الكتابة من المهرجان وعنه، ما يُعتقد أنها أساس عمل الناقد، هي النصف الثاني من المهام النقدية، نصفها الأول هو المشاهدة. نعم، المشاهدة لدى الناقد مهمَّة عمل، بل المهمة الأصعب، في المهرجان، ضمن مجمل العمل. وهي محدَّدة المكان، ليس تماماً لأن أحدنا يحتار في أي صالة يشاهد، يحتار أو يضطر لاختيارٍ دون غيره، فالزمان والمكان يحدَّدان مسبقاً من قِبل المهرجان، ما يبدو، وهذا غير صحيح، أنه يسهّل أمر هذا النصف من المهمة. تبقى الكتابة مسألة متبعثرة زماناً ومكاناً، وبالتالي سلسة.
إذن، لا تكون المشاهدة بسهولة، وإن هيَّأ آخرون هم المبرمجون للناقد زمانها ومكانها. في مهرجان كان السينمائي مثلاً، لدى الناقد إمكانية الحجز في أيّ عرض ومؤتمر ولقاء وغيره، من خلال حسابه في الموقع كصحافي معتمَد من المهرجان، الحساب الذي توجد فيه مواد صحافية منوّعة. لكن، وهذا حالنا، ومن بعد تجربة، أَفضل ما يمكن أن يحجزه الناقد، هي عروض الصحافة، وليست العروض العامة المفتوحة للجمهور. والعروض المحصورة بالصحافة تكون لـ “المسابقة الرسمية”، إضافة إلى أفلام تظاهرتَي “خارج المسابقة” و”العروض الخاصة”. فيلمان أو ثلاثة يومياً هو ما يقدر أحدنا على حجزه لحظة فتح المجال، السابعة صباحاً تماماً. وتكون أفلام “المسابقة الرسمية”، أي الأهم، أي التي يسعى لها الناقد قبل غيرها، في صالتين هما “ديبوسي” وهي الأكبر والأفضل، و”بازان”. أما أفلام “خارج المسابقة” و”العروض الخاصة” فتكون عموماً في الصالتين الأقل شأناً في قصر المهرجان، “أنييس فاردا” و”لويس بونويل”.
المسألة مركّبة. مواعيد العروض تجبر أحدنا على اختيار “بازان” مثلاً، الأقل جذباً من “ديبوسي”، ما يبدو محاولة من المبرمجين لتوزيع الصحافيين على الأفلام، أو إتاحة أمكنة أكثر في فيلم أقل ترقّباً، فيوازن المهرجانُ بين الحضور لهذا الفيلم وذاك. الجميع على الأرجح يفضّل صالة “ديبوسي”، وهي ثاني أكبر صالة في المهرجان من بعد “صالة لوميير الكبرى” التي تحتضن العروض الأولى وعروض السجادة الحمراء لأفلام المسابقة الرسمية. أما “ديبوسي”، فإضافة إلى عروض الصحافة، فهي تحتضن العروض الأولى لتظاهرة “نظرة ما”.
النقّاد إذن يفضلون “ديبوسي” ذات الهيبة، فهي مسرح لا صالة، شاسع وله بلكون، العرض فيه يكون حدثاً. أما “بازان” فهي صالة سينما، عادية، متوسطة الحجم، كأي صالة في أي دار سينما جيدة. يفضل الناقد “ديبوسي” لكن قد لا يلحق أحدنا إن تقافز متسارعاً خارجاً من صالة “ديبوسي” ذاتها أو من “بازان”، قد لا يلحق عرضَ الفيلم التالي في صالته المفضلة، “ديبوسي”، فيختار مضطراً “بازان” ثانيةً. في المحصلة، غالباً، إما أن تشاهد فيلماً واحداً من فيلمَي الصحافة في “ديبوسي”، أو تشاهد الفيلمين في “بازان”. البعض قد لا يهتم بأحد الفيلمين فيختار الصالة الأكبر، البعض يختارها ويجعل للفيلم الثاني فرصة المشاهدة ضمن الجمهور العام في صالات أخرى ضمن المهرجان. وهذا تنازل للناقد.
التنازل هو في اختيار المشاهدة ضمن عروض تشوِّش عليه وشوشاتٌ وقهقهاتٌ وفرقعاتٌ ورنّاتٌ وأضواء، للكلام والمكسّرات والهواتف. المشاهدون النقّاد يولون اكتراثاً أكبر من غيرهم تجاه باقي المشاهدين، كما أن صالات المهرجان الأساسية لا تسمح بذلك التشويش. في مهرجان فينيسيا السينمائي مثلاً، متى أطفئت أنوار الصالة لبدء الفيلم، وبقي هاتف أحد بطيئي البديهة قليلي الحياء، مضاءً، يسلّط حرّاس الصالة عليه ضوء ليزر أخضر تنبيهاً له بضرورة إطفائه. الفرنسيون أكثر لباقة، تقترب الحارسة منك لاستئذانك، بلطف، إطفاء هاتفك، كأنها تؤدبك، مع تذكير تسخيفي لحضرتك بأن الفيلم، بالمناسبة، يبدأ خلال لحظات. عموماً، في فينيسيا لا عروض خاصة بالصحافة، بل خاصة بكل أصحاب بطاقات الاعتماد، وذلك يشمل العاملين في المجال السينمائي بكافة الاختصاصات، منتجون وموزعون ومبرمجون وغيرهم، وهؤلاء لا تقدير معنوياً خاصاً منهم، عموماً، تجاه الفيلم، فهو مادة للبيع والشراء والعرض أولاً، وليس عملاً فنياً ومنتجاً ثقافياً تكون مشاهدته لإمكانية تقييمه بمقالة تستوجب جهداً فكرياً ومخزوناً معرفياً، وكل ذلك يستوجب ظروفاً جيدة لتلقي العمل الفني، أي صالة ممتازة وحضور محترم. لذلك، المشاهدة ضمن العروض الصحافية تكون في المهرجان الفرنسي، وكذلك الألماني، ففي برلين كذلك توجد عروض مخصصة للصحافة، فتكون المشاهدة وظروفها أفضل من تلك التي في المهرجان الإيطالي. ودائماً أفضل من أي عروض عامة.
مواعيد المشاهدة إذن في مهرجان كان السينمائي ثابتة، في صالتين للعروض الصحافية، إن فات الناقدَ عرض ما، يمكنه محاولة حجز تذكرة في العروض العامة، وهذا، إذن، تنازل حيال ظروف المشاهدة، لكن كذلك حيال توقيت المشاهدة، فالعروض الصحافية تكون سابقة للعرض الأول أو مزامنة، وبالتالي تكون سابقة لأي عرض آخر بيوم أو اثنين أو أكثر. بعضها يكون في تجمّع “سينيوم”، وهو متحف ومطاعم وصالات سينما حديثة بمقاعد سريريّة، لكنه بعيد نسبياً عن موقع المهرجان في جادة الكروازيت. وبعض العروض منتشر في صالات المدينة، بعيدة وقريبة.
رغم كل ذلك، رغم تخصيص عروض للصحافة في مهرجان كان السينمائي، ليست التذكرة مضمونة. حرفياً، ما لم يحجز الناقد تذكرتيه في ثانيتين، يفقد فرصته. لا يتسع الوقت لحجز أكثر من تذكرتين، وأحياناً يخرج بتذكرة واحدة فقط، أما تذكرة ثالثة لفيلم ثالث فهي شبه مستحيلة، والحديث عن أفلام المسابقة الرسمية فقط، حيث يتزاحم النقاد. لا أنقّ هنا، فقط أنقل الواقع.
يبقى الاحتمال مفتوحاً لإمكانية الحجز لاحقاً، متى يلغي أحدهم تذكرته فيتيح لغيره مكاناً. والإتاحة إلزامية، ففي المهرجانات الثلاثة يُسحَب اعتماد الصحافي إن حصل ولم يلغِ تذكرتَي فيلمَين لم يشاهدهما، قبل أكثر من نصف ساعة من بدء العرض. فيحاول أحدنا، من لم تسعفه الثواني الثلاث في الحجز لفيلمين أو ثلاثة، تحديثَ صفحة الفيلم في منصة التذاكر الخاصة بالصحافة، خلال الدقائق الثلاثين السابقة لعرض الفيلم، وأحياناً، وهذا يعتمد على الفيلم أساساً، يجد مكاناً. لكن هذه الحالة تُربك وتوتِّر وترمي بعرض الحائط الترتيبَ المسبق لبرمجة اليوم وباقي مهامه. فيكون الهلع.
هذا بعض من تعقيدات المشاهَدة لدى الناقد في المهرجان، قد تبدو ترفاً لكنها كافية للتسبب بـ “بانيك أتاك” من السابعة صباحاً، إن قلبَت الخيبةُ في حجز تذكرة، البرنامجَ رأساً على عقب. هذا بشأن المشاهدة، أما الكتابة فمسهَّلة “إنشاءالله”، هي أكثر ارتجالية وبالتالي ضماناً لدى الناقد، تكون في أمكنة تلقائية وأزمنة عشوائية. ولها كلام آخر.
في القدس العربي:
رحلة الناقد في مهرجان كان: يوميات المشاهدة بين المكان والزمان والدافع
