يُبقي المخرج الإيطالي (أمريكي الهوى) لوكا غواداغنينو قصصه في المناطق القلقة، المابين، لا مقدمات بيّنة ولا استنتاجات حاسمة. أفلامه تُبقي المُشاهد في حالة من القلق تجاه ما يدور أمامه من أحداث وحوارات. حالة اللايقين هذه مقصودة، هو أسلوب سردي لهذا المخرج المأخوذ لا بالنتائج، بل بالاحتمالات المودية إلى أي نتيجة كانت. الأساس في أفلامه هو هذه الاحتمالات المتساوية في مدياتها وليس في النتائج النافية إحداها للأخرى.
نجد ذلك في أفلام له منها الرائع مثل “نادني باسمي” ومنها المتكلّف الثقيل مثل “كوير”، وما بينهما مثل “عظام وكل شيء”. ونجد ذلك تحديداً في فيلمه الأخير، ما يمكن اعتباره عتبة متقدمة في مسيرة هذا المخرج القلق، “ما بعد الصيد” (After the Hunt) المشارك خارج المسابقة الرسمية في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير.
يتناول الفيلم قصة ألما، أستاذة جامعية بسمعة طيبة، شخصياً ومهنياً، تصل في مساء إلى بيتها إحدى أبرز طالباتها تقول إن تعرضت للاغتصاب، وذلك من قبل أستاذ مساعد في الجامعة وصديق مقرب من ألما. يبدأ الفيلم باكراً بذلك، بشكوى الفتاة المضطربة، ويدور كلّه حول فترة ما بعد “الصيد”، من دون أن ندرك أيهما اصطاد الآخر، الفتاة أم الأستاذ.
لم نرَ ما حصل ولم نرَ أي إشارة له، ولن نرى حكماً به يثبته أو ينفيه. كلاهما، ما حصل والحكم حياله، ليس الفيلم معنياً بهما، بل بالعملية الجارية ما بينهما، وإن كان الفيلم سيمتد من دون الدخول في مسائل إجرامية أو قضائية، فلا مكان هنا لمحامين ومحققين. الفيلم يدخل في النفسيات ولا يخرج إلى الإداريات. ليس فيلم جريمة، وليس فيلماً حقوقياً. هو فيلم نفسي، فلسفي، ومجال الأستاذان، وهو الفلسفة، المنعكس على حواراتهما، إحالة ضرورية في الفيلم لإبقائه في مجاله الاحتمالاتي وعدم وقوعه أو إيقاعه في عالم الإدعاء والمرافعة وبالتالي اليقين وإن كاذباً أو ظالماً.
أما زوج ألما فهو طبيب نفسي، يرمي ملاحظات من مجاله إلى القصة الواقعة أمامه، في عدم انجذاب من طرفه لا إلى نفسية الطالبة المدعية ولا إلى نفسية الأستاذ المدعى، في المجال العام وليس في أروقة المحاكم، عليه.
قد تكون الحوارات أقوى نقاط فيلم قدّم أسباباً ليكون كل من الطالبة والأستاذ مداناً، وفي الوقت نفسه بريئاً. فأسباب في الطالية تجعلنا لا نصدق كلامها، أو على الأقل لا نصدق ما حصل حسب وصفها له وسردها إياه، لكن في الأستاذ تصرفات تعيدنا إلى الفتاة لننظر أكثر في إمكانية مصداقية ما قالته. في المقابل نجد في الفتاة، في كلامها ذاته وسلوكها، احمتالاً يكبر ويصب في مصداقية أقوال الأستاذ نفسه، الدافع ببراءته من دون تردد.
نحن هنا أمام طالبة شابة امرأة سوداء ومثلية، من عائلة ثرية إلى درجة التبرّع إلى الجامعة، لا تكف عن استعمال هذه التوصيفات أو التصنيفات كعوامل قوّة في ادعائها، بمعزل عن الوقائع التي لم يرَ أي من الشخصيات أو المشاهدين أياً منها. تدفع عنها أي اعتبار للتعاطف معها بوصفها ضحية. تردّ عليها ألما في حوار بأنها لن تستطيع الشهادة في صالحها وهي لم ترَ شيئاً أصلاً. لا تترك الفتاةُ طريقة غير لائقة إلا وتلجأ إليها في محاولة الإطاحة بالأستاذ. تنبهها ألما مجدداً بأنها تسعى للانتقام وهذا غير السعي للعدالة. لدى الفتاة اندفاعة وتشفّي، ما نجده في سعيها من خلال جريدة الجامعة وغيرها، إلى تشويه سمعة الأستاذ من دون أي اكتراث منها لإثبات ما حصل، لم تكترث بأي فحوصات طبية مثلاً.
في مقابلها يبدو الأستاذ غير مبالٍ بداية، قبل أن يخسر عمله. يفاتح ألما في الموضوع وهو يتناول وجبته بشهية ذكورية مقززة، من دون أدنى مشاعر أو اكتراث لمصداقيةٍ يمكن أن يزيد منسوبها أو يقل من خلال طريقة الكلام ذاتها. عنيف جسدياً ولفظياً ولا يثير هو الآخر أي تعاطف.
ألما، بماضٍ تحرّشي تعرضت له في طفولتها، قبل أن تعترف إلى زوجها المحبّ، بأن ما عاشته لم يكن تحرّشاً من رجل، بل حالة حب كانت مدركة لها، وهي طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، وذلك قبل أن تدّعي أن المسألة تحرشاً وقبل أن ينتحر ضحيّتها، بعد سنوات. ألما التي بماضٍ مربك كهذا، والمقربة جداً من طرفَي القصة، أو طرفي الصراع، الفتاة والأستاذ، ستبقى قلقة، ستبقى غير مطمئنة لأي جهة من الطرفين ستقف، وكذلك، ستبقى على علاقة جيدة بكل منهما، بعدما تخطى كلاهما، الفتاة والأستاذ، المسألة وأكمل حياته بمسار مهني وشخصي ناجح.
لسنا هنا، في الفيلم، بوارد المحاكمة، لا أحكام هنا بل مسارات متقاطعة ومتقابلة في رواية ما يمكن أن يكون قد حصل. لا أجوبة هنا بل أسئلة، لا استنتاجات ولا مقدمات تسبقها، بل افتراضات لا تخرج من فضاء الاحتمالات غير المتحققة. الفيلم، بذلك، إنساني تماماً، يفتح مساحات للخطأ واللايقين تكون مشروعة، ما بعد حالة الصيد، مشروعة تاركةً مجالاً لحياة تستمر من بعد اللايقين.
في القدس العربي:
