1
اكتب تعليقُا

فينيسيا السينمائي: “صوت هند رجب” العالي… العالي

أول ما يخطر في البال لدى المشاهدة، هو ضرورة المَقالتين لهذا الفيلم، أوّلَ يكون كغيره اليومي من المهرجان، قصير ومباشر، وآخر أكثر استحقاقاً، يكون محاولة لإيفاء هذا الفيلم بعض حقه. ثم، أنتبه أن لا مقالة يمكن أن تفي الفيلمَ حقاً حقه، وأن ليس لأحدنا سوى أن يتمنى له انتشاراً واسعاً وجوائز كثيرة، بدءاً من الأسد الذهبي.

“صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، والمنافس بقوة على جوائزه الكبرى، لأسباب سينمائية تماماً، جوائز تنسجم مع تصفيق هو الأطول والأعلى الذي ناله فيلم، أي فيلم، على طول المهرجان (٢٢ دقيقة: أضعاف غيره).

بدمجٍ احترافي قلّ نظيره عالمياً، بين الوثائقي والروائي، حاملاً كلاً من العنصرين إلى الآخر، فلا يدرك أحدنا أيهما فعلاً هذا وأيهما فعلاً ذاك، وهذا مَكمن احتراف لدى المخرجة تطوّرَ عبر أعمالها، بهذا الدمج نقلَ الفيلمُ، بتشويق عالٍ ومساحة ضيقة، الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الغزّية هند رجب، قبل أن يقتلها جيش الاحتلال ومعها فريق الإسعاف الذي حاول سحبها.

استهلال الفيلم من دون إعلانات لشركات الإنتاج، غير الملائمة للمصاب الذي بدأ به الفيلم واستمر عليه وانتهى إليه، بتوتّر عالٍ، ألقى، الاستهلال، بالمشاهدين من لحظة الفيلم الأولى إلى مأساته. استمر بذلك من دون موسيقى فيه، إلا دقيقة في تصويرٍ خارجي لشاطئ، وإن بلقطة مقرَّبة، أعطى، بالتضاد، معنى أشدَّ للتصوير المنغلق في مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني خلال محادثته المستمرة والمتقطعة لساعات، مع هند رجب.

من دون موسيقى، ومن دون تأثيرات صوتية مقحمَة، فلا نسمع سوى الحوارات. التأثيرات التي كانت، حملت المَحكيّ بالتمثيل إلى واقعية أرجعتنا إلى تسجيلات حقيقية، لم تكن التأثيرات الصوتية، كما تعهدها السينما، بحَمل المَحكيّ بالتمثيل إلى مبالغة وافتعال. أصوات واقعية لمكتب الهلال الأحمر، بأداء بارع لكافة الممثلين، تخللت مساراً على طول الفيلم بُني بتداخل أصوات هند رجب الواقعية، مع أصوات محدّثيها في مكتب الهلال الأحمر، منسوخة عن واقعها.

أصوات متماهية، صور متداخلة، مشاعر متخابطة. انهال علينا الفيلم باستقرار للتوتر على طوله، وهذه مسألة تتخطى موضوعه الفلسطيني الغزّي إلى أسلوبٍ كتابّي ومونتاجيّ وإخراجيّ يجعل للفيلم أفضليةً على غيره من منافسيه، في الحكم على استقرار شعور التوتر على طوله، من دون مقدمات ولا خواتم تطول، مع تنفيسات قليلة وقصيرة، وضرورية، فكان الفيلم حبساً طويلاً، بل دائماً، للأنفاس. هو انحباس لا نهائي للأنفاس تُقطِّعها انفلاتاتٌ لحظية فيُستعاد الانحباس ثانيةً وثالثة ورابعة. هذه براعة سينمائية بحتة، حملتها كوثر بن هنية إلى موضوعها الغزّي ليفيه حقّه في التناول السينمائي الأمين. ليس صوت هند رجب خافتاً، ليس مخنوقاً، أحالت المخرجةُ توترَ الصوت إلى توترٍ سينمائي، وأطلقته. جعل الفيلمُ من الصوت صرخة. في فينيسيا، صوت هند رجب عالٍ، وكذلك هو عالٍ “صوت هند رجب”.

الفيلم (The Voice of Hind Rajab) أطلق صوت هند، المستغيث لساعات، وأسمعه كما لم يُسمَع من قبل، ومعه أصوات الغزيين، أوصله بشكل روائي تام ومضمون وثائقي تام، بتمامٍ سينمائي. لا تحويل ولا تحوير في كلمات متكررة للطفلة هند المرتعبة، المجيبة مجدداً، عن أسئلة مكتب الهلال الأحمر الإلهائية الاستيعابية، بلسان الطفلة الخائفة المرتبكة لأن جثثاً لأهلها “نائمة” كما تقول، إلى جانبها تغطيها الدماء، ولأن أصواتاً تندلع بين وقت وآخر لطلقات جنود إسرائيليين، ولأن دبابة بدأت تقترب، ثم تقترب جداً. تجيب هند للمتحدثة، تترجاها، بأن أرسلي زوجك ليأخذني من هنا إن كنتِ لا تستطيعين القدوم بنفسك.

يمكن لأحدنا أن يَسعد لوصول فيلم يحكي قصّة فلسطينية، إلى المسابقة الرسمية تحديداً، لا أقل منها، في مهرجان فينيسيا السينمائي تحديداً، لا أقل منه. يمكن أن يسعد لذلك كما يمكن أن يكتفي به. لكن فيلم كوثر بن هنية لا يتوقف هنا، بل ينطلق منه إلى آفاق أوسع، إلى فيلم عظيم شكلاً ومضموناً، حوارات ومَشاهد. ويكون الفيلم، باستحقاق سينمائي أسلوبي وسردي، الأولى بأسد المهرجان الذهبي.

كلام كثير يقال في فيلم كوثر بن هنية، وهذا التعليق القصير طال قليلاً، ولأن كلاماً آخر أجدني ملزَماً به في محاولة لإيفاء فيلم شديد الامتياز إنسانياً وسينمائياً كهذا، حقه، سأعود إليه لاحقاً، وتكون محاولة ثانية للقول إننا أمام فيلم عظيم، أمام لحظة سينمائية عربية تاريخية.

فينيسيا السينمائي: “صوت هند رجب” العالي… العالي

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.