يهوى المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك قصص الجريمة في سياق غير جرائمي، لا مببرات مباشرة للجريمة هنا، أو على الأقل لا محفزات تجعل من الجريمة خياراً لا آخر له، من سيقدم على قتل منافسيه في مقابلة عمل؟
يمكن لقصص أفلام تشان-ووك أن تنحى إلى ما هو دون قتل أحدهم، ثم أن القتل، وقد حصل، يكون بطرق غير تقليدية. ليس في عموم أفلامه إذن محفزات للقتل، ولا يكون القتل عادياً. هذا ما نجده بشكل أشد وضوحاً في فيلمه المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، “لا خيار آخر” (No Other Choice) أكثر مما نجده في غيره، وإن اجتمعت أفلامه تحت عنوان عريض هو الجريمة في سياق غير جرائمي، وإن كانت الجريمة عن سبق إصرار وترصّد حاسمين.
الفيلم مشغول بحرفية في مونتاجه أساساً، وبإحكام في كتابته، في سرد القصة بهدوء، لا ببطء لكن بهدوء يجعل لكلّ تفصيل فيه قيمة سردية. وإن كان الفيلم طويلاً نسبياً، ساعتان وثلث، إلا أن الأحداث المترتبة على بعضها، لكوننا في عمليات قتل تحتاج تفسيراً ما، وذلك لعدم تقليديتها، فإنها، الأحداث، استلزمت هذا الهدوء المتين في التتابع.
يحكي الفيلم عن أسرة سعيدة، يخسر الأب عمله فتنهار السعادة، يفكرون بتغيير نمط حياتهم، من بيع البيت إلى وقف الاشتراك بنتفلكس. يحاول الأب، لاستعادة السعادة، إيجاد عمل جديد، لذلك سيجري مقابلة عمل في شركة، سيقوم بمراقبة باقي المتقديم ليتخلص منهم ويتقدم إلى الوظيفة وحيداً. يقول لنفسه إن لا خيار آخر لذلك، إنه كان مضطراً. يقول له المدراء في الشركة إن لا خيار آخر لطرد العمّال لأن أجهزة حديثة، تعمل بالذكاء الاصطناعي، لن تحتاج سوى له، كمشرف على الأجهزة الأوتوماتيكية لا على عمّال غير موجودين.
لسنا هنا أمام فيلم جريمة، فهذه تفصيل تشويقي وإن تطوّر الفيلم على أساسها، وتبعاتها من كيفية التخلص من الجثة مثلاً، لسنا هنا أمام فيلم كوميدي، وإن كان له هذا الشكل، بل أمام فيلم انتقادي لاذع تجاه حالات استبدال الماكينات بالعمال، الناس، وهي معضلة أخلاقية قديمة كبرت في العالم مع الحداثة الصناعية (الميكانيكية فالكهربائية فالإلكترونية)، إلا أن الفيلم يطرح بعداً جديداً في ذلك هو دخول الذكاء الاصطناعي في تقليص أكبر للعمّال ومنح أدوار أكبر للآلات المسيَّرة بالذكاء الاصطناعي، فإن تخلت شركات عن أيد عاملة للتوفير، في العقود الأخيرة، فإنها، الشركات، ستتخلى عن الجميع، عن كل الأيدي العاملة، في السنوات المقبلة، بفعل ما هو يتخطى الحداثة الصناعية على مراحلها إلى الذكاء الاصطناعي، ليكون الحال كما انتهى عليه الفيلم، مُشرف واحد في المصنع يتحكم من خلال لوح في يده، مراقباً وحسب، سير العمل ولا تقوم به سوى روبوتات. وهذا كله في مصنع للورق، مع مشاهد ختامية تقوم فيها الروبوتات باجتثاث الأشجار بكل كفاءة. وهذا كله مودياً إلى اجتثاث البشر بعضهم بعضاً.
الفكرة الأخلاقية السياسية الاقتصادية في الفيلم، اندمجت مع القصة التشويقية لعمليات القتل، لتودي معاً إلى حالة قتل لا يمارسها، حقيقةً، الرجل بيديه لأن “لا خيار آخر” له، بل تمارسها الشركات الرأسمالية الساعية للربح الأكبر بالمصاريف الأصغر، بادعاء أن “لا خيار آخر” لها.
الفيلم وإن لم يكن أفضل أفلام بارك تشان-ووك، ذكي وممتع، يتوسل الكوميديا والتشويق في نقد الجشع اللانهائي للرأسمالية، ويتوسل تخوّفات عالمية كبرى نعيشها اليوم، لسرد فيلم كوميدي وتشويقي ممتاز.
فينيسيا السينمائي: في “لا خيار آخر” الذكاء الاصطناعي أداة رأسمالية
