عشرات الأفلام أُنجزت عن قصة فرانكنشتاين، الوحش الذي صنعه طبيب، مجنون بالعظَمة. في ذلك يتساءل أحدنا، ما الذي يمكن أن يضيفه فيلم جديد عن قصة مألوفة، ومتكررة، جداً، سينمائياً؟
التساؤل مشروع، لكن المتوقَّع كذلك هو استحداث فيلم جديد، بتقنيات جديدة، كل فترة، عن قصة بات نجاحها، الممتد على قرابة قرن سينمائياً، مضموناً. أضيف إلى ذلك أن يحق لكل مخرج استعادة القصة لسردها بأسلوبه، بصرياً تحديداً. هنا تتركز قيمة فيلم أمريكي للمكسيسي غييرمو ديل تورو، المعروف مسبقاً بعوالمه الخرافية و”بجنون” خيالي خاص في نقلها بصرياً سينمائياً.
لكن فيلم “فرانكنشتاين” (Frankenstein) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، لم يكتف بميزات بصرية لسرد قصة معروفة، بل أضاف إليها قيمة نزعت الوحشية عن المخلوق الذي صنعه الطبيب فيكتور فرانكنشتاين، وقلبت الأدوار ليكون الطبيبة وحشاً بغروره وجشعه وقسوته، ويكون الوحش، وهو بمعالم أكثر إنسانية مما تعودناه في أفلام هذه الخرافة، يكون بمشاعر وسلوك “إنساني” بمعنى الخيّر. يكون الإنسان الواقعي هنا هو الشرير، والوحش هو الطيّب، فقط لأن سلوك كل منهما يحكم عليه أخلاقياً، لا الطبيعة والتسمية.
يقدم الفيلم لهذا الطرح “الإنساني” للوحش، من خلال منحه حقه في الرواية، فينقسم الفيلم إلى فصلين: رواية الطبيب في خلق الوحش، ورواية الوحش منذ حاول الطبيب قتله حرقاً وتدمير قصر عليه. ثم تعرّف الوحش، بحاثاً عن خالقه/قاتله، إلى عائلة ريفية ودفاعه عنها مقابل الذئاب وإقامته علاقة صداقة معها، بعد علاقة أقرب إلى الحب، مع زوجة شقيق الطبيب. الوحشية هنا سمة إنسانية، سمة لإنسان هو الطبيب، والإنسانية بمعناها الشائع، هي سمة الوحش، بمعناه الشائع كذلك.
منح الفيلم حق الرواية للوحش، لسرد نسخته من القصة، مما حصل، فكان ذلك مساحة لتغيير في المتكرّس حول تحديد الخيّر من الشرير. لتحضر رواية غير تلك الرسمية، المكتوبة، المألوفة، المسيطرة، التي للطبيب، فيحق للوحش الكلام فتُنفى عنه وحشيته وتُلقى على الطبيب. فنسمعه يقول مستغرباً إن الذئاب تقتل الخراف لا لحاجة لها منها بل لما هي عليه، لكونها خراف. محيلاً إليه فيكون وحشاً مطارَداً، أسطورياً، لا لسبب سوى بما هو عليه، لكونه مخلوقاً خارج السيطرة وخارق القوة.
يقول الوحش يلوم خالقه بغضب إنه لا يستطيع الموت، وإنه كذلك لا يستطيع الحياة وحيداً. طالباً من الطبيب خلق رفيق له يمضي حياته الأبدية معه. في هذا السطر من الحوار يتبين أي الطرفين تصرف ويتصرف بوحشية.
الفيلم ممتع من دون أن يتخطى امتيازات أفلام أخرى، يبقى فيلماً معتمداً أساساً على التأثيرات البصرية، فيلماً لنتفلكس وجمهورها. هو مقاربة جديدة لأدب تحول إلى خرافة، أو حكاية أخلاقية، خرّافية، من تراث الإنسانية. هذا بحد ذاته يضمن نجاحاً بحدّه الأدنى لكل استعادة لها، يبقى أن لديل تورو بصمته شديدة الخرافية المبنية على عوالم احترفها في عموم أعماله، جاعلاً من القوطية، أجواء القصة الأصلية، منطقةَ تقاطع بين إمكانات التأثيرات البصرية تقنياً، وحرفته الفنية والابتكارية خيالياً.
