمثالياته وأحلامه مهما تكسّرت أمامه في واقعه. سيصل بؤسه إلى درجة تكون فيها أحلامه الأولى التي رفض من أجلها ما يرى فيه امتهاناً لكرامته كشاعر، لرومانسيته، ستتبخّر، الأحلام، ليجد في ما كان امتهاناً له، امتيازاً لم يعد حتى قادراً على الوصول إليه. وقد صار في القاع، في الحضيض، في سمعته وفي عمله وفي نفسيته.
لسذاجته سيجد نفسه متهماً بالتحرش بطالبة عنده أراد مساعتدها، وبالغ في إرادته هذه لتحقق إنجازاً شعرياً من خلال فتح فرص لها مع دار النشر ومسابقة شعرية سيبثها التلفزيون. كان، حقيقةً، يرى فيها قصيدته العظمى التي لم يكتبها، عملَه الأعلى الذي لم يتجسد كتابةً فأراد أن يراه حياً في هذه الفتاة التي تكتب وفق ما تشعر به من دون وعي لما هو الشعر، من دون أنت تقرأ شعراً.
ينتقل أوسكار من حالة مأسوية إلى أخرى، تتراكم على نفسيته في هذا العالم الواقعي، العنيف، المادي. يتعاظم سوء الحظ والفهم تجاهه، إلى أن يجد، أخيراً، مخرجاً له، ودائماً بالقصيدة. ستموت أمه لحظة اكتشافه لهذا المَخرج، لحظة كتابته القصيدة، بمزجٍ كما هو البكاء، بين الفرح والحزن، في غمرة الكوارث التي لم تتوقف إلا بفقدان الأم، كأن الفرح الذي أمكن له أن يناله، لن يكون سوى بفقدان سيترك علامة على روحه طوال حياته. خسارة ستُفقده توازنه، ستُبكيه إلى الأبد، كأن المثالية بحاجة إلى فقدانِ توازنها كي تَثبت في عالم معاصِر مختَل.
في القدس العربي.
