طبيعة المهرجان السينمائي تنافسية، أفلام تتقدّم لتتزاحم على جوائز المهرجان، وحيال هذه المنافسة يظهر رأي معتبَر، يَفترض عبثيّتَها، فالأعمال الفنية، وهي هنا الأفلام، تتسع لآراء متناقضة أو متفاوتة في الإعجاب أو النفور. وهذا ما يفسر آراء معتبَرة كذلك، لنقّاد، في كل دورة من كل مهرجان سينمائي، تقرِّع الأفلام الفائزة أو تنقدها في كونها ليست الأفضل من بين المتنافسة، بمعاييرهم وآرائهم، فلا إجماع نقدياً على أي فيلم في أي مهرجان.
مقابل ذلك، تكرّست مع الأعوام الطبيعة التنافسية للمهرجانات، وتكرّست أهمية الأفلام الفائزة عبر التاريخ، بكونها الأوفر حظاً، لتَقاطع مسائل غير فنية: مبرمجو المهرجان ومحكّموه، مكان المهرجان وزمانه، هوية المهرجان وطبيعته. أضيف إليها اعتباراً أولياً هو العناوين المتنافسة على الجوائز، فنيل فيلم ما للجائزة الذهبية لا يعني أن غيره ما كان ليستحقها، ولا يعني أن الفيلم الفائز لو لم يحضر لكان نالها الآخر، أو لم ينَلها حتى.
مهرجان فينيسيا السينمائي لا يختلف عن غيره من المهرجانات الكبرى في ذلك، وإن كان اسمه، بالإيطالية: المعرض الدولي للفن السينمائي، بترجمة دولية تكون: المهرجان السينمائي الدولي. لذلك يقال عنه المونسترا (المعرض)، وهو بذلك كغيره من “معارض” الأقسام الأخرى من البينالي في فينيسيا. معرضا الفنون والعمارة يتناوبان فتنعقد دورة لكل منهما كل عامين، أما المسرح والموسيقى والرقص فتنعقد، كمهرجان السينما، كل عام. في هذه الأقسام لبينالي فينيسيا جوائز كذلك، جائزة أولى تسمى بالأسد الذهبي، تماماً كما هي في السينما، وإن كانت السينما أكثر انتشاراً واهتماماً إعلامياً عالمياً من باقي معارض البينالي.
لا تمنع الطبيعةُ التنافسية والجوائز أن يكون المهرجان الإيطالي محافظاً، برومانسية، على تسميته الأصلية، أي المعرض، وليس “مهرجان فينيسيا السينمائي” أسوةً بغيره (مهرجان كذا السينمائي الدولي)، كتسمية دولية ومتداولة. احتفاظ المهرجان الفينيسيّ بالتسمية “الفنية” يوحي بالعرض، بغاية الاستعراض لا التسابق، ما هو أكثر إخلاصاً لطبيعة الأعمال الفنية، للأفلام بوصفها أعمالاً فنية. فالمهرجان وإن كان موازياً لمهرجانَي كان وبرلين السينمائيين، بوصفه واحداً من الثلاثة الكبار، إلا أنه، وإن بالتسمية، يحتفظ بصفته معرضاً لأفلام تتنافس فيه على جوائزه.
المهرجانات الثلاثة، وغيرها، متماثلة في طبيعة العرض اليومية للأفلام لمدة تحوم حول ١٠ أيام، ولكون المهرجان الإيطالي في المدينة العائمة على قنوات مائية، والمعلَّقة فوقها، جزءاً من معرض مقام على طول العام، هو “بينالي البندقية” (أميل إلى التسمية الأصلية للمدينة: “بينالي فينيسيا”) فهو معرض للأفلام، يقدمها في صالاته السينمائية الأشبه، في معناها، بصالات فنية، غاليريهات، يصفُّ سعداء الحظ أمام أبواب كل صالة، من بعد حصول على تذكرة لم يكن، الحصول، مضموناً لحظة فتح المجال للحجز، أو لم يكن مضموناً قبل دقائق من دخول الصالة والمشاهدة، فأحدنا يحاول حتى اللحظة الأخيرة، الحصولَ على تذكرة لم تسعفه الثواني على حجزها لحظة فتح إمكانية الحجز لأصحاب الاعتمادات. انزعاج شديد يلحق الخيبة في حجز أي تذكره، لأن محاولات الحجز ستتكرر على طول الأيام إلى تاريخ وساعة بدء الفيلم. انشغال هو آخر لا يحتاجه الناقد في مهرجانه. هي صالة عرض إذن، والفيلم عمل فني، لكن بصف طويل من المنتظرين.
يبقى الحجز في فينيسيا أسهل منه في غيره، مهرجانَي كان وبرلين، فهو موزَّع على أيام أقل، ويكون عدد الأيام التي يمكن الحجز لها أكثر، ولا حاجة للاستيقاظ باكراً لذلك، إذ يبدأ الحجز بعد الظهر ويكون لأربعة أيام من المهرجان. ينتهي أحدنا من معظم ذلك قبل افتتاح المهرجان. في حين يستيقظ باكراً في كل من كان وبرلين السينمائيين، لحجز أفلام يوم واحد أو يومين، وذلك على طول المهرجان باستثناء أيامه الأخيرة.
ظروف الحجز هنا، في فينيسيا، أفضل. احتمال الحصول على التذاكر المطلوبة يبقى أكبر، وذلك لسبب أوّل هو قلة عدد الحاضرين من أصحاب الاعتماد، الصحافيين تحديداً، مقارنة مع مهرجان كان، صاحب الأولوية دائماً لدى الصحافيين والعاملين في السينما. وللمهرجان الفرنسي مكانة أولى في مستوى الأفلام المعروضة وأسماء مخرجيها، مقارنة مع مهرجان برلين صاحب السوق السينمائي الأكبر، فإن تمايزَ كان السينمائي بأفلامه ومسابقاته وجوائزه، تمايزَ برلين السينمائي بـ “سوق الفيلم” والمعاملات التجارية بين شركات الإنتاج والتوزيع وغيرها. أما فينيسيا السينمائي فامتيازه يقع في مكان بعيد، في لوس أنجليس، فهو بأفلام أمريكية تزيد نسبتها فيه عنها في غيره، وهو الأقرب زمانياً لموسم الجوائز السينمائية الأمريكية (والدولية) وبالتالي الأبقى للزخم الترويجي لأفلام تمدّ نظرها إلى جوائز الأوسكارات والغولدن غلوبز وغيرها. فالفيلم الطموح لواحد من جوائز الحفلين الهوليووديين بداية كل عام، سيكون قد فات أوانه، وبهت، إن كان عُرض أولاً في مهرجان برلين، في شباط/فبراير، أو مهرجان كان في أيار/مايو، مفضلاً مهرجان فينيسيا في أيلول/سبتمبر، حيث لا يكون الزخم التسويقي قد خفت بعد، بل يبدأ مع فينيسيا مواصلاً عروضاً في مهرجانات أوروبية وأمريكية شمالية أهمها مهرجان تورونتو السينمائي، ممتداً إلى نزول في صالات العالم أو المنصّات، مختتماً، نموذجياً، بحفلَي الغولدن غلوبز والأوسكار. هذا هو المشوار القصير والمشوّق الذي تتمناه شركات الإنتاج والتوزيع الأمريكية والأنكلوفونية.
لذلك تحديداً يفضّل المنتجون الأمريكيون، بأعين منصبة على جوائز أمريكية، مهرجانَ فينيسيا على غيره، لأسباب تجارية وجوائزيّة، وإن كان المهرجان، أصلاً، معرضاً فنياً لأعمال هي بمثابة اللوحات والمنحوتات وغيرها، إنما على شكل أفلام.
يبقى التساؤل حول تعارض الطبيعة الفنية للمهرجان، لكونه قسماً ضمن البينالي وليس مهرجاناً سينمائياً مستقلاً بذاته، وبين المساحة الواسعة للسينما الأمريكية فيه، والنسبة العالية لأفلام تجارية لا فنّية ضمن هذه السينما وبالتالي ضمن المتنافسة منها في المهرجان. شهد منها هذا العام أكثر من فيلم: “جاي كيلي” و”العهد الجديد لآن لي” الرديئان، “بيت الديناميت” و”آلة السحق” العاديان، “فرانكنشتاين” الجيد، و”أب أم أخت أخ” الرائع.
في القدس العربي.
