1
اكتب تعليقُا

أين يكتب الناقد في مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين؟

إن كانت مشاهدة الأفلام بمواعيد وأمكنة يحددها المهرجان، خاصة للعروض الصحافية، فهي، في مهرجان كان السينمائي مثلاً، تتركّز في صالتين هما “بازان” و”ديبوسي”داخل قصر المهرجان، وهي في مهرجانات ثانية تكون، في برلين السينمائي داخل قصر المهرجان صباحاً وفي صالة “آيماكس” مساء، وفي فينيسيا السينمائي داخل في صالات جزيرة الليدو، المتقاربة من بعضها، فهي تكون لجميع أصحاب بطاقات الاعتماد وليس للصحافية منها وحسب. إن كانت المشاهدة محددة إذن، فإن الكتابة، وهي النصف الثاني من مهام الناقد في المهرجانات، تكون عشوائية، زماناً ومكاناً.

يعتمد ذلك أساساً على النصف الأول، أي أوقات العروض وأمكنتها. بخصوص الأمكنة، فهي في المهرجانات الثلاثة تكون قريبة من قصر المهرجان أو فيه. يبقى السؤال حول مواعيدها، ففي برلين تكون عروض الصحافة صباحاً وظهراً أحياناً، وعرض مساءً أو ليلاً. فترة ما بعد الظهر إذن تكون لما ما عدا المشاهدة بما في ذلك الكتابة. الفيلم المسائي يمكن أن يسمح بوقت لكتابة ليلية، فهو ذاته يُعرض بموعدين، مسائي وآخر من بعده ينتهي عند منتصف الليل. الكتابة هنا منتظمة إذن، لأن المواعيد شبه ثابتة، وهو ما يميز المهرجان الألماني.

في فينيسيا الحال أقل تنظيماً نسبياً، فيلمان صباحاً وظهراً، وفيلم مسائي. البرنامج أقل ثباتاً هنا منه في برلين، لكن الهم الأساسي في الكتابة في فينيسيا هو ابتعاد الجزيرة، انفصالها، عن أمكنة إقامة معقولة للصحافيين في الجزيرة المقابلة، سان ماركو، أي فينيسيا المعروفة بقنواتها المائية. الكتابة تكون إذن ظهراً أو ليلاً. وفينيسيا في ذلك أقرب إلى برلين، بالمقارنة مع كان.

في المهرجان الفرنسي تكون العروض ما بعد الظهر ومرات بشكل متصل بثلاثة أفلام إلى آخر الليل. أحياناً يجد أحدنا وقتاً للاستراحة بعد الظهر، أو أول المساء، قد لا يكون كافياً للكتابة. لذلك، الكتابة في مهرجان كان السينمائي تكون صباحية أكثر من كونها مسائية، ويصعب التفكير بالكتابة الليلية لأن معظم أيام المهرجان، أو كلها، تكون بعروض تنتهي عند منتصف الليل، قبله بقليل أو بعده. أحياناً يكفي نهار بين فيلم الظهيرة وفيلم الليل للكتابة وغيرها. ولأن الصباح دائماً، تقريباً، متاح للكتابة، يمكن لساعات الفراغ ما بين العروض حتى الأخير، ليلاً، أن تكون أقل التزاماً من الناقد تجاه مهامه.

هذا بخصوص أوقات الكتابة التي يلزم على الناقد تحديدها بما يتوافق مع أوقات المشاهدة. ولا ننسى أن أفلاماً أخرى، من غير المسابقة الرسمية، تدخل على الروتين المشاهداتي والكتاباتي فتُحدث تغييراً طارئاً على انتظام نسبي في الكتابة بُني على انتظام نسبي في عروض المسابقة الرسمية. فأفلام معينة في التظاهرات الأخرى، كالفلسطينية أو العربية، أو أخرى لمخرجين كبار وتكون خارج المسابقة، هذه تحدث تغييرات خارج استقرار مواعيد أفلام المسابقة الرسمية، أو فيلم بموضوع يثير اهتمام ناقد ما، في إحدى تلك التظاهرات. هذا ولا يحسب أحدنا الالتزامات والانشغالات الجانبية، لقاءات واجتماعات وحفلات وغيرها، فهذه كذلك، وعلى هامشيتها بالنسبة للناقد، تتسبب في إلغاء قرار أو تذكرة عرض هنا أو هناك. أخيراً، لن يستطيع أحدنا، الألمام بكل ما يريده، من المشاهدة إلى غيرها، طالما أنّ وقتاً ضرورياً، يومياً أو شبه يومي، هو إلزامي للكتابة.

لكن، كذلك، الإقامة تحدد أوقات الكتابة وأمكنتها. مدى إتاحتها ظرفاً فيزيائياً وكيميائياً لفعل الكتابة، ومدى قربها من قصر المهرجان وصالات السينما ومساحات الصحافة. لكن الأساسي هنا هي مساحات الصحافيين الخاصة، وهي تختلف من مهرجان لآخر.

في فينيسيا، وداخل قصر المهرجان، مساحة واسعة مفتوحة، في مبنى الكازينو الشاسع، عالي الأسقف وعريض السلالم. في برلين تكون في صالة تحت الأرض، مفتوحة السقف لكنها معتمة، لا تحفز كثيراً الناقد للجلوس والقيام بالضروري، إضافة إلى مساحة جانبية، مغلقة وضيقة، لا أجواء تشجيعية فيها. كلاهما، في برلين، أقرب لانعزال أحدنا في غرفة للكتابة من دون أجواء مفتوحة وحيوية نجدها في مهرجان كان.

في مهرجان الريفييرا الفرنسي، شُرفة في قصر المهرجانات ضمن واحدة من المساحات المتعددة الخاصة بالصحافة، تناسب الكتابة كفعل مفتوح على أجواء المهرجان، فالسجادة الحمراء في الأسفل والمعجبون والمصورون والفضوليون يتزاحمون على مرأى النظر. الطقس يساعد في ذلك، فلا نحن هنا في برد برلين وثلجها في شباط ولا في حرّ فينيسيا ورطوبتها في أيلول. لكن، لعمارة قصر المهرجان في كان، بطوابقه وتشعبات ممراته ومساحاته وصالاته، فيه عدة مساحات للصحافة، جانبية مفتوحة ومغلفة، ضمن ضجة أو في هدوء، وفي الممرات الشاسعة، وتحديداً على السطح الذي اهتديته إليه هذا العام وكتبت جلَّ المقالات عليه، مطلّاً على مدينة كان العتيقة ومينائها وبحرها. ولأن الكتابة لا تكون من دون قهوة، فالمساحات الصحافية مدعومة بقهوة حسب الرغبة، في المهرجانات الثلاثة.

إن كانت مهام الناقد في المهرجان، تنتهي، نظرياً فقط، بالمشاهدة والكتابة، فالمهمتين تبقيان ناقصتين، لن يسعف أحدنا الوقتُ بمشاهدة كل ما يود مشاهدته، للكتابة أو للمتعة والمعرفة وحسب. كما أن الوقت والطاقة لن يكفيان للكتابة عن كل ما أراد الكتابة عنه، فيعود الكثير من النقاد إلى الأفلام ويترك الكتابة عن بعضها للفترة اللاحقة للمهرجان، وإن بانت الكتابة حينها بائتة عنده، وإن مشاعراتياً، إذ لا يشعر القارئ بذلك، فالفيلم صالح لتناوله نقدياً على طول العام، لمناسبات لاحقة للعرض الأول كعروض أخرى في مهرجانات أقل شأناً أو العروض التجارية في هذه البلد أو تلك. هذا ما يمكن أن يخفف على الناقد المهرجاناتيّ الزحمة المشاهداتيّة والكتاباتيّة في مهرجانه.

هذا كله ولم نذكر شيئاً عما هو خارج مهام الناقد، وهي مهام منطلقة أساساً من الاهتمام، والرغبة. فالأولوية، بصرف النظر عن العمل وضروريته، تكون للأفلام، مشاهدةً وكتابة، وللأخيرة متعة لا تقل عن الأولى، لا ذكر هنا لكل ما عداهما، المشاهدة والكتابة، لأنه همٌّ أخير، اكتراثٌ قليل، لمانح الأولوية دائماً لمحفزات المتعة: مشاهدة الأفلام والكتابة عنها.

في القدس العربي.

أين يكتب الناقد في مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين؟

 

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.