الأدب يطغى على السينما. توجد حالات لأفلام عظيمة خرجت من روايات عادية، لكنها استثناءات، أما القاعدة فهي أن الروايات العظيمة عصية على تحويلها إلى فيلم. غالباً ما يخيب ظن أحدنا، قارئ لرواية متى رآها على الشاشة، تحديداً مع روايات صارت بمكانة كتاب ألبير كامو، “الغريب”.
لذلك، لا يمكن الحكم موضوعياً على فيلم الفرنسي فرانسوا أوزون، “الغريب” (L’étranger) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، كما لم يكن موضوعياً الحكم على فيلم سبقه بقرابة ستين عاما، بالعنوان ذاته ومأخوذ عن الرواية ذاتها، فيلم الإيطالي لوتشينو فيسكونتي، والذي عُرض هنا كذلك، في المونسترا بفينيسيا.
في حالة كهذه يحضر جانبان متقابلان: الفيلم مبني على قصة وشخصيات تضمن امتيازاً للفيلم إن تناولها بحد أدنى من الجودة البصرية، وذلك لدى غير قارئي الرواية غالباً، وهو حال فيلم أوزون الأعلى، أصلاً، من الحدود الدنيا، ما يكون في صالح فيلم يكون نَصّه مبنياً على أساس متين. يقابل هذه الحالة تلقّي القرّاء للرواية لهذا الفيلم أو ذاك، والاضطرار لإجراء عمليات مقارنة بين الأدب والسينما. وهذه تكون في صالح الأدب غالباً. مثال بسيط هنا هو رواية “لوليتا” لكاتب غير استثنائي هو فلاديمير نابوكوف، المتفوقة رغم ذلك وبكل الأحوال على فيلم “لوليتا” لسينمائي استثنائي هو ستانلي كوبريك.
كل ذلك لأقول إن فيلم فرانسوا أوزون ليس سيئاً، بل أحسن نقل الرواية وإن صعّبت الأخيرةُ الحكمَ عليه، ففي مقاربات أهمها اتخاذه للتصوير بالأبيض والأسود، وامتداد العبثية من الكلام والسلوك إلى المكان، المساحات الفارغة (المينيماليستيّة) التأملية التي خدمتها رماديةُ الصور، مانحةً للسياق الاستعماري الفرنسي في الجزائر إشارات متكررة، مع تركيز على منابع العبث في الرواية مستحضراً إياها في الفيلم، بما يتيحه التناولُ البصري، كالملامح حيادية المشاعر دائماً، كردود الفعل البليدة، كالاستعانة بمقاطع ضيقة من الحوارات الكاشفة عن “الوجودية” فلسفياً كما توسّعت فيها الرواية. هي استعانة بقدر ما يسمح به وقت فيلم بساعتين، سيبقى قاصراً دائماً في الإلمام بما يتسع له النص الأدبي.
لكن الفيلم لم ينحصر النص، بل تخطاه في أكثر التفاصيل بلاغة، وهو تغييب اسم العربي المقتول في الرواية. امتياز للفيلم يتوضّح في أول مشاهده وفي آخرها، الأول حيث يدخل الفرنسي مورسو السجن ويقول مجيباً عن سؤال جرمه بأنه “قتل عربياً”، والأخير في القبر وعلى شاهدته اسم هذا العربي، الجزائري. على طول الفيلم نعرف أكثر عن مورسو، الشخصية الرئيسية الذي تتمحور الحكاية حولها، منذ وفاة أمه مروراً بالأيام الأولى من بعدها، وحيادية مشاعره تجاه ذلك، وكل ما دونه، وصولاً إلى المحاكمة. في الفيلم ندرك بصرياً ما يعرفه قارئ الرواية، في أن العربي بقي تحت التراب من دون اكتراث بحقه، بهويته، باسمه.
هذا في الرواية. أما الإضافة السينمائية، الامتيازية، فكانت، على الأقل، في تسميته، باسم مكتوب بوضوح على شاهدة قبره، لقطة ختامية للفيلم الذي استهلّته، كذلك، كلمة “الغريب” مكتوبة بالعربية قبل الفرنسية، في تقديم الفيلم لعنوانه.
بخلاف استعادات تحاول منح العربيَّ في الرواية اسماً وموقعاً، كما فعل روائي جزائري بادّعاء ابتذاليّ قبل سنوات، بخلافه استعاد فيلمُ أوزون، وبدرجة فاقت كذلك فيلمَ فيسكونتي، وجهَ العربي واسمه، بالقدر الذي تسمح به أمانة الاقتباس السينمائي. بالقدر الذي سمح به فيلم جميل وأمين.
