1
اكتب تعليقُا

فينيسيا السينمائي: في “أب أم أخت أخ” مرثاة للوالدين

هذا فيلم جارموشيّ بامتياز. لا أحداث في الفيلم بل حوارات، لا تشويق في الحوارات بل بساطة، لا ادعاء في البساطة بل شاعرية. هي حوارات شاعرية ببساطتها.

الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، “أب أم أخت أخ” (Father Mother Sister Brother) والأكثر رهافة ورقّة مما عُرض إلى اليوم، هو فيلمٌ بنقاء السينما، بذكاء الحوارات، المتكررة بنُسخٍ مختلفة، في الفصول الثلاثة من الفيلم: “أب”، “أم”، “أخت أخ”. الأول يدور في نيوجرسي والثاني في دبلن والثالث في باريس.

في الأول يزور ابن وابنة أبيهما في بيت ناءٍ في ما يشبه الغابة. الثلاثة متكلفون واحدهم تجاه الآخر، لا يلتقون غالباً، الأجواء متوترة والكلام يزاحمه الصمت. أخبار أوّلية بينهم يدرك واحدهم أن الآخر لم يكن يعرفها.

في الفصل الثاني ابنتان تزوران أمهما، كذلك تدور حوارات أقرب إلى تبادل الأخبار العامة، عن الحياة والعمل ومعظمها كذب. كأن الثلاثة، هنا كذلك، يتعارفون بحذر وللمرة الأولى.

الفصل الثالث يبدو استجابة إلى أول اثنين. توأمان، أخت وأخ، يتجولان في باريس، يتحدثان عن الذكريات العائلية، عن الأب والأم المفقودين في حادث، يقلّبان الصور قبل أن يكشف الأخ لأخته أنه أخفى كامل أثاث شقة الأبوين قبل مصادرتها، كي لا يخسراها. يحن التوأمان إلى ما فقداه، إلى ما لا يقدِّر حضورَه الإخوة في أول فصلين. الذكريات هنا منبع للمشاعر. أما في أول فصلين، لا ذكريات فلا مشاعر.

في الفصول الثلاثة يحضر الماء موضوعاً للحوارات، مضيفاً إلى بساطتها نقاءه. هنا تكمن سينما جرموش، في النقاء المستمد من البساطة، سرداً وتصويراً. هي سينما هادئة، مسالمة، تكفّ الشخصيات عن الكلام أحياناً وتكتفي بالنظرات، أو بالتصرف الصامت تاركاً للمعاني أساليب تعبير لا تكون بالكلمات ولا الملامح. هي سينما شعرية، ببساطة قصيدة النثر، وعاديّة مفرداتها، إنّما بكمالها، باكتمال حلقتها من أوّل سطر فيها إلى الأخير، هذا ما نجده في “أب أم أخت أخ”.

الشكل القصائدي هنا يبدأ من العنوان الأقرب إلى حلقة لا استهلال فيها ولا ختام، ويستمر في التقطيع إلى فصول، كلّ فصل يعيد سرد ما سبقه بروح جديدة، كأنه يودي إليها، ما يجعل من الفيلم دائرة تحوم إلى أن تصل إلى خاتمة، إلى قفلة تكون استجابة لما سبقها، هذه هي قصيدة النثر وهذا هو فيلم جرموش.

الإخوة في الفصول الثلاثة يشربون الماء، ويتناولونه بحديث عن مدى نقائه. في عبارات عادية ما لم تكن متكررة متطايرة في بطنٍ هو القصيدة، فيعطي كلُّ تناول له قيمةً إلى ذلك السابق له. هذا هو السياق الشعري.

لأن لا أحد يدرك معنى الماء، ومذاقه، إلا بفقدانه، لا يدرك الأخوة مكانة الوالدين في أول فصلين، فالزيارات قليلة وحين تتم يكون الكلام فيها قليلاً، يكون الاهتمام بما يُقال أقل. يفقد التوأمان الوالدين في الفصل الثالث فلا يكون كلامهما إلا عن الفقيدين، باهتمام كبير، بمشاعر أكبر.

الفيلم مرثاة إلى الأهل، الفيلم قصيدة مهداة إلى الأبوّة والأمومة، وهما كالماء، لا ينتبه أحدنا إلى مذاقه إلا متى فُقد.

فينيسيا السينمائي: في “أب أم أخت أخ” مرثاة للوالدين

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.