يمرّ أحدنا بأفلام تخلق انطباعاً أولياً، من المشاهدة الأولى، يكون اندهاشياً ولا يسمح، بالتالي، لأي مشاهَدة تالية أن تضيف قيمة ثانية على الاندهاش الأولي. يمرّ كذلك أحدنا، نادراً، بأفلام تحمل احتمالات أكبر، إذ تشكّل كلُّ مشاهَدة له اختراقاً، اندفاعاً لذلك الاندهاش الأولي، مكتشفاً، الفيلمُ من خلال المشاهَدة، مساحات لتفرّعات اندهاشية لم تُكتشَف في المشاهدة الأولى، هذا هو حال “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية.
هو فيلم الافتتاح للدورة الأولى من مهرجان الدوحة السينمائي، من بعد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي هذا الخريف، خارجاً منه بجائزة لجنة التحكيم الكبرى (الأسد الفضي)، ماراً، بين العرضين، بجوائزة كثيرة يستحقها فيلم كان أحقَّ من غيره، نقدياً دائماً، بأسد المهرجان الذهبي.
الفيلم بشكله الأولي، محصور في مكان ضيق، قصته كلها تجري فيه، لكن لا أحداث فعلية نراها في هذا المكان، نسمع أكثر مما نرى. أو، للدقة، نتخيل ما نسمعه أكثر مما نرى. الفيلم محصور في مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، هناك تجري المكالمات، مع الطفلة هند رجب، مع طبيب للتنسيق من أجل مرور طاقم الإسعاف، مع المسعفين، مع أمّ الطفلة. مكالمات لا نتلقى منها سوى الكلام والنبرة والملامح. الكلام كما يكون بالكلمات يكون، بمخزونه العاطفي الانجرافي، بالنبرة أساساً. أصوات، كلمات، صراخ، وجع يتخذ أشكالاً من الإشارات الصوتية، كلّها في كلام معظمه للطفلة هند أو معها. هذا كلّه لم يجعل من الفليم محصوراً في مكتب وحسب، بل في صوت للطفلة، بعيد، بعيد جداً، مشوَّش، مدمّى، مرتعِب. هو صوت طفلة ترى الموت قادماً إليها وأحدهم، ونحن، يسمعها تتحدث عنه، على الطرف الآخر. ويتخيّل. هذا الفيلم محصور في صوت يتّسع للعالم أجمع.
هو فيلم بالصوت. التصوير، الأداء، المونتاج، الميكساج، كلها تلحق صوت الطفلة. فيلم تمحور حول جانب تقني لا تنتبه له السينما عموماً بقدر ما تفعل تجاه الصورة. الصورة تغلق الاحتمالات والصوت يفتحها. الصورة تلحق الصوت هنا لا العكس، القصة تتأسس على الصوت، الكلام مسموع بتشوّش يشكّله الصوت الذي ينطقه، يشكله صوت الاستغاثة. يبدأ الفيلم بأول الصوت، أو مكالمة تليفونية وينتهي باختفائه، بالموت. ممتداً على قرابة ساعة ونصف من التوتر الصوتي والتخيّلي قبل أن يكون توتراً بصرياً.
الفيلم، من خلال الصوت أولاً، محمول على أمواج من التوتر، تتلاطم متصاعدة. كل مشهد يبني توتّراً على سابقه، يضاعفه، يتراكم عليه ويحمله أعلى، توتّر على توتّر، قلَق على قلق. ملامح الكلام غير واضحة، نبرة لطفلة مرتعبة تغْني عن الكلام ووضوحه، بل تنفيه. خوف يتسلل إلى الذهن كجسد يتخدّر، نسمع صوت هند، الرعب يحيط بها، لا نسمعه، ينقطع فنسمعه مجدداً، ودائماً بأصوات أكثر منه بكلمات، النبرة لهذا الغيب على الطرف الآخر من العالم، في غزة، عند المتكلمين من الهلال الأحمر ومن خلالهم عند المشاهدين، هي نبرة من هذا الغيب تُطلق في الخيال أقصى صور الرعب، بصوت ينخنق أكثر مع كل مشهد، لا نفهمه وندرك الرعب فيه.
الغيب حافز للخوف هنا، القلق يضاعف هذا الخوف. نعرف أنها ستموت، هند، لكننا لشدة التوتر في هذا كله، ننظر بلحظة أو بأخرى، لوحشية الخيال، ننتظر أن تفلت، أن يكون ما نعرفه في واقعنا خبراً كاذباً أمام فيلم باحتمال أن ينتهي بغير ما نعرفه، لشدة القلق، لشدة الخوف.
كلما زاد الخوف في السينما كبر احتمال النجاة، هذا التناقض المشاعري المتطرف وصفة سينمائية مضمونة. كلما زاد القلق كبر احتمال الخروج منه، كلما قلّ القلق ما عاد للخروج منه طعم ومعنى. هنا، القلق في أقصاه، الخوف في أقصاه، النتيجة كذلك في أقصاها، لا تنفيس هنا ولا التقاط أنفاس. ونحن محصورون في مكتب الهلال الأحمر، خيالنا فقط المنطلق كوحش يغطي السماء. خيالنا هنا في أقصاه.
الفيلم الذي يصوّر المكالمات الهاتفية الممتدة بين مكتب الهلال الأحمر والطفلة هند، أظهر، بالموازاة مع هذه المكالمات المتقطعة، البيروقراطية بوصفها أداة حربية، بوصفها جهازاً صارماً في منظومة الحرب الإبادية، منظومة تصفُّ البيروقراطية فيها إلى جانب كافة الأساليب الإبادية المتّبَعة في هذه الحرب. البيروقراطية هنا تَظهر في إعاقة المسعفين عن التحرك للوصول إلى الطفلة بمسافة تستغرق ٨ دقائق بسيارة الإسعاف، كان لا بد من أخذ موافقات من الجيش عن طريق وسطاء كالصليب الأحمر ووزارة الصحة الفلسطينية، بالتنسيق، بانتظار إرسال الطلب وانتظار الرد عليه ثم انتظار الضوء الأخضر لتتحرك السيارة، إشارة اللانهاية التي رُسمت في المكتب لشرح البروتوكولات، أظهرت عبثية الإجراء برمّته. هذا كله استغرق نهاراً كاملاً، تلاه ١٢ يوماً من الانتظار كي يخلي الجيش المنطقة ويسمح للغزيين بالدخول إليها.
البيروقراطية التي كانت أداة القتل الإسرائيلي هنا، تبادلت الأدوار مع الدبابة التي أرعبت الطفلة قبل قتلها ومن معها في السيارة، وكذلك المسعفين. طريق لانهائي حتى الوصول إلى الضوء الأخضر للتحرك، انتظار عبثي لطريق أكثر عبثية، لنهاية زاد من مأساتها الانتظار المفروض لإدراكها، ١٢ يوماً.
لا تكون الاستغاثة في أقصى حالاتها عبثية من دون طاقات كبرى للتخيل، ولا يكون يكون التخيل في أقصى حالاته كارثية سوى بالكلمة المسموعة، بالنبرة، بالصراخ، بالرّجاء، باليأس، بالاختفاء تماماً، بانقطاع الصوت، بالصمت التام، المدوي. هنا، يكون الصمت أثراً للجريمة، يكون تتمّةً لها. هنا يكون التخيّل في أقصاه. هنا يكون الصوت في أدناه، يخرج من القلب إلى الحلق ويعلق هناك، صوت هند، وصوتنا ونحن نسمعها.
في القدس العربي:
«صوت هند رجب» لكوثر بن هنية… التخيل في أقصاه، الصوت في أدناه
