1
اكتب تعليقُا

المقالة النقدية ليست استعراضاً للفيلم ولا ترويجاً

تتمحور الممارسة النقدية السينمائية حول الكتابة، الكتابة أولاً وعاشراً قبل أن تليها أشكال أخرى من هذه الممارسة، وهذه الكتابة صحافية نقدية، فكرية بالدرجة الأولى، فلا هي عرض إفساديّ لأحداث الفيلم ولا هي نشرة تسويقية.

الكتابة النقدية ممارسة فردية وفكرية وتستغرق وقتاً. مسألتان تميزان هذه الكتابة عن غيرها، الفردية والفكرية، تتشابكان بتأنٍّ، ليخرج الرأي النقدي على شكل مقالة صحافية، أو بحث أو كتاب، على شكل أفكار تحولت إلى كلمات تعبّر عنها بحسب آراء كاتبها وأذواق وأولوياته ومعارفه وغيرها مما لا يخرج عن الأساسي: الفردية والفكرية.

هي إذن فردية لتعبيرها تماماً عن الرأي الإجمالي وأحياناً التفصيلي، لكاتبها، ولحصرها به وتحرّرها عن أي عبء خارج اسمه، هي ليست ويكيبيديّة بلا روح ولا خصوصية. وهي كذلك فكرية لتعبيرها الواعي والمتقصّد والمتأتي عن عمليات فكرية هي كذلك لا تعبّر سوى عن كاتبها ولا تلزم أحداً غيره بها، ولا حتى وسيلة النشر، مؤسسة صحافية أو بحثية أو ناشر. المقالة النقدية ليست إذن مادة دعائية وسياحية.

وتوجد ممارسة متشبّهة بالنقدية هي الإعلامية والمنصاتية، تحلّق حول الكتابة ولا تحل محلها، فلا ناقد يمكن أن يحتفظ بصفته هذه من دون الممارسة الكتابة، من دون تحويل الفرجة السينمائية إلى رأي فكري يُصاغ بالكلمات. هذا ما يجعلني غير آخذ بجدّية التقديمات الإعلامية لأفلام هنا وهناك، يكون صاحبها محصوراً بفيديوهات يبثها على تيكتوك أو انستغرام، أو في أحسن الأحوال يوتيوب ولا يكون الفيديو “شورت”، وهؤلاء كثر، تكاثروا في السنوات الأخيرة. يمكن إيجاد بعض الجاد منها في ثقافات أخرى، فهي منتشرة في الولايات المتحدة مثلاً، لكنها تبقى ضمن حدود العرض للفيلم، الكلام الإخباري عنه، مع رأي سيبقى على السطح في الفيلم، لمتفرج لا لقارئ، ويكون ثانوياً مقابل الأساس الإخباري.

لا يتوقع أحدنا من الفيديوهات أكثر من ذلك، هذه مساحتها وهذا سقفها، هي ليست إذن نقداً سينمائياً ولا حتى صحافة سينمائية، بل فيديو استعراضي لفيلم أو موضوع سينمائي ما. وأنا هنا أستثني “الفيديو إسّاي”، أي المقالة البحثية المتخذة لشكل فيديو، تكون نصاً مكتوب يُقرأ بخلفية مشهدية توضيحية، هي كلام مقروء لا ملقى على عواهنه (ولا يحكي عن التجوال المبهوت في ردهات مهرجان كان السينمائي مثلاً بل عن الفيلم في برامجه). فهذه الفيديوهات المقالاتيّة لا تقل أهمية عن البحث المكتوب والمنشور.

أما عربياً فالمرور على بعض هذه الفيديوهات للمبهوتين، يفيد بأنها شديدة التأخر عن تجارب ثقافات أخرى. عربياً هي شغل هواة، الكلام في صلب فيلم بعينه يعزّ ضمن اقتحامات الكلام الفارغ ويكون عادة حول كل ما لا يتعلق بالفيلم، حول خلفيةٍ تظهر في الفيديو مثلاً تستحق بنظر “الإنفلوينسر” و”الفيديو بلوغر” متناً مقابل تهميش الكلام السينمائي. هي إعلانات ترويجية بمناسبة سينمائية وبثرثرة حول ما هو خارجها.

آخرون، أو صفحات عامة، على الفيسبوك والانستغرام، يكتبون ولا يتكلمون، منشورات لا تتخطى طبيعة “البوست” الفيسبوكي تبدأ بعبارة مثل: “يا جماعة السيناريو للفيلم ده فشّيخ”. ويحكي، بالعامية ولا تكون بالضرورة مصرية، عما أحبه “أدمن” الصفحة، ثم يخبرنا قصة الفيلم، مع إدراج صورة منه. صفحات كثيرة على الفيسبوك تكون على هذا المنوال، بتشييرات كثيرة وتلييكات أكثر، وكما يُتوقَّع، يكون لمنصة “نتفلكس” الحصة الأكبر من الأفلام المختارة، لمستوى تناول كهذا.

كل ما ذكر ليس نقداً ولا يحوم حوله. البعض من هؤلاء، “صنّاع المحتوى”، يدركون الفرق بين ما يقدمونه، وهو خدمة إعلامية للترفيه والتسلية وبعض المعرفة كأوّل سطرين من ويكيبديا، لفئة من المتابعين أو المستخدمين، وبمستوى تسطيحي يضمن انتشاراً عالياً على وسائل التواصل. هي بذلك قريبة من الصحافة السينمائية حين تكون أشبه بصحافة المنوعات، والخدمات الترفيهية. لكنها، الفيديوهات والمنشورات وغيرها، لا ضرر فيها، بمعنى أنها يمكن أن تجلب اهتمام أحدهم إلى السينما على أنواعها، وضمن مستويات واطئة، لها الساعون إليها غير المعنيين بالمقالة النقدية، أو بالتنوع والتعمق في الكلام عن الفيلم عينه.

أما البرامج التلفزيونية، فهي إعلام منوعاتي عموماً، ويندر أن نجد برامج متخصص بالسينما، وإن وجد بعضها فيكون جاداً لطبيعة العمل الصحافي التلفزيوني واضطراراته، ويبقى ضمن نوع الخبر والعرض والمقابلة، فطبيعته المرئية، الكلامية لا الفكرية، والجماعية لا الفردية، والمساحة الزمانية المحدودة، كلها لا تسمح له بالتناول النقدي كما تسمح المقالة، وطبيعة التلفزيون مع جمهوره المنفتح هو على أفراده، ليست كطبيعة الصحيفة مع جمهورها المنفتح، أفراده، عليها. حتى اللقاءات، وإن طالت، مع نقّاد حول أفلام كتبو عنها، سيكون للناقد مساحة محدودة وكلامية لا كتابية، لا هي فكرية ولا فردية بالقدر اللازم للتناول النقدي.

نعود إلى الصحافة المكتوبة، فمعظم ما يقرأه أحدنا فيها لا يندرج ضمن التناول النقدي. إضافة إلى المواد المكتوبة التي تحوم حول المقالة، كالخبر والتقرير والمقابلة، تكثر المقالات حول الأفلام في الصحف والمجلات والمواقع، وقسم كبير منها يكتفي بالعرض، لا جهد فكرياً نجده هنا، تكون المقالات أقرب إلى نسخة مختصرة من الملف الصحافي الذي تعممه شركات الإنتاج والتوزيع. والكثير من هذه المقالات، الكثير مما أمر عليه في الصحافة العربية، ينزل بمستوى المقالة السينمائية إلى مقالة علاقات عامة، مقالة ترويجية ما لم تكن مقالة استعراضية.

النقد جهد فكري، النقد ممارسة ذهنية ثقافية بقدر ما هي فنية، وإنتاج كتابيّ فني بقدر ما هو ثقافي. النقد ليس استعراضاً للفيلم، ولا ترويجاً له، ولا محاولات للتقرُّب من أصحابه، مخرجين ومنتجين وموزعين. المقالة النقدية ليست استعراضاً للفيلم ولا ترويجاً، ولا هي غمزة لأصحابه ولا نظرة وابتسامة ولا كلمة والسلامة.

في القدس العربي

المقالة النقدية: فعل ثقافي لا استعراض سينمائي

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.