في السنوات الأخيرة، كنّا نحضّر لانطلاقة ثانية، أعلناها العام الماضي، لا في ذكرى تأسيس المجلة، ٢٤ آب/أغسطس، بل في الذكرى الأولى لشن الحرب الإبادية على شعبنا، في محاولة للتأكيد على المساهمة في إثبات المشهد الثقافي الفلسطيني وتثبيته، في إبقائه حياً قدر الإمكان، وقد طال هذا المشهد، كغيره من الاجتماعي والصحي والاقتصادي مما انسحب على الكارثة الإنسانية، طاله بفعل الحرب محاولات محو نجحت في تقليص الشغل والإنتاج الثقافيين. لذلك، وللتأكيد على ضرورة التشبّث بالثقافة، بحيويتها، أجّلنا الإطلاق الثاني للمجلة، العام الماضي، شهوراً قليلة.
كانت انطلاقة ثانية ولم تكن مجرد ذكرى ختام ثمانية أعوام والدخول في التاسع، ذلك لأن هوية بصرية جديدة وجذرية حملتها المجلة، ثم ممارسة لهذه الهوية كانت ثمارها واضحة خلال العام الأخير. شعار بصري جديد، شعار نصّي جديد، موقع الكتروني جديد وما يرافقه من تقنيات تفاعلية حديثة، توغل في أساليب التواصل مع القراء، النشرات البريدية ومجموعة واتساب وتفعيل الانستغرام والفيسبوك، مع تصاميم خاصة لكل مادة، بجماليات لونية بدأت تميز المجلة منذ سنوات وصارت أكثر سطوعاً خلال العام، إضافة إلى استفادة من الذكاء الاصطناعي، وغيرها من المساحات التي لم تكن المجلة، على طول ٨ سنوات، قد دخلتها.
الأثر في الانتشار كان جلياً خلال العام، وذلك من دون أن نخفف من التزامنا بالجدية والجرأة في مواد المجلة، فلم نساوم على ما يرضي الألغوريتمات ولم ننجرّ إلى عناوين ومواضيع تسطيحية واستهلاكية معادَة التدوير وسريعة الدوران في وسائل التواصل. أي أننا قرّبنا من هذه الوسائل إلى طبيعة عمل المجلة، شكلاً ومضموناً، ولم نتقرّب، نحن، إليها.
أمس، دخلت المجلة عامها العاشر، أنهت التاسع، مع إدراك منّا بأن الخطوة التي أنجزناها قبل عشرة أشهر كانت صائبة، الانطلاقة الثانية، كانت مجدية، فلا يحكم على ذلك، وحسب، عدد الزيارات والتفاعلات، في صفحتنا على فيسبوك تحديداً، بل، أولاً، تحسُّن النشر كماً، لورود الكثير من المواد لكتّاب وكاتبات جدد، وهو ما يجرّ معه تحسّناً نوعياً، إضافة إلى مواصلة المجلة نشر مقالات لأقرب كتّابها على قلبها، وأخلصهم للمشوار المشترَك.
مع دخولنا عامنا العاشر، أضفنا قيمة جديدة للمجلة، بصرية ورمزية لكنها شديدة الالتحام مع هوية المجلة وثبات مضمونها، ومع دورها في المشهد الثقافي الفلسطيني والمشرقي والعربي، وهو شعار بصري مواز لشعارها الأصلي الذي أطلقناه العام الماضي، هو شكل فني بالنظر إليه يدرك أحدنا موقع المجلة وموقفها، ثقافياً وسياسياً وفكرياً. الشعار هو رسمة لوجه غسان كنفاني، عرضتها مجلة “الهدف” التي أسسها وحررها كنفاني، على غلاف العدد التالي للحظة اغتياله في بيروت عام ١٩٧٢. وجهُ كنفاني، بعينيه الثاقبتين، صار، من اليوم، شعاراً جديداً وموازياً للمجلة، صار هوية جديدة لنا، أو صار تمثيلاً جديداً لهويتنا ذاتها، الملتحمة مع ما يمثله في الوعي الجمعي وفي الإرث الثقافي للفلسطينيين.
العام المقبل سنكون قد أكملنا عقداً من عمر صحافة ثقافية فلسطينية مستقلة ومتخصصة، ستكون مناسبة للمراجعة، للتأمل، وللتأكّد أكثر من ضرورة الصمود والمقاومة، بل التطوّر والتقدّم، لأن لا مقاومة ثقافية من دون صحافة ثقافية. هنا، تحديداً، تجد “رمان” نفسها. لذلك، تحديداً، نحن هنا، لذلك نصرّ على التقدّم.
