لا أعرف العراق بما يكفي. هذا ما شعرت به، هنا، فور الانتهاء من مشاهدة “مملكة القصب” (“كعكة الرئيس”، بعنوانه الدولي) في مهرجان الدوحة السينمائي بدورته الأولى. قلت: لا أعرف العراق، ولم أقل: لا أعرف عن العراق. فـ “عن العراق” عبارة تكفيها تقارير إخبارية ووثائقيات تلفزيونية. أما “العراق”، أن أعرفه بذاته، بلداً وناساً، فهذا يكون بوثائقيات وروائيات سينمائية تنقل القصة لا بحدودها العامة بل بالتفاصيل المكوّنة لها، تفاصيل في الخلفية تكون في التقارير التلفزيونية محيطاً يوضّح موضوعاً متوسّطاً الصورة. وتكون في السينما، التفاصيل، أساسيات لصورة ندرك واجهتها من خلال خلفيتها، ندرك ما يحصل أمامنا، بإضاءة كافية عليه من خلال ما تعتّم خلفهما وتغبّش، كابتسامة صدّام حسين في صوره المعلّقة.
فيلم العراقي حسن هادي، الذي نال هذا العام في مهرجان كان السينمائي بقسم “أسبوعا المخرجين” جائزة “الجمهور”، إضافة إلى “الكاميرا الذهبية” وهي جائزة الفيلم الأول في كافة مسابقات المهرجان، الفيلم بنى قصّته بالخلفية كما بناها بشخصياتها بما تقوله وما تفعله.
نحن هنا في العراق، التسعينيات. سيحل عيد ميلاد صدام حسين بعد يومين، وكُلّفت طالبة طفلة من قبل مدرّسها بإعداد الكعكة، كما كُلّف آخرون بغيرها من أمور للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس “المفدى بالنفوس” كما يحيّون كلّ صباح. تمضي الفتاة اليوم باحثة عن مكونات لإعداد الكعكة، طحين وسكر وبيض لا تقدر على شرائها، تدور مع ديك لها، تتوه عن جدتها التي سترقد في المستشفى بعدما ابتعدت الفتاة واختفت.
بتصوير أمين ألواناً وأزياء وأشياء، لا ننتبه إلى الفتاة بقدر أكثر مما ننتبه به إلى الخلفية، وهذا سياق اجتماعي كما هو سياسي، فالعراق تحت قصف أمريكي متكرر، فقراء ومرضى وجرحى يملؤون المَشاهد، حالة مأسوية تُخرج من أناس أسوأ ما فيهم لتكون الطفلة على حافة حالة الضحية هنا وهناك. تفلت من هذا وتركض هاربة من ذاك. ملائك لامرئية كأنها تحملها وديكها على أجنحة فلا تقع فريسة مجتمع متهالك، ضحية قوى كبرى فرضت حصاراً ودماراً على بلد تلي فيه حربٌ حرباً وتتآكل الأجيال فيه، إلا ابتسامة كتلك التي تكشف عنها جمجمة تسعدها الحروب.
في هذا كله، لا تُخفى صورة الديكتاتور، معلقة في كل مكان، مبتسم وببذلة عسكرية، بعصا أو بارودة، على جدار وعربة. الديكتاتور في كل مكان، مبتسم كأن البلاد معافاة طالما استطاعت الفتاة إعداد كعكة لعيد ميلاده. الديكتاتور يبتسم لأن الكعكة قبل البلاد، لأنها في واجهة الصورة والبلاد في خلفيتها.
في رمان
